فَجوَةُ الذكاءِ الاصطناعي: كيف يُعيدُ الصراعُ الأميركي–الصيني إنتاجَ التَبَعِيَّة التِكنولوجيّة؟

مع احتدامِ السباق بين الولايات المتحدة والصين على الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا يتحدّدُ الصراعُ بين قوَّتين عظميين فحسب، بل يُعادُ تشكيلُ نظامٍ تكنولوجي عالمي جديد. وفي هذا النظام، تُخاطِرُ دولٌ كثيرة بالتحوُّل من لاعبين محتملين إلى أطرافٍ تابعة.

فجوة تكنولوجية تتسع، فيما يترك سباق الذكاء الاصطناعي كثيرين على الهامش.

سام وينتر-ليفي وأنطون ليشت*

يَتَّجه مستقبلُ الذكاء الاصطناعي إلى التمركز في يد قوَّتَين رئيسيتَين: الولايات المتحدة والصين. فهاتان الدولتان تستقطبان نحو 70 في المئة من نخبة باحثي التعلّم الآلي في العالم، وتسيطران على ما يقارب 90 في المئة من قدرات الحوسبة العالمية، كما تجذبان الحصّة الأكبر من الاستثمارات في هذا المجال—أكثر من ضعف ما تستقطبه بقية دول العالم مجتمعة. هذا التركُّز غير المسبوق يُعيدُ رَسمَ موازين القوة التكنولوجية على مستوى عالمي.

في الثورات التكنولوجية السابقة، تمكّنت دولٌ لم تكن في الطليعة من اللحاق بالركب تدريجًا، عبر تبنّي التقنيات الجديدة وبناء قدراتها بمرور الوقت. غير أنَّ ثورةَ الذكاء الاصطناعي تبدو مختلفة في طبيعتها وسرعتها، ما يُهدّدُ بزَجِّ عددٍ كبير من الدول في فخٍّ استراتيجي جديد، قد يُكرِّسُ تبعية تكنولوجية طويلة الأمد بدل إتاحة فرص التقارب واللحاق.

يتجلّى هذا الفخ على نحوٍ خاص في ما يمكن وصفه بـ”القوى المتوسّطة” في مجال الذكاء الاصطناعي —دولٌ مثل فرنسا والهند والمملكة المتحدة، التي تمتلك مؤسّسات حكومية فاعلة وموارد اقتصادية مُعتَبَرة، لكنها تفتقرُ إلى الحجم، ورأس المال، والطاقة، وقدرات الحوسبة اللازمة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي مُتقدِّمة بصورةٍ مستقلة. وتواجه هذه الدول ثلاثة تحدّيات مُترابطة: أوَّلها أنَّ وصولها إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المُتقدّمة يبقى رهينةَ قرارات السياسة في واشنطن وبكين؛ وثانيها أنها ستتأثر بتداعيات الذكاء الاصطناعي —من فقدان الوظائف إلى الاضطرابات الاجتماعية وتنامي الجرائم الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي— سواء نجحت في توظيف هذه التقنيات أم لا؛ أما التحدي الثالث فيكمن في محدودية نفوذها وأدواتها السياسية للتأثير في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي أو في كيفية إدارة تبعاته عالميًا.

ليس التهميشُ التكنولوجي قدرًا محتومًا، لكن تفاديه يفرضُ على ما يُعرَف بـ”القوى المتوسطة” جُملةَ خياراتٍ صعبة. فهذه الدول مُطالَبة بالحفاظ على قدرتها على الوصول إلى أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه بتحديد القيمة الاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن تضيفها في عالمٍ تُعيدُ أنظمةُ الذكاء الاصطناعي تشكيله بسرعة. ولا تزال أمامها مسارات مُتعدّدة لتحقيق ذلك: فقد يختار بعضها الاصطفاف مع الولايات المتحدة أو الصين، وقد تحاول أخرى استغلال التنافس القائم بين واشنطن وبكين لانتزاع تنازلات، بينما قد تسعى دولٌ قليلة إلى مسارٍ أكثر طموحًا يقوم على تحقيقِ قدرٍ من السيادة التكنولوجية. لكن أيًّا كان الخيار، يبقى التحدّي المشترك هو فهم شكل اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي المقبل، وتحديد موقع النفوذ الممكن داخله.

