من آليَّةِ وَقف النار إلى هَندَسَةِ سلامٍ قسري: لبنان في قلبِ اختبارِ الإرادات

لم تعد “الآلية” أو “الميكانيزم” مجرّدَ إطارٍ تقني لتثبيت وقف إطلاق النار، بل باتت ممرًّا مُحتَمَلًا لمسارٍ سياسي أوسع قد يقودُ إلى سلامٍ مفروض بشروط خارجية. وبين ضغوطِ التحالف الأميركي–الإسرائيلي وهشاشة التوازنات الداخلية، يقفُ لبنان أمام اختبارٍ دقيق لإرادته وحدود سيادته.

الرئيس جوزيف عون مع السفير سيمون كرم: التمسك الدائم بحدود التفاوض الذي يُجمع عليه اللبنانيون.

مايكل يونغ*

أعاد اتفاقُ وقفِ إطلاق النار الذي أنهى المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 تحريكَ ما يُعرَف بـ””لآلية” (الميكانيزم) لمراقبة التنفيذ، بعد فترةٍ من الجمود والغموض. ولم يقتصر الأمر على إعادة تفعيلها، بل جرى توسيع إطارها لتتحول إلى لجنة مدنية-عسكرية خماسية تضم الولايات المتحدة بصفتها رئيسة، إلى جانب لبنان وإسرائيل وفرنسا والأمم المتحدة، بهدف متابعة تطبيق الاتفاق ومعالجة الخروقات وتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

غير أنَّ مؤشّرات مُتزايدة توحي بأنَّ واشنطن وتل أبيب تدفعان في اتجاه تعديل هذا الإطار، إما عبر إلغائه عمليًا أو استبداله بصيغة ثلاثية تستبعد باريس والأمم المتحدة، وتختزل التفاوض بقناةٍ مباشرة بين اللبنانيين والإسرائيليين بوساطة أميركية. وبذلك، ينتقل المسار من آلية رقابة متعددة الأطراف إلى مقاربة سياسية تفاوضية قد تُمهّد لاتصالات ثنائية تحت عنوان البحث في ترتيبات أوسع، وصولًا إلى اتفاق سلام.

مصادر ديبلوماسية فرنسية تتحدّث عن مساعٍ ناجحة لإقناع الولايات المتحدة بالإبقاء على “الآلية” بصيغتها الحالية، إلّا أنَّ الصورة لا تزال ضبابية، سواء لجهة مدى صلابة هذا التفاهم أو لجهة انعكاساته العملية على الأرض. فالمسألة لا تتصل بالشكل الإجرائي فحسب، بل بطبيعة التوازنات التي تحكم إدارة النزاع، وبالضمانات السياسية والقانونية التي يوفرها الإطار الخماسي للبنان.

في المقابل، يحملُ الانتقالُ إلى صيغةٍ ثُلاثية مخاطرَ جدّية. إذ إنَّ تجاوزَ اللجنة الخماسية قد يفضي عمليًا إلى تمييع الالتزامات الإسرائيلية المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار، أو إعادة تفسيرها خارج الرقابة الدولية. فإسرائيل لم تلتزم بالكامل بشروط الاتفاق، واستمرّت في تنفيذِ ضرباتٍ شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، كما جرى تجاوز المُهَل المُحَدّدة للانسحاب في كانون الثاني (يناير) الماضي ثم في الموعد اللاحق من دون تبعات واضحة. وفي ظل هذا الواقع، فإنَّ قبولَ لبنان بإطارٍ تفاوُضي جديد قد يُضفي شرعية ضمنية على الوقائع المفروضة، ويُضعِفُ موقعه التفاوضي بدل أن يُعزِّزه.

