من أديس أبابا إلى الأطلسي: كيف كَشَفَ مَقعدٌ فارغ ولادةَ نظامٍ أمنيٍّ جديد في المغرب العربي

في قمة الاتحاد الأفريقي لعام 2026، لم يكن الفراغ في مقعد شمال أفريقيا تفصيلًا بروتوكوليًا، بل إشارة صارخة إلى تحوُّلٍ عميق في بُنية القوّة الإقليمية. بين تنافُسٍ مغاربي مُحتَدِم وصعود محور أمني عالي التقنية، تُعادُ صياغةُ موقع المنطقة في قلب معادلة المتوسط والأطلسي.

قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا: المقعد الشاغر لشمال أفريقيا أظهرَ صورةً لوضعٍ إقليمي يقفُ عند مفترق طرق تاريخي.

أمين أيوب*

مع انبلاجِ فجرِ الرابع عشر من شباط (فبراير) 2026 فوق أديس أبابا، افتُتحت أعمال الدورة العادية التاسعة والثلاثين لجمعية الاتحاد الأفريقي وسطَ مشهدٍ احتفالي مألوف: أعلامُ خمسٍ وخمسين دولة ترفرف، وأناشيد وطنية تتعاقب، وخطاباتٌ تؤكّد على التضامن القاري. غير أنّ هذه الصورة المُنضَبطة أخفت وراءها فراغًا سياسيًا لافتًا. فعند إعلان التشكيلة الجديدة لمكتب الجمعية، بدا المشهد مُكتَمِلَ الأركان شكليًا —انتقلت الرئاسة إلى بوروندي، وتوزعت نيابتا الرئاسة على غانا وتنزانيا— إلّا أنَّ المقعدَ المُخَصَّص لشمال أفريقيا ظلَّ شاغرًا، في سابقةٍ ذات دلالات تتجاوز حدود الإجراء البروتوكولي.

هذا الغياب لم يَكُن تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل مؤشّرًا مُكثَّفًا إلى انسدادٍ جيوسياسي يتعمّقُ منذ سنوات. فتعذُّرُ توافُق دول شمال أفريقيا على مُرَشَّحٍ مُوَحَّد لا يعكس مجرّدَ خلافٍ ثُنائي، بل يشي بانقسامٍ بُنيوي داخل الفضاء المغاربي نفسه، انقسامٌ أعادَ ترتيبَ أولويات الأمن الإقليمي من المتوسط إلى الأطلسي. وهكذا تحوَّلَ “المقعد الشاغر” إلى استعارةٍ سياسية لوضعٍ إقليمي مأزوم، تتراجَعُ فيه المقاربات التوافقية أمام حسابات النفوذ والاصطفاف.

في هذا السياق، تبدو القمة لحظةً مفصلية في مسار الهوية السياسية لشمال أفريقيا داخل المنظومة القارِيّة. فالتعثُّر في إنتاجِ تمثيلٍ مُوَحَّد يكشفُ بيئةً ديبلوماسية صفرية المحصلة، تجاوَزَ فيها التنافس بين المغرب والجزائر إطارَ النزاع التقليدي ليصبح صراعًا على الشرعية المؤسّسية داخل الاتحاد ذاته. ويأتي ذلك في توقيتٍ بالغ الحساسية، إذ تتقاطع ضغوطٌ مناخية ممتدة —جفاف يضرب الأجيال ويهدد الأمن الغذائي— مع اندماجٍ مُتسارعٍ في ترتيبات أمنية موالية للغرب تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وشبكات الردع الجديدة. وبينما يتصاعد منسوب المخاطر، يبدو أن شمال أفريقيا تدخل مرحلة إعادة تعريف لموقعها بين انتمائها الأفريقي وحسابات تحالفاتها العابرة للمتوسط.