عالقة في المنتصف

في الوقت الراهن، يصلُ معظمُ هذه “القوى المتوسّطة” إلى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي يصل بها الأفراد: عبر منتجات تجارية وواجهات توفّرها شركات أجنبية. غير أنَّ هذا النمط من الوصول أقل استقرارًا مما يبدو. فعلى عكس السلع الصناعية أو الأسلحة أو مصادر الطاقة، لا يُمكِنُ تخزينُ قدرات الذكاء الاصطناعي أو الاحتفاظ بها كأصلٍ مستقل. إذ يعتمدُ كلُّ استخدامٍ لنظام ذكاء اصطناعي متطوّر على وصولٍ فوري إلى بُنيةٍ تحتية تُسيطرُ عليها حفنةً من شركات وادي السيليكون، وتخضع في نهاية المطاف لسلطة الحكومة الأميركية، التي تملك القدرة على تقييد هذا الوصول عبر ضوابط التصدير أو العقوبات.

قد تتغيّرُ ملامحُ هذه الهيمنة مع مرور الوقت. فالصين تُسرِّعُ بناء بنيتها التحتية الخاصة، رُغمَ أنها لا تزال متأخّرة بضع سنوات عن الولايات المتحدة. كما إنَّ بعضَ المكاسب في الكفاءة قد يُسهمُ مستقبلًا في توسيع قاعدة الوصول، إذ تتطلّبُ النماذج الأصغر حجمًا قدرات حوسبية أقل، ما قد يُسهّلُ دخولَ لاعبين جدد. إلّا أنَّ الاتجاهَ السائد حتى الآن يسير في الاتجاه المعاكس، حيث ازدادت متطلبات تشغيل كلِّ جيلٍ جديد من الأنظمة المتقدمة بدل أن تتراجع.

وفي حال قررت الولايات المتحدة أو الصين قطعَ وصول دولة متوسطة القوة إلى الأنظمة العاملة على أراضيها، فإنَّ العواقب ستكون محدودة نسبيًا في الوقت الراهن، إذ لا تزال قطاعات أساسية —كالمستشفيات، وشبكات الطاقة، والأنظمة العسكرية— قادرة على العمل من دون الاعتماد المباشر على الذكاء الاصطناعي المُتقدّم. لكن هذه المخاطر مرشحة للتصاعد مع تعمّق دمج الذكاء الاصطناعي في البنى التحتية الحيوية للاقتصاد والأمن القومي.

وهذا الخطر ليس افتراضيًا. ففي مجالاتٍ أخرى، أظهرت كلٌّ من الولايات المتحدة والصين استعدادًا واضحًا لاستغلال اعتماد الدول الأخرى لتحقيق مكاسب سياسية. فقد استخدمت الصين مرارًا قيود التصدير على العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية كأداةِ ضغط، بينما استغلّت الولايات المتحدة اعتماد أوروبا على مظلّتها الأمنية لانتزاع تنازُلات تجارية، والضغط على الدنمارك في ملف غرينلاند. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنَّ واشنطن أو بكين ستتعاملان بقدرٍ أكبر من ضبط النفس عندما يُصبحُ الذكاءُ الاصطناعي إحدى أوراق النفوذ الأساسية في النظام الدولي الجديد.

سعت “دولٌ متوسطة” عدة إلى معالجة هذا الخلل عبر الاستثمارِ في إنشاء مراكز بيانات قادرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي أجنبية داخل حدودها، بما يمنحها قدرًا أكبر من السيطرة على الأنظمة المُستخدَمة وعلى البيانات التي تُعالَج محلّيًا. وقد كشفت مشاريع أُعلن عنها مؤخرًا في الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة عن ترتيباتٍ تُتيحُ وصولًا أوسع إلى موارد حوسبة سيادية، تُستخدَمُ لتشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي طُوِِّرت في الخارج. وبما أنَّ هذه الصيغة تحافظ على مصادر دخل الشركات الأميركية، وفي الوقت نفسه تعمّق ارتباط الحلفاء بالبنية التحتية التكنولوجية الأميركية، فقد حظيت بدعمٍ واضح من كلٍّ من الشركات والحكومة في الولايات المتحدة، عبر مبادرات مثل مراكز بيانات “ستارغايت” التابعة لشركة “أوبن إيه آي”، إلى جانب سياسات تُشجّعُ صادرات الذكاء الاصطناعي.

