لم يَعُد الإعلامُ في السعودية مُجرّدَ مجالٍ ثقافي أو تنظيمي، بل أضحى جُزءًا من مُعادلة التحوُّلِ الاقتصادي الطموح. غير أنَّ هذا الصعود السريع يفتح بابًا لأسئلةٍ جوهرية حول طبيعة النمو، واستدامته، وحدود ما بينَ الدَعمِ الحكومي ومَنطِقِ السوق.
راغب الشيباني*
يَشهَدُ قطاعُ الإعلام في المملكة العربية السعودية تحوُّلًا بُنيويًا في موقعه الاقتصادي، بعد أن ظلَّ لعقود يُعامَلُ باعتباره مجالًا تنظيميًا أو ثقافيًا هامشيًا، لا صناعةً مستقلّة بذاتها. فمع انطلاق رؤية 2030، بات الإعلام يُعادُ تصنيفه كأحد محرّكات التنويع الاقتصادي، وعنصرًا فاعلًا ضمن منظومةٍ استثمارية أوسع تمتدُّ من إنتاج المحتوى إلى التكنولوجيا والترفيه والإعلان. غير أنّ هذا التحوّل، على الرُغم من زخمه المؤسّسي وخطابه الطموح، يثير تساؤلاتٍ تتطلّبُ قراءةً نقدية تتجاوزُ نبرةَ التفاؤل الرسمي.
وفق التقرير الأخير، الذي أصدرته “الهيئة العامة لتنظيم الإعلام” و”مجموعة أكسفورد بيزنس” البريطانية، حول واقع قطاع الإعلام في المملكة، يُتَوَقّعُ أن ينمو القطاع بمعدّلٍ سنوي مُرَكّب يتجاوز 7% حتى العام 2030، مع بلوغ حجم السوق نحو 74 مليار ريال سعودي (حوالي 20 مليار دولار). هذه الأرقام تضعُ السعودية بين أسرع الأسواق نموًا في الإعلام والترفيه ضمن مجموعة العشرين. لكنَّ السؤالَ الجوهري ليس في سرعة النمو، بل في طبيعته: هل نحنُ أمامَ توسُّعٍ سوقي ناتجٍ عن طلبٍ حقيقي ونماذج أعمال ناضجة، أم أمام نموٍّ مَدفوعٍ أساسًا بضخٍّ استثماري رسمي عام كثيف قد يصعب الحفاظ عليه طويلًا؟
من أبرز النقاط التي يُركّزُ عليها التقرير مسألةَ “تحديث البيئة التنظيمية”. فقد جرى تقليصُ فترات الترخيص بأكثر من 50% مُقارنةً بالعام 2019، وارتفعَ عددُ التراخيص المهنية بأكثر من سبعة أضعاف خلال عامين فقط. هذه مؤشِّراتٌ إيجابية من حيث تحسين كفاءة الإجراءات، لكنها لا تكفي وحدها لبناءِ ثقةٍ استثمارية مُستدامة. فالمستثمر، لا سيما المؤسّسي، لا ينظرُ فقط إلى سرعة الترخيص، بل إلى استقرارِ القواعد، ووضوح آليات الامتثال، وإمكانية التنبُّؤ بالسياسات على مدى زمني أطول من دورات الإنفاق الحكومي.
يُراهنُ التقرير بقوة على العامل الديموغرافي، مُشيرًا إلى أنَّ أكثر من 60% من السكان دون سن الخامسة والثلاثين، وأنَّ مُتوسِّطَ العمر لا يتجاوز 26 عامًا. هذا الواقع ينعكسُ في ارتفاع استهلاك المحتوى الرقمي، والألعاب الإلكترونية، و”البث التدفّقي” (Streaming). غير أنَّ ارتفاعَ الاستهلاك لا يعني تلقائيًا ارتفاع القيمة المُضافة محلّيًا. فجُزءٌ كبير من هذا الطلب يُلبّى عبر منصّاتٍ عالمية تستحوذُ على الحصّة الأكبر من العائدات الإعلانية والاشتراكات، فيما يبقى نصيب المُنتج المحلّي محدودًا نسبيًا.