المأزقُ المؤسّسي

يعودُ هذا الشغور الإجرائي في منصب النائب الثالث لرئيس الجمعية إلى صرامة “قاعدة الإجماع” التي يعتمدها الاتحاد الأفريقي، والتي تُلزِمُ كلَّ تكتُّلٍ إقليمي بتقديم مُرشَّحٍ واحد مُتَّفَق عليه لشغل مقاعد مكتب الجمعية. نظريًا، تهدف القاعدة إلى تكريس وحدة المواقف الإقليمية داخل الإطار القاري. عمليًا، تحوّلت في حالة شمال أفريقيا إلى آلية تعطيل، بعدما أصبح التوافق بين الرباط والجزائر أقرب إلى المستحيل في معادلةٍ إقليمية مشحونة بالتنافس والشكوك المُتبادَلة.

بالنسبة إلى المغرب، الذي عزّزَ موقعه خلال العقد الماضي عبر شبكة تحالفات أفريقية واسعة وترويج نموذج يزاوج بين الأمن والتنمية، ينظر إلى المنصب بوصفه امتدادًا طبيعيًا لطموحه القيادي في فضاء الساحل والواجهة الأطلسية. أما الجزائر، التي لا تزال تتمسّكُ بصورة “حارس الشرعية الثورية” داخل المنظومة الأفريقية، فترى في أيِّ تَرَقٍّ مؤسّسي مغربي تهديدًا مباشرًا لعمقها الاستراتيجي ولموقعها في ملف الصحراء الغربية، ولا سيما دعمها لـجبهة البوليساريو. وهكذا، انتقلَ التنافُس من حدود الجغرافيا إلى فضاء الشرعية داخل مؤسسات الاتحاد نفسه، حيث بات كلُّ مقعدٍ يُقرأ كترجمةٍ لتوازنات القوة الإقليمية.

نتيجة هذا الانسداد لم تقتصر على البُعدِ الرمزي. فقد أفضى المأزق إلى تهميشٍ فعلي لشمال أفريقيا في لحظةٍ يُناقِشُ فيها الاتحاد شعارَ العام 2026: “توافر المياه المستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة”. المفارقة تكمن في أنَّ الملفَّ المطروح يمسُّ صميمَ الأمن الوجودي لدول المنطقة، التي تُعَدُّ من بين الأكثر عُرضةً للإجهاد المائي عالميًا، فيما تُعَدُّ في الوقت ذاته من الأكثر تقدُّمًا تكنولوجيًا في مجالات تحلية المياه وإدارة الموارد المائية. وبينما يتجادل المندوبون في أديس أبابا حول آليات حوكمة الأحواض العابرة للحدود، تبقى الكتلة الشمالية غائبة عن طاولة التأثير، بفعلِ حساباتٍ سياسية داخلية تتقدّمُ على ضرورات التعاون البيئي.

هذا التجاهُلُ المؤسَّسي يكشفُ مفارقةً أعمق: أولوية الحفاظ على نقاء السرديات الإيديولوجية والمُطالبات الإقليمية لدى قيادات المغرب العربي، حتى وإن جاءَ ذلك على حساب مواجهة تهديداتٍ بيئية تمسُّ مباشرةً نحو مئة مليون مواطن. ففي لحظةٍ تتطلَّبُ تنسيقًا عابرًا للحدود وإجماعًا علميًا، يطغى منطق الاصطفاف والصراع الصفري، ليُحَوِّل التحدّي المناخي من فرصةٍ لبناء الثقة إلى ساحةٍ إضافية لتكريس الانقسام.

الصعود الاستراتيجي للمغرب

على الرُغمِ من الفراغ الذي خلّفه تعثّر التوافق داخل مكتب الجمعية، فإنَّ مداولات اليوم ذاته عكست تحوُّلًا موازيًا في ميزان القوى داخل الاتحاد الأفريقي، يميلُ بوضوح نحو مُقاربةٍ أمنية أكثر تقارُبًا مع الغرب. ففي اقتراعٍ سرّي حاسم، حصد المغرب 34 صوتًا من الجولة الأولى ليظفر بمقعدٍ في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026-2028، وهو رقمٌ يَعكِسُ كتلةَ دعمٍ وازنة تتجاوز حدود شمال أفريقيا.

