“ميلانيا”… حين تتحوَّلُ السينما الوثائقية إلى إدارةِ صورةٍ سياسية

في زمنٍ تتكاثر فيه الوثائقيات السياسية، لم يَعُد السؤال: ماذا تُظهِر الكاميرا؟ بل ماذا تختار ألّا تُظهِر. فيلم “ميلانيا” يُقدّمُ نفسه بوصفه اقترابًا نادرًا من شخصيةٍ في قلب السلطة، لكنه يضعنا أمام اختبارٍ أعمق: هل يكفي القرب لصناعة معرفة، أم أنَّ الوثائقي قد يتحوّل، أحيانًا، إلى أداةٍ أنيقة لإدارة الصورة بدل مُساءلتها؟

دونالد وميلانيا ترامب: حضرأ حفل إفتتاح الفيلم في نيويورك.

سمير صفير*

منذ بدء عرض فيلم “ميلانيا” (Melania) في الصالات السينمائية، بدا واضحًا أنَّ النقاشَ الدائر حوله لا يندرجُ في خانةِ التقييم الفني وحده، بل يُلامِسُ أسئلةً أعمق تتعلّق بطبيعة الوثائقي السياسي في زمن اختلاط الإعلام بالسلطة، والسينما بالدعاية، والصورة بالشرعية. فالفيلم الذي يُرافق ميلانيا ترامب خلال الأيام السابقة لتنصيب زوجها دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، لا يكتفي بعَرضِ شخصيةٍ عامة مُثيرةٍ للجدل، بل يكشف—من حيث لا يقصد—حدود هذا النوع السينمائي حين يُنتَجُ من داخل المنظومة السياسية نفسها.

يُقدَّمُ الفيلم بوصفه وثائقيًا “إنسانيًا” يقترب من امرأة اشتهرت بندرتها الكلامية وتحكّمها الصارم في صورتها العامة. لكن هذا القرب لا يتحوّلُ إلى معرفة، بل إلى إعادةِ إنتاجٍ للصورة ذاتها، مصقولةً ومُنزّهة عن السؤال. فالكاميرا، على الرُغمِ من قربها الجسدي، تظلُّ بعيدةً فكريًا. نرى تفاصيل الحياة اليومية والبروتوكول والتحضيرات، لكننا لا نرى السياق، ولا نُمنَح مفاتيح لفهم الدور السياسي أو الرمزي للسيدة الأولى في لحظة أميركية شديدة الاستقطاب.

هكذا، منذ مشاهده الأولى، يفرضُ الفيلم إيقاعًا بطيئًا وصمتًا محسوبًا، كأنَّ الصمتَ ذاته أطروحة. غير أنَّ الصمت، في الوثائقي السياسي، لا يصبح دلالة إلّا حين يُوضَعُ في مواجهة سؤال. وهنا تحديدًا يتعثّرُ العمل، إذ يُفضّل الاحتفاء بالهيبة على المغامرة بالفهم، ويختار السلامة البصرية بدل المجازفة الفكرية.

وثائقي الوصول: القرب الذي لا يفضي إلى كشف

ينتمي فيلم “ميلانيا” إلى ما يُعرَف بـ”وثائقي الوصول”  (Access Documentary)، وهو نمطٌ يمنح صنّاعه امتياز الاقتراب من الشخصية العامة في لحظات يُفترض أنها خاصة. غير أنَّ تاريخ هذا النوع يُثبتُ أنَّ الوصولَ ليس قيمةً بحدِّ ذاته، بل وسيلة مشروطة بقدرتها على إنتاج معرفة أو كشف تناقُض.

في هذا الفيلم، يتحوّلُ الوصول إلى قيد. فبدل أن يسمحَ القُربُ بتفكيك الصورة، يُصبحُ أداةً لحراستها. الخصوصية تُستَخدَم كذريعةٍ للسكوت، والصمتُ يُقدَّم بوصفه عمقًا، من دون أن يُترجَم إلى قراءة نفسية أو سياسية. لا نرى صراعًا داخليًا، ولا موقفًا واضحًا من السلطة، ولا حتى محاولة لتأطير هذا الغياب ضمن رؤية تحليلية.

الأكثر إشكالية أنَّ الفيلم لا يُقدّمُ بديلًا سرديًا. فهو لا يعترف صراحةً بطبيعته الترويجية، ولا يمتلك الجرأة ليكون استقصائيًا. يظلُّ عالقًا في منطقةٍ رمادية، حيث لا يُسمَح للمشاهد بأن يقترب فعليًا من الشخصية، ولا يُمنَح أدواتٍ لفهم موقعها في بُنية الحكم أو في ماكينة صناعة الصورة السياسية.