قطاعُ الألعاب الإلكترونية والرياضات الرقمية يُقدَّمُ في التقرير بوصفه نموذجًا للفُرَص الواعدة، مع تقديراتٍ بنموٍّ سريع وإيرادات متزايدة، مدعومةً باستثماراتٍ ضخمة وبنية تحتية متقدّمة. إلّا أنَّ التجاربَ الدولية تُظهِرُ أنَّ الاستدامة في هذا القطاع لا تتحقق بالفعاليات وحدها، بل ببناءِ مُلكية فكرية محلية، واستوديوهاتِ تطويرٍ قادرة على التصدير، ونظامٍ ريادي يُنتِجُ شركاتٍ لا تكتفي بدور المُشغّل أو المُنظّم. وهنا، لا يزال السؤال مفتوحًا حول عمق المحتوى المحلي في هذه الصناعة، مُقارنةً بحجمِ الإنفاق المُعلَن.
أما السينما والبث، فيشير التقرير إلى تضاعف عدد التذاكر المُباعة منذ إعادة فتح دور العرض، مع بقاء كثافة الشاشات أقل بكثير من المتوسط العالمي، ما يُصنَّف كفرصةِ نمو. غير أنَّ هذا التحليل الكمّي يتجاهل جانبًا نوعيًا أساسيًا: قدرة المحتوى على الحفاظ على جمهورٍ دائم خارج مواسم الذروة والدعم المباشر. فالتوسُّع في عدد الشاشات لا يضمنُ بالضرورة سوقًا مستقرّة إذا لم يترافق مع تنوّع وجودة في الإنتاج.
يشدّدُ التقرير على رفع نسبة المحتوى المحلي إلى نحو 75% بحلول 2030، وهو هدفٌ طموح من حيث المبدَإِ، لأنه يُبقي جُزءًا أكبر من القيمة داخل الاقتصاد الوطني. لكن المحتوى المحلي لا يُفرَضُ بالأهداف الرقمية وحدها. بل يتطلّبُ بيئةً إبداعية تسمح بالتجريب، وتقبّل المخاطرة، والفشل التجاري أحيانًا، وهي عناصر لا تزال موضع تساؤل في قطاع شديد الحساسية تنظيميًا. كما إنَّ بناءَ صناعة محتوى تنافسية يحتاج إلى وقتٍ أطول من الجداول الزمنية المتفائلة.
يعترفُ التقرير بوجود فجواتٍ حقيقية في المهارات، خصوصًا في مجالات الإنتاج المُتقدّم، والتحريك، وما بعد الإنتاج، وإدارة حقوق الملكية الفكرية. وهذه ليست مسألة تقنية هامشية، بل جوهرية. فالقطاع قد ينجح في بناء بنية تحتية ضخمة، لكنه سيظل مُعتَمدًا على الخارج إذا لم يُنتِج رأس مال بشري قادرًا على الابتكار، لا التشغيل فقط. وهنا يبرز تحدٍ إضافي: كيف يمكن الحفاظ على الكفاءات المحلية في ظلِّ منافسة إقليمية ودولية شرسة؟
من منظورٍ استثماري، يَعرضُ التقرير فُرَصًا واسعة عبر سلسلة القيمة الإعلامية، من المحتوى إلى التوزيع والتقنية والإعلان. لكن المستثمرين، وخصوصًا في رأس المال الجريء والمُلكية الخاصة، سيظلّون يطرحون سؤال الربحية. فالمعيار الحقيقي لنجاح القطاع لن يكونَ حجمَ الإنفاق العام، بل قدرته على الانتقال تدريجًا إلى نماذج أعمال تُقلّلُ الاعتماد على الدعم الحكومي وتحتمل منطق السوق.
في الخلاصة، لا شكَّ أنَّ قطاع الإعلام في السعودية دخلَ مرحلةً جديدة من حيث الحجم والطموح. لكن بين الطموح والتنفيذ فجوة لا يمكن ردمها بالأرقام وحدها. النجاحُ الحقيقي سيُقاسُ بمدى تحوُّل هذا القطاع إلى صناعةٍ مستقلة نسبيًا، قادرة على إنتاج القيمة، لا استهلاكها فقط، وعلى جذب الاستثمار الخاص لا الاكتفاء بتمويل الدولة. وفي هذا الاختبار تحديدًا، ستُحسَمُ جدّية التحوّل من الإعلام بوصفه مشروعًا إلى الإعلام بوصفه سوقًا.
- راغب الشيباني هو مراسل “أسواق العرب” في الرياض.