جاء هذا الفوز مدعومًا بانسحابٍ تكتيكي من جبهة البوليساريو من سباق أحد المقاعد، خطوةً قرأها مراقبون باعتبارها مؤشّرًا إلى تراجُعِ هامش الحركة الديبلوماسية للجبهة داخل بيئةٍ مؤسّسية تتجه نحو إعادة تعريف أولوياتها الأمنية. فالاقتراعُ لم يكن مجرّدَ مُنافسةٍ إجرائية، بل اختبارًا لموقعِ كلِّ طرف في خريطة التحالفات الأفريقية الجديدة، حيث باتت ملفّات مكافحة الإرهاب، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الساحل تتقدّم على سرديات التحرُّر التقليدية.

تكمُنُ أهمّية هذا التطوُّر في طبيعة المجلس ذاته. فمجلس السلم والأمن يُعَدُّ الذراع التنفيذية الأساسية للاتحاد في مجالات الإنذار المبكر، ومنع النزاعات، وإدارة عمليات حفظ السلام. وبحصوله على هذه الولاية، يكونُ المغرب قد تجاوزَ عمليًا مأزق الشغور الإقليمي ليؤمِّن لنفسه موقعًا مباشرًا في قلبِ صناعةِ القرارِ الأمني القاري. وهذا الموقع يمنحُ الرباط منصّةً لترويج مقاربتها التي تمزج بين مكافحة التطرُّف العنيف، وتعزيز المراقبة البحرية على الواجهة الأطلسية، ودفع مشاريع التكامل الاقتصادي في الساحل بوصفها أدوات استقرار.

الأبعادُ لا تقتصرُ على الإطار الأفريقي. فتموضُعُ المغرب داخل المجلس يتقاطع مع مصالح الولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط، الذين يرون في شمال أفريقيا حلقةً مفصلية بين المتوسط والأطلسي وعمق الساحل. ومن خلال هذا المقعد، يُصبِحُ بوسع الرباط التأثير في أولويات بعثات السلام، وصياغة مقاربات مكافحة الإرهاب، وتوجيه النقاش نحو نماذج أمنية تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والشراكات متعددة الأطراف.

للمرة الأولى منذ عودته إلى الاتحاد قبل سنوات، لا يظهر المغرب بوصفه عضوًا يسعى إلى تثبيت حضوره فحسب، بل فاعلًا يطمح إلى هندسة جُزءٍ مُعتَبَر من المعمار الأمني للقارة السمراء. وبين شغورٍ يعكس انقسامًا إقليميًا، وفوزٍ يؤكّد صعودًا مؤسّسيًا، تتشكّلُ معادلة جديدة: شمال أفريقيا مُنقسمة تمثيليًا، لكنها حاضرة بقوة في قلب القرار الأمني الأفريقي.

الحسابات الاستراتيجية الأميركية

من منظور واشنطن، لا يُقرأ صعود المغرب داخل أروقة الاتحاد الأفريقي بوصفه مكسبًا ديبلوماسيًا عابرًا، بل كترجمةٍ عملية لاستراتيجيةٍ أميركية أوسع لإعادة توزيع أعباء الأمن الدولي. ففي العام 2026، كثّفت إدارة دونالد ترامب تركيزها على مفهوم “السيادة الفعّالة”؛ أي تمكين قوى إقليمية حليفة من إنتاج نتائج أمنية ملموسة، بما يُقلّصُ الحاجة إلى انتشارٍ عسكري أميركي دائم ومُكلف. ضمن هذا التصوُّر، برز المغرب كنموذج لـ”مُصدّر أمن” قادر على العمل كركيزةٍ أطلسية مستقرّة في بيئةٍ مغاربية وساحلية مضطربة.

هذا التقدير لم يأتِ من فراغ. فقد شكّلت الدراسات الميدانية التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)  في “مركز التعاون الأمني الأفريقي” بمدينة سلا مؤشّرًا إلى عُمقِ التنسيق العملياتي بين الرباط وواشنطن. فالتعاون لم يَعُد مُقتصرًا على تبادُل معلومات تقليدي، بل اتسع ليشمل تقييمات مشتركة للتهديدات العابرة للحدود، من شبكات التطرف إلى مسارات الجريمة المنظّمة.