غير أنَّ هذا المسار يظل مكلفًا إلى حد كبير، وقد لا يكون قابلًا للتطبيق اقتصاديًا أو سياسيًا في جميع الحالات. فالدول ذات معدلات التبنّي المرتفعة للذكاء الاصطناعي، مثل ألمانيا والمملكة المتحدة، تواجه بالفعل تكاليف طاقة مرتفعة، فضلًا عن معارضة محلية لمشاريع البنية التحتية الكبرى، ما يجعل إنشاء مراكز بيانات واسعة النطاق مسألة شائكة سياسيًا. وحتى في حال نجاح هذه الدول في بناء مراكز بيانات محلية، تبقى مسألة الاعتماد قائمة. فالنماذج المُتقدّمة تتطلّبُ تحديثات مستمرة للحفاظ على قدرتها التنافسية، ما يعني أنَّ أيَّ نظامٍ يعملُ على بُنيةٍ سيادية سيتخلّفُ سريعًا عن الركب إذا انقطع الاتصال المستمر بمزوّد الخدمة الأصلي.

ولا يقتصرُ هذا الاعتماد على البرمجيات وحدها. فمكوّنات الحوسبة نفسها —من رقائق متطوّرة إلى بنى شبكية— تعتمد على سلاسل توريد تهيمن عليها الولايات المتحدة، وتتطلّبُ صيانة واستبدالًا دوريًا. وبعبارة أخرى، تظلُّ السيادة الكاملة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي هدفًا بعيد المنال، حتى للدول التي تمتلك موارد كبيرة وإرادة سياسية واضحة.

أما السعي إلى السيادة على النماذج نفسها فيبدو أكثر تعقيدًا. فقد حاولت فرنسا تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي محلية عبر شركتها “ميسترال”، وسارت كندا في اتجاه مشابه مع “كوهير”، في محاولةٍ لتقليل الاعتماد على الواردات وتوفير بدائل في حال انقطاع الوصول إلى الأنظمة الأجنبية. إلّا أنَّ النماذج الأميركية والصينية الرائدة لا تزال تتفوَّق من حيث الكفاءة والأداء على ما طوّرته هذه الشركات، ولا توجد مؤشرات واضحة على أنَّ الفجوة ستتقلص في المدى المنظور. وفي ظلِّ هذا الواقع، تميلُ الشركات الكبرى ووكالات الأمن القومي إلى تفضيل المنتجات الأعلى جودة التي تقدمها الجهات المُطَوِّرة للأنظمة المتقدمة، حتى وإن جاء ذلك على حساب الطموحات المحلية بالاستقلال التكنولوجي.

التخلُّف عن الركب

وسواء امتلكت “الدول المتوسطة” أنظمة ذكاء اصطناعي مُتقدِّمة أم لم تمتلكها، فإنها ستظلُّ معرّضة لتداعيات هذه التكنولوجيا، وغالبًا بدرجةٍ تفوق ما تواجهه القوى العظمى نفسها. فالأضرارُ المُرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود الدول: من إساءة الاستخدام الإجرامي، إلى التوظيف العسكري من قبل الخصوم، مرورًا بتشريد العمالة والاضطرابات الاجتماعية، وهي آثارٌ تطالُ الجميع بغضّ النظر عن امتلاك مختبرات رائدة أو بنى بحثية متقدّمة.

وتزداد صعوبةُ التعامل مع هذه المخاطر في غياب الوصول المباشر إلى القدرات المتطوّرة. فبناء دفاعات فعّالة في مجالاتٍ مثل الأمن السيبراني أو الأمن البيولوجي بات يعتمد بصورة متزايدة على علاقات وثيقة مع مطوِّري أنظمة الذكاء الاصطناعي، وعلى وصولٍ موثوق إلى القدرة الحاسوبية اللازمة. وفي المجال العسكري، قد تجدُ “الدول المتوسطة” التي تفتقر إلى هذه القدرات أنَّ منظوماتها التقليدية أصبحت مُتقادمة، ليس فقط مُقارنةً بالقوى الكبرى، بل أيضًا أمام دول أصغر أو جهات غير حكومية نجحت في الوصول إلى أدوات ذكاء اصطناعي متقدّمة.

