مئوية منصور الرحباني (6 من 8)

في هذه السلسلة من ثماني حلقات، يعود الشاعر هنري زغيب إلى ذاكرة منصور الرحباني في مئويته، ليكشف محطّات إنسانية ومهنية سبقت المجد الفني. من الوظيفة الرسمية إلى خشبة المسرح، حكايات موثّقة ومفارقات طريفة ترسم ملامح البدايات التي صنعت أحد أعمدة الإبداع العربي.

فريد أَبو فاضل: الـمُفْضِل الأَول على عاصي ومنصور

عاصي ومنصور في سجلّ “نادي أنطلياس”

 هنري زغيب*

في الأَسابيع الأَخيرة من مئوية منصور الرحباني (آذار/مارس 2025 – آذار/مارس 2026) أَعود إِلى ذاكرة منصور (1925- 2009). ومن جلساتي الطويلة معه، أَقطف ذكريات من سيرته الشخصية ومسيرته الفنية مع شقيقه عاصي (1923-1986). قسْمٌ من هذه الذكريات ورَدَ في كتابي “طريق النحل” (2001)، وقسمٌ ثانٍ صدَرَ في طبعته المزيدة “في رحاب الأَخوين رحباني” (2015)، وبقي في أَوراقي قسمٌ ثالث أَخير لم يَصدُر بعد، أُورِدُه في هذه السلسلة.

هنا الحلقة السادسة من هذه السلسلة عن مطالع الأَعمال الرحبانية في “نادي أنطلياس”، كما أَخذْتُها حرفيًّا من كتاب “أنطلياس في التاريخ” لفريد أَبو فاضل، كما حقَّقه المحامي بسام أَبو فاضل (1983).

مدرسة أنطلياس”

سنة 1908 تأَسَّست “مدرسة مار الياس” تابعةً لدير مار الياس – أنطلياس. تعهَّدها الآباء الأَنطونيون نحو 30 سنة، وكان أَبرز المدرِّسين فيها منذ 1927 الأُستاذ فريد أَبو فاضل. سنة 1938 استحصل الأُستاذ أَبو فاضل على رخصة رسمية للمدرسة (المرسوم الجمهوري 3226 – أَيلول/سبتمبر 1938، باسم “مدرسة أنطلياس”)، واستقلَّ بإِدارتها ماليًّا وأَدبيًّا وتجهيزًا على نفقته الخاصة. أَدخل عليها أَساليبَ كانت فترتئذٍ عصريةً في التعليم والتنظيم والإِدارة. أَنشأَ فيها جريدة “الرياض” (نسخة واحدة بخط اليد) يحرِّرها تلامذة الصف الأَول. وأَنشأَ للمدرسة فرقة موسيقية بإِدارة الأَب بولس الأَشقر. كما أَسَّس للمدرسة ناديًا رياضيًّا كثيرًا ما كان أَعضاؤُه يقومون باستعراضات رياضية في البلدة والجوار. وكان من عادة المدرسة أَن يلقي مديرُها كلَّ صباح كلمة إِرشادية توجيهية لتلامذته قبل دخولهم الصفوف. وفي نهاية السنة المدرسية كان أَبو فاضل يقيم حفلةً يقدِّم فيها مسرحية من تأْليفه، يدعو إِليها الأَهالي من أنطلياس والجوار. وأَسَّس ناديًا باسم “نادي مدرسة أنطلياس الأَدبي”، يقيم صباح الأَحد حفلةً يتبارى فيها التلامذة نثرًا وشعرًا. وهنا ثلاثة محاضر لجلسات “النادي” مدوَّنةً بخطّ اليد.