في الحسابات الأميركية، يُنظَرُ إلى المنظومة الأمنية المغربية باعتبارها خطَّ دفاعٍ مُتقدّم ضد تمدّد النفوذ الروسي والصيني في فضاء المغرب العربي والساحل. ومع حصول الرباط على موقعٍ مُؤثِّر داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، يتعزّزُ هذا الدور عبر قناةٍ مؤسّسية قارية تمنح المغرب قدرةً على التأثير في أجندة النزاعات وعمليات حفظ السلام.

عمليًا، يوفر هذا التموضع لواشنطن شريكًا إقليميًا يتمتع بميزتين متلازمتين: معرفةٌ ثقافية وسياسية دقيقة بالبيئة المحلية، وقدراتٌ تكنولوجية مُتقدِّمة في مجالات المراقبة البحرية، ومكافحة الإرهاب، وإدارة المخاطر الحديثة. وبذلك، تتقاطعُ أولويات الولايات المتحدة في حماية طرق التجارة الأطلسية، ومنع الانتشار النووي، ودعم الاستقرار الإقليمي، مع مشروعٍ مغربي يسعى إلى تثبيت موقعه كفاعلٍ محوري في هندسة الأمن القاري.

في محصّلة المشهد، لا تبدو المعادلة مجرّدَ تقارُبِ مصالح ثنائي، بل إعادة صياغة لدور شمال أفريقيا في الاستراتيجية الغربية: من هامشٍ جغرافي متقلّب إلى عقدة ارتكاز أمنية تُدارُ عبر حلفاءٍ إقليميين قادرين على ملء الفراغ بأدواتٍ محلية وغطاءٍ مؤسّسي أفريقي.

“الدرع الإبراهيمي”

لعلَّ السمةَ الأقل ظهورًا والأكثر تأثيرًا في قمة هذا العام هي الحضور غير المعلن لـ”اتفاقيات أبراهام”. فخلف النقاشات التقنية حول إصلاح الهياكل المؤسسية، يتشكّلُ مسارٌ استراتيجي أوسع بات يربط الأمن القومي الإسرائيلي مباشرةً بقدرة الرباط على المناورة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي. ومع انتقال العلاقات المغربية–الإسرائيلية من التطبيع الديبلوماسي إلى التنسيق الدفاعي المنهجي، تحوّلت “خطة العمل العسكري 2026” بين تل أبيب والرباط إلى إطارٍ عملياتي يدمج التدريب، ونقل التكنولوجيا، وتطوير أنظمة الردع.

عمليًا، وفّرت هذه الشراكة لإسرائيل بوابةً مؤسّسية إلى أفريقيا عبر حليفٍ يتمتّعُ بشرعيةٍ قارية متنامية. فانتشارُ تقنياتٍ دفاعية إسرائيلية —من الطائرات المسيّرة التي تطورها “BlueBird Aero Systems” ، إلى منظومات المراقبة والاستطلاع التابعة لـ”Elbit Systems”— لم يعد يُقرأ كصفقاتٍ ثُنائية معزولة، بل كجُزءٍ من بُنيةٍ أمنية إقليمية تستهدفُ احتواءَ شبكاتٍ مسلّحة مرتبطة بإيران في الساحل وشمال أفريقيا. وهكذا، تتقاطع أولويات تل أبيب في كبح النفوذ الإيراني مع استراتيجيةٍ مغربية تسعى إلى تثبيت موقعها كمحورٍ أمني أطلسي–أفريقي.

في هذا السياق، يُمكنُ فَهمُ “المقعد الشاغر” في مكتب الجمعية باعتباره أحد تجلّيات هذا الاشتباك غير المباشر. فالجزائر تُدركُ أنَّ أيَّ اصطفافٍ شمالٍ أفريقي تقوده الرباط من شأنه أن يمنحَ الوجود الإسرائيلي بُعدًا طبيعيًا داخل الهياكل المؤسسية الأفريقية، ويُحوِّلُ التعاون الدفاعي من استثناءٍ سياسي إلى قاعدة عمل. لذلك، لا يقتصرُ الجمود على خلافٍ تمثيلي، بل يَعكِسُ صراعًا أعمق حول هوية السياسة الخارجية للقارة.