ويزدادُ هذا الخطر تعقيدًا عندما تكتسبُ أطرافٌ غير تقليدية قدراتٍ مُؤثِّرة من دون وصولٍ رسمي إلى الأنظمة المُتقدّمة. فقد تلجأ القوى العظمى إلى تسليحِ وكلاءٍ لتعديل موازين القوى الإقليمية، أو يتمكّن مهاجمون من سرقة الأدوات اللازمة عبر الهجمات الإلكترونية، أو تُثبِتُ النماذجُ شبه المتقدّمة قدرتها على تنفيذِ هجماتٍ فعالة حتى في مجالات تعجز عن توفير دفاعات مقابلة. وُتثيرُ هذه السيناريوهات قلقًا خاصًا في مجالاتٍ حسّاسة مثل الأمن السيبراني أو الأسلحة البيولوجية. وعلى نحوٍ أوسع، فإنَّ أيَّ استجابةٍ سياسية جدّية لمخاطر الذكاء الاصطناعي تفترض فهمًا عميقًا لهذه التكنولوجيا وتداعياتها، وهو فَهمٌ يصعب اكتسابه من موقع المُتلقّي البعيد.

إلى جانب ذلك، تواجه “القوى المتوسطة” قيودًا هيكلية تحدُّ من قدرتها على توجيه مسار الذكاء الاصطناعي، حتى داخل حدودها الوطنية. فنفوذها على قرارات التطوير والنشر يبقى محدودًا، كما إنَّ هامشَ المناورة في سياساتها العامة يظلُّ ضيِّقًا. ولا يحملُ تدخّلها التنظيمي وزنًا يُذكَر لدى الشركات الكبرى أو الأُطُر القضائية التي تقودُ هذا المجال، في حين تبقى العائدات الضريبية المحتملة من النشاط الاقتصادي المُرتبِط بالذكاء الاصطناعي غير مضمونة. وفي الوقت نفسه، قد تجد هذه الدول صعوبةً في تبنّي التكنولوجيا بالسرعة الكافية للحفاظ على تنافسية قواها العاملة أمام عمالة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الخارج.

وفي هذا السياق، لا يُعدّ النأي بالنفس عن الذكاء الاصطناعي، أو تجاهل مخاطره وفوائده معًا، خيارًا قابلًا للاستدامة. فآثار هذه التكنولوجيا حتمية: ستُعيدُ تشكيل إنتاجية المنافسين الاقتصاديين، وقدرات الخصوم، وتوقّعات المواطنين، سواءً شاركت الحكومات في هذا التحوُّل أم لا. وقد تأمل “القوى المتوسّطة” أن يُتيحَ لها الحياد تفادي المخاطر، حتى وإن حرمت نفسها من المكاسب. غير أنَّ الاحتمالَ الأكثر خطورة هو أن تتحمّلَ هذه الدول الأضرار كاملة من دون أن تجني أيًّا من الفوائد—وهي النتيجة التي تمثل، بالنسبة إليها، أسوأ السيناريوهات الممكنة.

ينبع ضعف “القوى المتوسطة” جزئيًا من الطبيعة الفريدة لتطوير الذكاء الاصطناعي. تستفيد الصين والولايات المتحدة من حلقة إيجابية، حيث يُمكّن الوصول إلى القدرة الحاسوبية الشركات الرائدة محليًا من تدريب نماذج أفضل، ما يجذب المزيد من المستخدمين ويُدرّ المزيد من الإيرادات، والتي بدورها تُموّل الاستثمار في المزيد من القدرة الحاسوبية. كل ميزة تُعزز سابقتها. وقد أظهرت التقنيات الأقل تحولًا بالفعل نسخةً أقل حدة من هذا النمط – يُفسّر فشل أوروبا في جني المكاسب الاقتصادية للإنترنت إلى حد كبير تراجعها النسبي مقارنةً بالولايات المتحدة. قد تجد الدول التي تتخلف عن الركب في مجال الذكاء الاصطناعي صعوبةً أكبر في اللحاق بالركب.

الخروج من هذا المأزق

للخروج من هذا المأزق، تُواجه “القوى المتوسطة” مهمّتَين متلازمتين: تأمينُ وصولٍ مُستدام إلى قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وإيجادُ موطئ قدم اقتصادي داخل النظام العالمي الناشئ لهذه التكنولوجيا. ويُعَدُّ الوصولُ الشرطَ الأول والأكثر إلحاحًا، فيما تتوافر ثلاث مقاربات واقعية للحفاظ عليه، لكلٍّ منها مزاياها ومخاطرها.