ثانيًا، يواجه لبنان في حالِ الانتقالِ إلى إطارٍ ثُلاثي خطرَ فقدان التوازُن التفاوضي الذي يوفّره الحضور الدولي الأوسع. فمن غير المُرجَّح أن يتمكّنَ وحده من مجاراةِ الضغوط السياسية والديبلوماسية التي قد تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل إذا ما تنسَّقت مواقفهما لدفعه نحو خياراتٍ لا تتوافق مع أولوياته الداخلية، وفي مقدمتها الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام”. وقد برز هذا التوجُّه بوضوح في تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى لبنان، توم برّاك، في آب (أغسطس) الماضي، حين اعتبرَ أنَّ “اتفاق سلام مع إسرائيل هو سبيلٌ إلى الازدهار والاستقرار”، في إشارةٍ صريحة إلى الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه واشنطن في مقاربتها للملف اللبناني.

وفي السياق نفسه، عكست التحرُّكات الأميركية الأخيرة توجُّهًا مُتدرِّجًا نحو إدخالِ البُعد السياسي إلى آليةٍ كانت ذات طابع عسكري صرف. فقد عملت مورغان أورتاغوس، وهي مبعوثة أميركية أخرى إلى لبنان، لأشهرٍ على توسيع تمثيل الجانب اللبناني داخل “الآلية” ليشمل عنصرًا مدنيًا، بعدما اقتصر التمثيل حتى الثالث من كانون الأول (ديسمبر) على مسؤولين عسكريين. وأفضت هذه الجهود إلى تعيين السفير السابق في واشنطن سيمون كرم رئيسًا للوفد اللبناني، في خطوةٍ تُقرَأُ على نطاقٍ واسع بوصفها تمهيدًا لمسارٍ تفاوُضي يتجاوز الجوانب التقنية لوقف إطلاق النار، وقد يفتحُ البابَ أمام مباحثات سياسية أوسع تصلُ في نهايتها إلى معاهدة سلام أو تطبيع للعلاقات مع إسرائيل.

أما الخطر الثالث الذي تنطوي عليه الصيغة الثُلاثية فيتمثّلُ في توسيع هامش الضغط على لبنان إلى مستوياتٍ تتجاوز ما هو مُستَعِدٌّ لقبوله في المرحلة الراهنة. فالموقف الرسمي اللبناني ينطلق من اعتبار “الآلية” إطارًا تقنيًا محصورًا في متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، ومعالجة الخروقات، والتفاوض حول ترسيم الحدود البرية مع إسرائيل، بوَصفِ ذلك خطوةً أولى نحو ترتيباتٍ أمنية متبادلة تضمن الاستقرار على جانبَي الحدود. وهذا، حتى الآن، يُمثّلُ السقفَ السياسي الذي تسعى بيروت إلى الالتزام به رسميًا، في ظلِّ توازناتٍ داخلية حسّاسة وواقعٍ إقليمي شديد التعقيد.

غير أنَّ الانتقالَ إلى مسارٍ تفاوضي مختلف قد يدفع بالأجندة إلى ما يتجاوز هذه الحدود، ويضع لبنان أمامَ استحقاقاتٍ سياسية واستراتيجية لم تتوافر بعد شروطها الداخلية ولا الإقليمية. وفي ظلِّ اختلال موازين القوى، وغياب الضمانات الدولية الكافية، يصبح خطر الانزلاق من نقاشٍ تقني حول تنفيذ اتفاق إلى مسارٍ سياسي مفتوح الاحتمالات أمرًا قائمًا، بما يحمله ذلك من تداعياتٍ مباشرة على موقع لبنان وخياراته في المرحلة المقبلة.

يبقى السؤال الجوهري: هل يَملكُ لبنان القدرةَ على ضبطِ سقفِ المفاوضات إذا ما قرّرت إسرائيل والولايات المتحدة توسيعَ نطاقها إلى ما يتجاوز تنفيذ وقف إطلاق النار؟ نظريًا، تستطيع بيروت التمسُّك بحَصرِ البحث في القضايا التقنية والأمنية المباشرة. عمليًا، غير أنَّ ميزان القوى لا يميلُ لمصلحتها.