عند هذه النقطة، تُصبح المقارنة مع وثائقيات سياسية أخرى ضرورية. ففي فيلم “غرفة الحرب” (The War Room)، الذي تتبع حملة بيل كلينتون للوصول إلى البيت الأبيض، لم يكن الدخول إلى كواليس حملة انتخابية مجرّد امتياز بصري، بل كشفًا لضغط القرار السياسي، وللحدود الهشّة بين التخطيط والارتجال. وفي الوثائقي “ضباب الحرب” (The Fog of War)، تحوّلت المقابلة مع وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت مكنمارا إلى مساءلة أخلاقية صريحة، حيث يُجبَرُ صاحب القرار على مواجهة نتائج خياراته التاريخية.

في المقابل، لا يجرؤ “ميلانيا” على وضع شخصيته في مواجهة أيِّ سؤالٍ حقيقي. القرب موجود، لكن الكشف غائب. والنتيجة وثائقي يكتفي بالمراقبة السطحية، من دون أن يحوّلها إلى معرفة.

الوثائقي السياسي بين المساءلة والدعاية

تتجلّى أزمة الفيلم بوضوح أكبر حين يُوضَعُ ضمن سياقٍ أوسع للوثائقيات السياسية المعاصرة. ففي أعمال مثل “Citizenfour” الذي يتعلق بإدوارد سنودن وفضيحة التجسس التي قامت بها وكالة الأمن القومي، لا تكون الكاميرا مجرّد شاهد، بل طرفًا أخلاقيًا في لحظة تاريخية تتشكّل تحت الخطر. هناك، يصبح الوثائقي فعلًا سياسيًا بحد ذاته، لأن الصورة لا تستطيع أن تكون محايدة، ولا الصمت بريئًا.

أما “ميلانيا”، فيبدو كأنه يتجنّب هذا الالتزام. لا يناقش آليات السلطة، ولا يطرح أسئلة الشرعية، ولا يحاول فهم العلاقة المعقّدة بين الصورة والحُكم في عصر الإعلام الرقمي. بل على العكس، يبدو في لحظات كثيرة جُزءًا من هذه الآلية، يساهم في إعادة إنتاجها بدل تفكيكها.

وتزداد هذه الإشكالية حدّة حين نأخذ في الاعتبار ضخامته الإنتاجية. فالوثائقي، تاريخيًا، فنّ الفكرة لا فنّ الميزانية. قوته في قدرته على تحويل القليل إلى دلالة. لكن حين تُسخَّر موارد كبيرة لإنتاج فخامة بصرية بلا أطروحة فكرية، تتحوّل الميزانية نفسها إلى عبء رمزي، وتُغذّي الشكوك حول وظيفة الفيلم ودوافعه.

كما لا يمكن فصل استقبال العمل عن اسم مخرجه “برِت رَتنر” (Brett Ratner)، وما يحمله من جدلٍ سابق. فالوثائقي السياسي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على علاقة ثقة بين الصانع والجمهور. وهذه الثقة تتآكل حين لا يحدّد الفيلم موقعه الأخلاقي بوضوح: هل هو توثيق؟ أم ترويج؟ أم محاولة لإعادة تلميع صورة السلطة في قالب ثقافي؟

صورة أنيقة بلا سؤال

في المحصّلة، “ميلانيا” ليس فيلمًا ضعيفًا من حيث الصنعة، لكنه ضعيفٌ من حيث الجرأة. امتلك كل عناصر النجاح المُمكنة: شخصية محاطة بالغموض، لحظة انتقال سلطوي حسّاسة، موارد إنتاجية كبيرة، واهتمامًا إعلاميًا عالميًا. لكنه اختار الطريق الأسهل: أن يكونَ مرآةً ناعمة للسلطة بدل أن يكونَ أداةً لفهمها.

الوثائقي السياسي لا يُقاس بجمال صوره، بل بقدرته على طرح السؤال الصحيح في اللحظة الصحيحة. ومن دون هذا السؤال، يبقى أي فيلم—مهما بلغت أناقته—عملًا منقوصًا، يلمع على السطح ويخلو من العمق. “ميلانيا” مثالٌ صارخ على ذلك: وثائقي قريبٌ جدًا من السلطة… وبعيدٌ جدًا من الحقيقة.

* سمير صفير هو مراسل “أسواق العرب” في هوليوود.

Exit mobile version