المقاربة الأولى تقوم على الانضمام إلى أحد المعسكرين القائمين، عبر التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة أو الصين لضمان الاندماج في منظومةِ الذكاء الاصطناعي التابعة لإحداهما. ويبدو أنَّ المملكة المتحدة تميلُ إلى هذا الخيار، ساعيةً إلى تعميق روابطها مع قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي من خلال التعاون التنظيمي واتفاقيات البنية التحتية. وتكتسبُ هذه الاستراتيجية جاذبية خاصة في بيئة أمنية يُنظر فيها إلى الوصول إلى هذه التقنيات بوصفه امتدادًا لضمانات القوى العظمى. غير أنها تنطوي على مخاطر واضحة، إذ قد تُعمّق الاعتماد الأحادي، وتُقفل الباب أمام مزوّدين منافسين، وتجعلُ الدولة أكثر هشاشة في حال تراجع ثقة الداعمين. وقد برز هذا الخطر بوضوح مع لجوء إدارة ترامب إلى استخدام الوصول إلى التكنولوجيا كورقة ضغط لانتزاع تنازلات تجارية لا ترتبط بالقطاع نفسه.

فالدولة التي تُحرَمُ من الوصول بعد أن بنت قطاعاتها الاقتصادية والخدمية على الذكاء الاصطناعي ستُواجه صدمات متتالية: شركات قد تفقد قدرتها على العمل بين ليلة وضحاها، ووكالات حكومية قد تجد أنظمتها الحيوية غير قابلة للتشغيل، فيما قد يستغرق البحث عن بدائل شهورًا أو سنوات، أو يدفع “الدول المتوسطة” إلى الارتهان لمزوّدين بديلين بشروطٍ مجحفة.

أما المقاربة الثانية، فهي التحوّط، عبر استغلال حجم السوق المحلية والنفوذ الاقتصادي لانتزاعِ شروطٍ أفضل من القوتين العظميين، وتشجيع المنافسة بينهما. وتبدو ماليزيا وعدد من دول جنوب شرق آسيا أقرب إلى هذا النهج، إذ تعمل على جذب استثمارات وشراكات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من كل من الولايات المتحدة والصين. وطالما ظلت الأنظمة قابلة للتشغيل البيني، والأسواق مفتوحة، يمكن لهذه المقاربة أن توفّرَ وصولًا مُنخفِض الكلفة وأكثر استقرارًا. غير أنَّ هذا التوازن يبقى هشًا؛ فإذا تصاعدت التوترات الأمنية أو انقسم العالم إلى تكتلات مغلقة، فقد يتلاشى هذا الهامش من المرونة سريعًا.

أما المقاربة الثالثة، فهي السعي إلى جهدٍ سيادي حقيقي، عبر بناء قدرات حوسبية كافية وتعبئة رأس مال كبير يُتيحُ فرصةً واقعية لتطوير قدرات محلية رائدة. وتُعلنُ فرنسا وعدد من الدول الأخرى تبنّي هذا المسار، غير أنَّ طموحاتها لا تزال دون مستوى الريادة العالمية في مجالات الطاقة، والحوسبة، واستقطاب الكفاءات. ومن الناحية النظرية، قد يُتيحُ نجاحُ هذا الجهد للدولة الإفلاتَ من كثير من قيود “فخ القوى المتوسطة”، لكنه مسارٌ عالي المخاطر. فمحاولةٌ غير مُمَوَّلة على نحوٍ كافٍ قد تترك الدولة عالقة في مرتبةٍ ثانية غير مُجدية اقتصاديًا، قريبة من الريادة لكنها عاجزة عن بلوغها. وحتى في حال تحقيق الريادة التقنية، لا يضمنُ ذلك تلقائيًا تحقيق عوائد اقتصادية، إذا ما تركّزت القيمة في نهاية المطاف في حلقاتٍ أخرى من سلسلة التوريد العالمية.

سيَعتَمدُ نجاحُ أيٍّ من هذه المقاربات، في نهاية المطاف، على مدى الأهمية الفعلية للقدرات المُتقدِّمة مُقارنةً بالبدائل الأقل كفاءة. ويتوقّفُ ذلك بدوره على سؤالين مفتوحين: هل ستُثبت الفجوات الطفيفة في الأداء أنها حاسمة في منافسةٍ اقتصادية تتسارَعُ بفعل الذكاء الاصطناعي؟ وهل سيظلُّ النموذج التقني يسمحُ بما يُعرف بـ”المتابعة السريعة”، أي قدرة الدول المتأخّرة نسبيًا على تقليص الفجوة عبر المحاكاة الفعّالة، ولو بتأخيرٍ زمني محدود؟

وإلى جانب هذه الشكوك التقنية، يبرزُ غموضٌ سياسي لا يقلُّ أهمية. فليس من الواضح ما إذا كان التوجُّهُ الأميركي الحالي الداعم لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي سيصمدُ مع تحوُّلِ هذه النماذج تدريجًا إلى أصولٍ للأمن القومي، أو ما إذا كانت القوى العظمى ستتجه في نهاية المطاف إلى تحصين صناعاتها وسحب القدرات المُتقدِّمة من السوق المفتوحة. في ظلِّ هذا المناخ غير اليقيني، سيكونُ من الحكمة أن تتجنَّبَ “القوى المتوسطة” الارتهانَ لمسارٍ واحد مُغلق.

ويقتضي ذلك مراقبة تطوُّر تقنيات الذكاء الاصطناعي عن كثب، ليس فقط من حيث الأداء، بل أيضًا من حيث كيفية تعامل بكين وواشنطن معها سياسيًا واستراتيجيًا، بما يسمح بتعديل المسار عند تغيُّرِ الظروف. وفي الوقت نفسه، ينبغي لهذه الدول أن تتعاملَ بحذر مع المخاطر، وألا تلتزمُ بخياراتٍ تُقفِلُ أمامها باب الوصول إلى القدرات المُتقدِّمة المُستَورَدة، أيًّا كان مصدرها.

في المقابل، تقع على عاتق الولايات المتحدة مسؤوليةٌ موازية. فإذا أرادت تعظيم حصّتها السوقية، وإيراداتها، ونفوذها على مسار تطوير الذكاء الاصطناعي، فعليها أن تجعل “الانضمام إلى الركب” خيارًا جذّابًا ل”الدول المتوسطة”. غير أنَّ هذا الهدف يصطدمُ مباشرة بطموحات السيادة لدى عدد متزايد من هذه الدول. ولإدارة هذا التوتر، يتعين على واشنطن تقديم نموذج تعاون أقل إكراهًا، يقومُ على الحدِّ من استغلال الوصول إلى الذكاء الاصطناعي كأداة ضغط، وتعزيز الصادرات التي توفّرُ قدرات عملية، واعتماد معايير أمنية تسمح بمشاركة حتى الأنظمة الحسّاسة مع الحلفاء الموثوقين.

إيجادُ دور

ومع تأمين الوصول، يبرزُ التحدّي الثاني أمام “القوى المتوسطة”: إيجادُ أدوارٍ اقتصادية واستراتيجية مُستدامة تضمن استمرار أهميتها في عالمٍ تتزايد فيه مركزية الذكاء الاصطناعي. أحدُ هذه الأدوار المُحتَملة يتمثّلُ في المدخلات الأولية—الأدوات والموارد اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي، من معدات تصنيع أشباه الموصلات إلى بيانات التدريب عالية الجودة. دورٌ آخر يكمن في “نقاط التحويل النهائية”، أي القدرات التي تنقل أداء الذكاء الاصطناعي من المستوى البرمجي إلى تأثير ملموس في العالم الحقيقي، مثل الروبوتات والتصنيع المتقدم. أما المسار الثالث، فيتمثل في القطاعات الأقل قابلية للأتمتة —كالرعاية الصحية، والإنتاج الحرفي، والسياحة— حيث يظلُّ الوجود البشري أو الموقع الجغرافي مصدرًا أساسيًا للقيمة.

بهذا المعنى، لا يقتصر مستقبل “القوى المتوسطة” في عصر الذكاء الاصطناعي على مسألة اللحاق بالريادة التقنية، بل يتوقف على قدرتها على التموضع الذكي داخل منظومة عالمية يُعادُ تشكيلها، حيث لا تكون الأفضلية دائمًا لمَن يملك أقوى النماذج، بل لمَن يعرف أين وكيف يوظّفها.

لا تمنح جميع مجالات التخصص القدر نفسه من النفوذ. فالمواقع الأكثر قيمة هي تلك التي يصعب على القوى العظمى محاكاتها أو الالتفاف عليها. ويجسّد المثال الهولندي ذلك بوضوح، إذ تحتل شركة” الطباعة الحجرية لمواد أشباه الموصلات المتقدمة” المعروفة ب” ASML” موقعًا فريدًا في سلسلة القيمة العالمية لأشباه الموصلات المتقدمة. فالولايات المتحدة لا تستطيع بناء قدراتها الخاصة في الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة بسرعة، ويعتمد كل مصنع رقائق متقدم في العالم على الوصول المستمر إلى معدات ” ASML” وخبراتها. وتستمد هذه القدرات أهميتها من كونها تُستخدم بصورة متواصلة ولا تُستنفد بصفقة واحدة.

في المقابل، قد تجد دولة تمتلك بيانات تدريبية قيّمة أنَّ نفوذها يتآكل بسرعة إذا جرى بيع هذه البيانات أو تجميعها لمرة واحدة. فمخزونات الهند الواسعة من بيانات الخدمات المهنية، على سبيل المثال، قد تشكّل أصلًا استراتيجيًا إذا احتفظت نيودلهي بالسيطرة عليها وربطت الوصول إليها بشراكات طويلة الأمد. أما إذا جرى تفكيكها وبيعها مُجَزَّأة لشركات أميركية أو صينية، فإنها تفقد قيمتها السياسية والاستراتيجية وتتحوّل إلى سلعة عادية.

وبالطبع، لا تستطيع كل “قوة متوسطة” السيطرة على مدخلات حاسمة من طراز ما تملكه ” ASML”. غير أنَّ العديد منها يمكنه التموضع في الطرف الآخر من السلسلة، حيث تُترجَم قدرات الذكاء الاصطناعي إلى تأثيرٍ فعلي في العالم الحقيقي. فالتنافس على الريادة في تطوير النماذج يستنزف الموارد الأميركية —من رأس المال إلى الاهتمام الحكومي— بدرجة تترك ثغرات واضحة في مجالات أخرى. ومع تنامي قدرات الأنظمة، سينتقل مركز الثقل تدريجًا إلى مرحلة النشر: أي إلى التصنيع، والروبوتات، والبحث والتطوير التطبيقي اللازم لتحويل الأداء التقني إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية.

وهنا تتضح مفارقة لافتة. فالقدرات الأميركية في هذه المجالات محدودة نسبيًا، في حين تتمتع الصين بقاعدة صناعية ضخمة، نتيجة عقود من نقل الإنتاج إلى الخارج من الولايات المتحدة واستثمارات صناعية متواصلة من بكين. وفي هذا السياق، قد تكتسب “القوى المتوسطة” التي تتمتع بميزات في هذه الحلقات —مثل كوريا الجنوبية واليابان في التصنيع المتقدم والروبوتات، وألمانيا في الهندسة الدقيقة، والهند في البحث والتطوير الصيدلاني— قيمة متزايدة في نظر واشنطن، الساعية إلى بناء تحالفات صناعية واسعة لموازنة القاعدة الإنتاجية الصينية.

انطلاقًا من ذلك، ينبغي على “القوى المتوسطة” إعطاء الأولوية للمجالات المتخصصة التي لا تستطيع القوى العظمى الاستغناء عنها، سواء كانت مدخلات أساسية لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي أو قدرات حاسمة لتشغيلها وتطبيقها. وهذا يقتضي مقاومة الضغوط لبيع الأصول الاستراتيجية أو نقلها إلى الخارج، كما حدث في حالات استحواذ مستثمرين أجانب على شركات أوروبية في الروبوتات وأشباه الموصلات، أو عندما جذبت أسواق رأس المال الأعمق شركات ناشئة واعدة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية إلى الولايات المتحدة.

ومن المرجح أن تسعى شركات التكنولوجيا الكبرى إلى الحصول على بيانات حصرية، وأن تحاول حكومات أجنبية السيطرة على حلقات رئيسة في سلاسل التوريد. هنا، يتعين على “القوى المتوسطة” توخّي الحذر، وألا تُقيّم هذه الأصول على أساس العوائد قصيرة الأجل فحسب، بل وفق قدرتها على أن تكون مصدر نفوذ وموطئ قدم استراتيجي في اقتصادٍ عالمي سريع التحوُّل. ويعني ذلك، جُزئيًا، إخضاع الاستثمارات الأجنبية لتدقيقٍ استراتيجي يمنعُ إضعافَ الصناعات المحلية الحيوية أو نقلها إلى الخارج. لكنه يتطلّب أيضًا سياسة صناعية نشطة لمواجهة الدعم الذي تقدّمه القوى العظمى المنافسة.

