العودة إِلى لبنان قبل العودة إِلى الجنوب

هنري زغيب*

طبعًا سيَعودُون… حتمًا سيَعودُون… وستفرَح بهم أَرضُ الجنوب، يعودون إِلى قلبه، إِلى نبْضه، إِلى كل فذلة منه وكلِّ حبَّة ترابٍ دنَّسَها العدوُّ الوحش وهجَّرَهُم من لبنان إِلى لبنان. وما أَصعبَ اللجوء إِلى أَرض أُخرى في الوطن الواحد.

بلى… سوف يعود الجنوب إِلى لبنان. سيَعود لبنانيًّا بأَصالته وتاريخه وحضارته وتراثه الخالد. سيَعود جبل عامل، وتُلاقيه صور وصيدا والنبطية وبنت جبيل والخيام وعلْما الشعب ورميش وعين إِبل ومرجعيون وحاصبيا وراشيا الفخار وسواها وسواها، ويكون عرسٌ في فرحتَين: زوالِ الاحتلال وعودةِ الأَرض إِلى أَهل الأَرض. فإِيمانُ اللبنانيين بأَرضهم أَقوى من أَيِّ كفْرٍ بالأَرض وأَهْل الأَرض. إِنه الوطن يتصالح في ضَمِّ أَبنائه إليه، آتين من بُعادهم الـموَقَّت، عادُوا مؤْمنين به، بهُويته، بعَلَمه، بمسارٍ واحدٍ ومصيٍر واحد، وبالانتماءِ إِليه سقفَ حمايةٍ وأَرضَ حمايةٍ ومصيرَ حماية.

كلُّ اعتبارٍ آخرَ اليوم مؤَجَّل. الأَهمُّ اليوم عودةُ الأَهل إِلى أَهلهم وبيوتهم ورزقهم، إِلى ترميم ما تَهَدَّم، إِلى بناء ما دمَّره الوحش، وإِلى السَكَن في الأَمان. الأَمانُ لا يكونُ إِلَّا بالإِيمان، والإِيمانُ لا يكونُ إِلَّا بالولاء، والولاءُ لا يكونُ إِلَّا بالانتماء، والانتماءُ لا يكونُ إِلَّا باعتناق الهوية، والهويةُ لا تكون إِلَّا بالإِخلاص لها، ولها وحدَها دون سواها، أَيْ دون أَيِّ انتماءٍ آخَر ودون أَيِّ ولاءٍ آخَر ودون أَيِّ تبَعيةٍ وزبائنية واستزلامية واستسلامية لخارج الوطن، ودون أَيِّ موزاييك إِيديولوجي أَو سياسي أَو عقائدي خارجَ الوطن. المستزلم المستسلم منبوذٌ في محيطه ومستعبَدٌ لدى أَسياده، فهو إِذًا في اللامكان، والدائر في اللامكان يتيمُ أَرضٍ وانتماء، وما أَصغرَ وأَخطرَ وأَنكرَ وأَحقرَ مَن يَتَيَتَّمُ بإِرادته أَرضًا ونعمةَ انتماء.

الشحنُ السياسيُّ أَخطرُ من القذائف والغارات المعادية. والشحنُ الإِيديولوجيُّ أَخطرُ من الصواريخ المدَمِّرةِ البيوتَ والأَحياء والشوارعَ والقُرى والمدُن. والشحنُ الطائفيُّ والمذهبيُّ والفئويُّ أَخطرُ من تدمير البُنى التحتية، لأَنه يُدمِّر البُنى الفوقيةَ الشعبية، في فكْرها وعقْلها وانتمائها، ويُسمِّمُ الأَجيالَ الجديدة إِذ يُنَشِّئُها على ولاءٍ لغير وطنها، وهذا تحضيرٌ مُسْبَقٌ لخيانة الشعب والأَرض والوطن.

مَن لا انتماءَ له إِلى وطنه، لا يستحقُّ وطنَهُ ولا نعمةَ الانتماء إِليه. الوطن يَبْنيه شعبُه المخلِص المؤْمن به إِيمانًا مطْلَقًا. والدولة المركزية تَبنيها سلطة حازمة شجاعة تأْخذ التدابير المناسبة في الوقت المناسب وتنفِّذها في الظرف المناسب، كي يثِقَ بها شعبُها، وبها وحدَها يحتمي فتحميهِ بجيشها وقِواها الأَمنية الشرعية.

بهذا كلِّه يكون الإِيمانُ بلبنان، وبدونه لا يكون ولاءٌ ولا انتماء.

وبهذا يكون كلُّ لبنان، شمالًا وبقاعًا وجنوبًا، عادَ إِلى لبنان، كلِّ لبنان، وإِلى الإِيمانِ بكل شبْر منه على أَنه لكل مواطن لبناني مخلصٍ للبنان وما إِلَّا للبنان، ويؤْمن بلبنان وطنًا وشعبًا ودولةً تحمي شعبَها وأَرضها، وتفرضُ هَيْبتها والثقةَ بها محليًّا وإِقليميًّا، وحيال حلفائها من دُوَل العالم.

Exit mobile version