غلاف الكتاب وفيه وثائق نادي أنطلياس

عاصي ومنصور في محاضر جلسات النادي

من جلسة 10 كانون الثاني/يناير 1939: “اجتمع طلَبة الصف الأَول والثاني من مدرسة أنطلياس وقرَّروا، بإِشارةٍ من مدير المدرسة الأُستاذ فريد أَبو فاضل، أَن يؤَسسوا ناديًا لهم، دعوه “نادي مدرسة أنطلياس الأَدبي” وكان عددُهم ثمانية وعشرين طالبًا، وهذه أَسماؤهم (هنا تعداد أَسمائهم وبينهم اسم “منصور حنا عاصي”)… وانتخبوا العُمْدة الأُولى للنادي بالاقتراع السري، ففاز كلٌّ من الطَلَبة: جوزف الياس ميلاد رئيسًا (هنا تعداد أَسمائهم وبينهم: “منصور حنا عاصي كاتبًا”)”.

جلسة النادي الأُولى وفيها توقيع منصور

من جلسة 12 كانون الثاني/يناير 1939: “عقَدت هيئة نادي مدرسة أنطلياس جلستها الأُولى بحضور أَفراد العُمْدة وجميع الأَعضاء. وبعدما أَلقى حضرة الأُستاذ إِميل ناشف مُدَرِّس الصف الأَول في المدرسة نصائحَ على الحاضرين في ما يتعلَّق بالنادي، وقَف أَيضًا مديرُ المدرسة وأَلقى كلمة في المعنى نفسه، واقترح ما يلي: تُقرِّر العُمْدة تعيينَ أَحد الطلَبة النجباء، والذي كان غائبًا يوم تأْسيس النادي، وهو السيد عاصي حنا عاصي خطيبًا للنادي ومنتقدًا أَدبيًا فيه، ووافقَت الأَكثرية على اقتراح المدير (…)… تحريرًا في 12 كانون الثاني/يناير 1939. التوقيع: جوزف الياس ميلاد، منصور حنا عاصي”.

جلسة خامسة: عقدَت هيئة نادي مدرسة أنطلياس جلستها الخامسة يوم الخميس 16 آذار/مارس 1939، وقرَّرت ما يلي: (…) قال حضرة المدير بموجب تعيين أَشخاص لتمثيل رواية “تَنَصُّرُ النعمان” فوقع اختيارُه على السادة: عاصي حنا (النعمان الثالث)، أَسعد نعمة (عُدَيّ بن زيد صهر الملك)، منصور حنا (حنظَلة الطائي)… (… وفي النص بقية الأَسماء). ولَمَّا لم يَعُد من شيء يقتضي بحثُه خُتِمت الجلسة. التوقيع: جوزف ميلاد، منصور حنا عاصي”.

جلسة النادي الخامسة وفيها تمثيل عاصي ومنصور

من قلب يسوع إِلى قلب أنطلياس

سنة 1943 تأَسس في البلدة “نادي قلب يسوع” من خرِّيجي مدرسة أنطلياس، ضمَّ 44 عضوًا. اجتمعوا لأَول مرة في 14 حزيران/يونيو 1943، وفي جلسة 18 حزيران/يونيو انتخبوا رئيسًا له ميشال خطار أَبو جودة، والياس منصور الحلبي أَمينًا للصندوق، وعاصي حنا الرحباني أَمين السر. وتابع النادي نشاطه حتى 1945 حين اتَّخذ مقرَّه المستقلَّ في الطابق الأَرضي من مدرسة راهبات العائلة المقدسة المارونيات (حاليًّا قرب “مطعم الحلبي”). وأَقرَّ القيامَ بعيد البربارة في شكلٍ تمثيليٍّ حديث، والتعليم المجاني لأَولاد البلدة والجوار. واختار رئيسًا للجنته الأَدبية الأُستاذ فريد أَبو فاضل، وغيَّر التسمية من “نادي قلب يسوع” إِلى “نادي أنطلياس”. وكان من أَبرز أَنشطته إِحياء “عيد الليمون” الذي ذاع صيتُه في كلِّ الجوار، وحضَر عددًا من حفلاته ومَعَارضه رئيسُ الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، وكانت تَنقل وقائعه الإِذاعة اللبنانية مباشرةً على الهواء، كما كان الشاعر قبلان مكرزل يعرض فيه سنويًّا نماذج من متحفه الأَثري.

الحلقة المقبلة: ذكريات رحبانية أُخرى من أَيام نادي “أنطلياس”.

Exit mobile version