ولا تستطيع “القوى المتوسطة” مجاراة هذا الإنفاق عبر جميع القطاعات. غير أنها قادرة على حماية مجموعة محدودة من المجالات الاستراتيجية إذا حددتها مبكرًا، ووفّرت لها بيئة تنظيمية وضريبية ملائمة. ففي اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لا يكون النجاح حكرًا على مَن يملك أكبر النماذج، بل على مَن يُحسِنُ اختيار معاركه، ويثبت نفسه في مواقع لا يمكن تجاوزها بسهولة.

للولايات المتحدة مصلحةٌ مباشرة في تحديد مواقع “القوى المتوسطة” داخل اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي. فالصين تقتربُ من التفوُّق على واشنطن في مجالاتٍ حاسمة، من القدرة التصنيعية إلى تكامل سلاسل التوريد وسرعة النشر. ولمواجهة هذا التحدّي، تحتاجُ الولايات المتحدة إلى شبكة تحالفات واسعة قادرة على سد الفجوات الصناعية والتنفيذية التي تعانيها. ومن خلال التعاون الثنائي، وتشجيع الصادرات، وإبرام اتفاقيات تجارية تُلزِمُ الأطرافَ بشكلٍ موثوق بالحفاظ على الوصول المُتبادَل إلى التكنولوجيا، يمكن لواشنطن تحفيز “القوى المتوسطة” على مواءمة مواقعها الاقتصادية مع أولوياتها الاستراتيجية. ومن شأنِ هذا النهج أن يسمحَ للحلفاء الذين يمتلكون مواقع قوية بتوسيع ميزتهم التنافسية، مقابل حصولهم على وصولٍ مُستقر ودائم إلى قدرات الذكاء الاصطناعي، ضمن تحالف يقوم على الاعتماد التكنولوجي المتبادَل.

غير أنَّ تحقيقَ هذه الرؤية يتطلب سلوكًا استراتيجيًا من الطرفين. فعلى صعيد سياسة الذكاء الاصطناعي، اتخذت إدارة ترامب بعض الخطوات في الاتجاه الصحيح. فمبادرات تتيح الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية مقابل مساهمات الحلفاء في سلاسل توريد أشباه الموصلات، إلى جانب الأوامر التنفيذية التي تشجع صادرات الذكاء الاصطناعي، تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء منظومة تحالفية في هذا المجال. لكن في المقابل، أظهرت واشنطن استعدادًا لاستخدام الوصول إلى التكنولوجيا كأداةِ ضغطٍ للحصول على تنازلات تجارية لا ترتبط مباشرة بالذكاء الاصطناعي، كما حدث عندما أُفيد بتعليق صفقة تكنولوجية مع المملكة المتحدة بسبب معايير تتعلق بسلامة الغذاء.

وقد أسهَمَ هذا السلوك في إضعاف الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وأثار تساؤلات حول قدرتها على أن تكونَ ركيزةً موثوقة لتحالف طويل الأمد في مجال الذكاء الاصطناعي. أما “القوى المتوسطة”، فعليها أن تُدرِكَ بدورها أن نفوذها المستقبلي يعتمد على أصولٍ استراتيجية لم تُحصَّن بعد، ويمكن أن تتآكل أو تُبدَّد بسهولة إذا لم تُدار بحذر.

وإذا أحسنت هذه الدول إدارة موقعها الاستراتيجي، فقد تتمكن من تحويل مأزقها الحالي إلى تقسيم عمل فعّال، يقوم على تكامل القدرات وتبادل النفوذ. أما إذا استمرت في مسارها الراهن، فإنها تتجه نحو فخٍّ تتحمل فيه كلفة الاضطرابات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي—من دون أن تحصد إلّا قدرًا محدودًا من مكاسبه. والنتيجة المحتملة لهذا السيناريو ستكون قاتمة: قوَّتان عُظميان تندفعان نحو ثورةٍ تكنولوجية غير مسبوقة، تحتكران معظم قوة الحوسبة والمواهب في العالم، بينما يُترَكُ الجُزءُ الأكبر من سكانه خارج دائرة الاستفادة.

Exit mobile version