إسرائيل لا تزالُ تحتلُّ نقاطًا في جنوب لبنان، وتحتفظُ بقدرةٍ عسكرية تُمكّنها من مواصلة الضغط الميداني عبر غاراتٍ شبه يومية. وفي ظلِّ هذا الواقع، يُمكِنُ لتل أبيب أن تربطَ أيَّ انسحابٍ كامل بشروطٍ سياسية أو أمنية إضافية، فتتحوَّلُ الأرضُ المحتلّة إلى ورقةِ تفاوض. وإذا ما دعمت واشنطن هذا التوجُّه، يُصبحُ هامشُ المناورة اللبناني أضيَق بكثير. ماذا لو طُرِحَت شروطٌ تتعلق بتعزيز التعاون الاقتصادي، أو بتوسيع التنسيق الأمني بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني داخل الأراضي اللبنانية؟ وماذا لو قُدّمت هذه المطالب باعتبارها “إجراءات بناء ثقة” تمهيدًا لتفاهُماتٍ أوسع؟ في مثل هذا السيناريو، سيجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إما القبول بتنازلات تدريجية، أو مواجهة استمرار الضغوط العسكرية والسياسية.

تداعياتُ هذا المسار لن تكونَ محصورة بطبيعة العلاقة مع إسرائيل، بل ستطالُ التوازنات الداخلية اللبنانية الهشّة. فحتى الآن، لا يُوجدُ تأييدٌ شعبي واسع لاتفاق سلام مع إسرائيل، وأيُّ خطواتٍ يُنظَرُ إليها كتمهيدٍ للتطبيع قد تُفجّرُ انقساماتٍ سياسية وطائفية حادة. بعضُ القوى سيعتبرها خيارًا براغماتيًا لرفع العزلة واستقطاب الدعم الدولي، فيما ستراها قوى أخرى مساسًا بثوابت وطنية وبموقع لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي. وفي بلدٍ اعتادَ أن تتحوَّلَ خلافاته الاستراتيجية إلى أزماتٍ داخلية مفتوحة، لا يُمكِنُ التقليل من مخاطر هذا الاحتمال.

أما خارجيًا، فإنَّ توقيعَ اتفاقِ سلامٍ لبناني–إسرائيلي لن يُقرَأَ بمعزلٍ عن توازُنات الإقليم. خطوةٌ كهذه قد تُفسََّرُ على أنها إدخالُ لبنان في دائرة النفوذ الإسرائيلي، أو على الأقل في فضاءِ ترتيباتٍ أمنية واقتصادية تقودها تل أبيب بدعمٍ أميركي. ومن غير المرجح أن تنظرَ قوى إقليمية فاعلة، وفي مقدمها تركيا ذات الحضور المتزايد في سوريا، بعين الرضا إلى تحوُّلٍ استراتيجي على حدودها الجنوبية. لكن أنقرة ليست وحدها في هذا الحساب؛ فإيران، ودول عربية، وحتى قوى دولية معنية بمنع تمدُّد النفوذ الإسرائيلي، قد ترى في أيِّ إعادةِ تموضُعٍ لبناني تهديدًا لتوازنات دقيقة.

في منطقة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ وتتزاحم فيها القوى الكبرى، قد يتحوَّلُ لبنان سريعًا إلى ساحةِ تنافُسٍ إضافية، بدل أن يكون مستفيدًا من تسويةٍ مُفترضة. وهنا تكمن المفارقة: مسارٌ يُطرَحُ تحت عنوان تثبيت الاستقرار قد يفتح الباب أمام استقطابات جديدة، إذا لم يُحَط بضماناتٍ واضحة تحمي السيادة اللبنانية وتُراعي حساسية موقعه الجيوسياسي.

في آذار (مارس) 2014، نشر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر مقالًا لافتًا حول أوكرانيا، قدّمَ فيه مُقاربةً تَصلُح، إلى حدٍّ بعيد، لقراءة الحالة اللبنانية. رأى كيسنجر يومها أنَّ أوكرانيا بلدٌ مُنقَسِم بُنيويًا، وأنَّ أيَّ محاولةٍ لفَرضِ هيمنةٍ داخلية من طرفٍ على آخر “ستنتهي في المطاف إلى حربٍ أهلية أو تفكُّك”. وانطلاقًا من ذلك، خلصَ إلى أنَّ مصلحةَ كييف تَكمُنُ في ألّا تتحوَّلَ إلى رأسِ حربة لأيِّ محورٍ ضد آخر، بل أن تؤدّي دورَ الجسر بينهما، بما يُتيحُ لها البقاء والاستقرار.

صحيحٌ أنَّ لبنان يختلفُ عن أوكرانيا في السياق والتاريخ والبيئة الجيوسياسية، غير أنَّ منطقَ الانقسام الداخلي والتجاذب الخارجي يكاد يتطابق. فلبنان أيضًا مُجتمعٌ تعدُّدي مُنقسم، اعتادت مكوّناته البحثَ عن امتداداتٍ إقليمية تحمي مصالحها أو تُعزِّزُ موقعها. وفي مثل هذا الواقع، فإنَّ أيَّ اتفاقٍ يُكرّسُ غلبةَ نفوذٍ إقليمي واحد على حسابِ الآخرين سيُتَرجَمُ سريعًا في الداخل اصطفافاتٍ مُضادة، حيث تسعى القوى المُتضرّرة إلى تعبئةِ أنصارها لإفشاله أو تقويضه. وبدل أن يكونَ الاتفاقُ مدخلًا للاستقرار، قد يتحوّلُ إلى عامل انقسامٍ إضافي. من هذه الزاوية، تبدو فكرة “الجسر” أكثر واقعية للبنان من فكرة التموضُع في خندقٍ إقليمي واحد.

غير أنَّ ثمّةَ فارقًا أساسيًا بين الحالتين. فإسرائيل، بخلافِ روسيا أو الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا، لا تملُكُ حليفًا سياسيًا محلّيًا فعليًا في لبنان يدفع باتجاه السلام أو التطبيع. لا توجدُ كتلةُ ضغطٍ وازنة تتبنّى هذا الخيار صراحة. إلّا أنَّ غيابَ الحليف الداخلي لا يُلغي خطرَ التدخُّل الخارجي؛ بل قد يجعله أكثر حدة. فعندما تتدخّلُ قوى إقليمية كبرى بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة لفَرضِ مسارٍ مُعيَّن، فإن ذلك يُعمّقُ الاستقطاب بين الطوائف اللبنانية، ويُعيدُ إنتاجَ الانقسامات وفق خطوط نفوذ متشابكة.

ورُغمَ تأكيد بعض المسؤولين اللبنانيين أنهم ما زالوا يمسكون بزمام التفاوض ويُحدّدون حدوده، فإنَّ هذا الاطمئنان يبدو مُبالَغًا فيه. فالتحالف الأميركي–الإسرائيلي يُظهِرُ تماسُكًا يصعبُ على لبنان، في وضعه السياسي والاقتصادي الراهن، موازنته أو تحدّيه. ومن هنا، فإنَّ توسيع نطاق “الآلية” أو تحويلها إلى مدخلٍ لمسارٍ سياسي أوسع قد يضع بيروت أمامَ وقائع تتجاوز قدرتها على التحكُّم بها. والأرجح أنَّ أيَّ محاولة لفرض اتفاق سلام في ظلِّ اختلالِ موازين القوى لن تمرَّ بهدوء، بل ستستدعي تدخُّلات إقليمية مُضادة تسعى إلى تعطيله، ما يُعيدُ لبنان إلى دائرة الصراع بدل إخراجه منها.

Exit mobile version