المعادلة المطروحة أمام الاتحاد تبدو ثُنائية الاتجاه: مسارٌ يتبنّى نموذجَ أمنٍ مُتكامل عالي التقنية، مُتَّصل بشبكات “اتفاقيات أبراهام” وتحالفاتها العابرة للمتوسط؛ ومسارٌ آخر يستندُ إلى خطاب “محور المقاومة” الذي طبع مرحلة ما بعد الاستقلال في القرن العشرين. وبالنسبة إلى إسرائيل، فإنَّ فوز المغرب بعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي يمنحها أفضلية غير مباشرة داخل اللجان التي تُحدّدُ أولويات التدخُّلات وولايات حفظ السلام، ويَحدُّ من قدرة خطاب “المقاومة” على التأثير في أجندة الأمن القاري.

هكذا، تتحوّلُ قمّةٌ يُفتَرَضُ أنها مُخصَّصة لشؤون الحوكمة والتنمية إلى ساحةِ إعادةِ تموضعٍ استراتيجي، تتداخل فيها حسابات الرباط وتل أبيب والجزائر، ويتحدد عبرها شكل المعمار الأمني الأفريقي في السنوات المقبلة.

الخيار بين الحنين إلى الماضي والاندماج

مع إسدال الستار على أعمال الدورة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي، ظلّ المقعد الشاغر المخصص لشمال أفريقيا صورةً مكثفة لوضعٍ إقليمي يقفُ عند مفترق طرق تاريخي. فالمغرب العربي اليوم عالقٌ بين إرثِ انقساماتٍ لم تُحسَم، ومُتطلّباتِ مرحلةٍ جديدة تُعيدُ تعريف الأمن بوصفه منظومة متكاملة عالية التقنية، عابرة للحدود والتحالفات التقليدية. قد يبدو الجمود، في ظاهره، علامة وَهنٍ مؤسّسي، لكنه في عمقه يعكس حجم المخاطر التي تُرافقُ انتقالًا جيواستراتيجيًا بهذا الاتساع.

درسُ الرابع عشر من شباط (فبراير) 2026 يتجاوز رمزية مقعد فارغ في أديس أبابا. فهو يؤكّدُ أنَّ منطقة شمالَ أفريقيا لم تَعُد هامشًا في الحسابات القارية، بل تحوّلت إلى محورِ ارتكازٍ ضمن شبكةٍ أمنية تمتدُّ من الساحل إلى الأطلسي، وتتقاطع فيها مصالح غربية وإقليمية معقّدة. إنَّ الشللَ الذي أصابَ مكتب الجمعية ليس سوى نتيجة احتكاك حتمي بين بنية إقليمية قديمة ونظام قيد التشكُّل، تتغيّرُ فيه موازين النفوذ وأدوات التأثير بسرعة غير مسبوقة.

ومع شروع المغرب في استثمارِ عضويته داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لدفعِ أجندةٍ أمنية مُتماهية مع أولويات الغرب، يبدو أنَّ سؤال التمثيل الشمالي لن يُحسَمَ عبر مصالحة تقليدية بين خصوم تاريخيين، بقدرِ ما سيفرضه واقع قوى جديد يتبلور في فضاء المتوسط والمحيط الأطلسي. في هذا الواقع الناشئ، لا تعود الشعارات الإيديولوجية كافية لضبط الإيقاع؛ بل تتقدّمُ التكنولوجيا، والبراغماتية، والتوافقات الاستراتيجية متعددة المستويات كأدواتٍ وحيدة قابلة للاستدامة.

هكذا، لا يُختَزَلُ “المقعد الفارغ” في كونه إخفاقًا ظرفيًا، بل يتحوّل إلى علامةٍ على نهاية مرحلة وبداية أخرى. فحين تُعادُ صياغة المعادلات الأمنية حول المعرفة التقنية، والشراكات العملياتية، وتقاطعات المصالح العابرة للأقاليم، يصبح ملء ذلك المقعد مسألة وقت—لا بفعل تسوية سياسية تقليدية، بل نتيجة اندماج تدريجي في بنية قوى جديدة تُعيدُ تعريف موقع شمال أفريقيا في قلب النظام الإقليمي المُتَحوِّل.

  • أمين أيوب هو كاتب ومحلّل سياسات مغربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى