مئوية منصور الرحباني (الحلقة 7 من 8)

في هذه السلسلة من ثماني حلقات، يعود الشاعر هنري زغيب إلى ذاكرة منصور الرحباني في مئويته، ليكشف محطّات إنسانية ومهنية سبقت المجد الفني. من الوظيفة الرسمية إلى خشبة المسرح، حكايات موثّقة ومفارقات طريفة ترسم ملامح البدايات التي صنعت أحد أعمدة الإبداع العربي.

سلوى نجمة الأَخوَين رحباني الأُولى

… وانتهت الحفلة باللَكْم والعصيّ

 

هنري زغيب*

في الأَسابيع الأَخيرة من مئوية منصور الرحباني (آذار/مارس 2025 – آذار/مارس 2026) أَعود إِلى ذاكرة منصور (1925- 2009). ومن جلساتي الطويلة معه، أَقطف ذكريات من سيرته الشخصية ومسيرته الفنية مع شقيقه عاصي (1923-1986). قسْمٌ من هذه الذكريات ورَدَ في كتابي “طريق النحل” (2001)، وقسمٌ ثانٍ صدَرَ في طبعته المزيدة “في رحاب الأَخوين رحباني” (2015)، وبقي في أَوراقي قسمٌ ثالث أَخير لم يَصدُر بعد، أُورِدُه في هذه السلسلة.

هنا الحلقة السابعة (قبل الأَخيرة) من هذه السلسلة عن مطالع الأَعمال الرحبانية في “نادي أنطلياس”، وما تلاها من أَعمال في مناطق أُخرى.

من أَيام تمثيليات “سبع ومخول وبوفارس”

البدايات مع سلوى

ذاعت حفلاتُ عاصي ومنصور في أنطلياس إِلى المحيط القريب ثم البعيد، فانتقَلا بها إِلى حفلاتِهما الجوالة، فإِلى الإِذاعة، ثمَّ صدَرَ بعضُها مسجَّلًا على أُسطوانات فراجت أَكثر. منها ما لا يزال رائجًا حتى اليوم، مع أَنه يعود في جذوره الأُولى إِلى مَطالعهما في نادي أنطلياس. لذا يمكن اعتبارُ أَعمال أنطلياس خميرةَ الظاهرة الرحبانية أُغنيةً ومسرحًا ولحنًا وكلامَ أُغنيات، لأَنها حمَلَتْ نواة أَعمال غنائية وموسيقية ستنتشر في ما بعد.

كانا في البدايات يستعينان بشقيقتهما الكبرى سلوى (لاحقًا تزوَجت من المحامي الشاعر عبدالله الخوري – عبدالله الأَخطل). وذات مرةٍ جاءا بصبيَّةٍ جديدة في خطواتها الأُولى، هي التي ستصبح في ما بعد المغنِّية سميرة توفيق. ومرّاتٍ أُخرى جاءا بمغنية كانت بدأَت تشتهر يومها: نهاد مشعلاني. وحدث أَن استعانا غير مرة بشباب وصبايا من أنطلياس.

مهرجان “عيد الليمون” على جسر أنطلياس

“عيد الليمون”

إِبَّان “نادي أنطلياس” ساهم عاصي ومنصور في إِنشاء “عيد الليمون” وهو منذ تأْسيسه (1945) انطلق عيدًا وطنيًّا ترأَّسه في عرضه الأَول رئيسُ الحكومة عبدالحميد كرامي. وفي عرضه الثاني (1946) ترأَّسه  رئيس الجمهورية بشارة الخوري، وكان فيه معرض للزراعة والصناعة وعرض سيارات مزيَّنة. كان “العيد” يستمر أَيامًا ثلاثة، ويتضمَّن معارض فنية من كل لبنان، وندوات ومحاضرات، وأُنشئت له خصيصًا إِذاعةٌ محلية تبثُّ أَناشيدَ وأَغانيَ وخُطَبًا. وفي اليوم الأَخير كانت تُوزَّع الجوائز، وتقام استعراضات خاصة، منها عرض الجيوش التي تعاقبت على المرور بلبنان من أول التاريخ حتى اليوم. وتشترك في “العيد” فرَق “كشَّاف لبنان” و”كشَّاف الجرَّاح” وفرَق موسيقية مختلفة. من أَجل هذا العيد السنوي كتب عاصي ومنصور “نشيد عيد الليمون” ولحَّناه، ومطلعه:

يا اللي جايـي تتفرَّجْ عَ أنطلياس

مــن لَيموناتــــــــا تحوَّجْ        شي عشر كياس

سميرة توفيق بدأَت هاوية مع مطالع الأَخوين رحباني

الساحر ومفتاحه

ذات ليلة من ليالي حفلات الأَخوين، جاءَا بشخص يدعى “الدكتور سعيد” ليقوم على ليلتَين بأَعمال سحرية وبهلوانية وتنويم مغناطيسي. اندهش منه منصور، وأَقنعَه بعد الحفلة الأُولى بأَن يترك أَغراضه في غرفة النادي لليوم التالي ولا خوف عليها. وبعد منتصف الليل عاد منصور إِلى تلك الغرفة وفتَّشَ في أَغراض الرجل حتى اكتشفَ مفتاح السر وراء أَلعابه السحرية التي كانت أَدهشت الجمهور في الليلة الأُولى.

“فرقة ولاد الرحباني”

انطلاقًا من نجاحات الأَخوين في “نادي أنطلياس”، شكَّلا فرقة فنية جوَّالة. وأَخذا يقدِّمان أَعمالهما بعد تقديمها في “النادي”، ويضيفان إِليها فقرات جديدة. جالا بفرقتهما على القرى والدساكر المجاورة، يقيمان فيها الحفلات، حتى تكوَّنَ لهما جمهورٌ بدأَ يعرفهما ويتابع أَعمالهما وينتظرها. كان الناس توَّاقين إِلى تلك الأَعمال، كأَنما كانوا فترتئذٍ ينتظرون جديدًا. وكان عاصي ومنصور فعلًا بدآ مغايِرَين: لغةً شعريةً وموسيقًى وأَلحانًا. لذا شجَّعهما الجمهور وتعاطف معهما.

انطلقت أَعمالُ “فرقة ولاد الرحباني”، وأَخذَت تتكاثر في المناطق، ولم تكن تخلُو من مشاكل طريفة. منها مثلًا عند تقديم حفلة غنائية في فالوغا، انتهى البرنامج المقرَّر. لكن الجمهور طلب مشهدًا من “تمثيلية سبع ومخول وبو فارس” (وكانت رائجةً عهدئذٍ) فرفضا بحجَّة انتصاف الليل وتأَخُّر الوقت لعودتهما إِلى أنطلياس. غضِب الجمهور واجتمع رجالٌ منه ينهالون عليهما لكْمًا وضربًا. قدَّما شكوى عاجلة، فحكَم لهما القاضي بثلاثمئة وخمسين ليرة كانت تساوي كامل المبلغ الذي تقاضياه على حفلتهما. وهكذا كان ربحهما مزدوجًا، ولو كانت كلْفَتُه بعض اللكمات والعصيّ.

الحلقة المقبلة (الأَخيرة): أَحداث طريفة في الحفلات الأُولى

Exit mobile version