مع دخول حرب روسيا على أوكرانيا عامها الخامس، يتبدّد الأمل بتسوية قريبة في ظل إصرار موسكو وتراجع الموارد الأوكرانية. بين إرهاق الداخل وحسابات الخارج، يصبح السلام هدفًا بعيدًا في عالمٍ تحكمه موازين القوة أكثر من القواعد.
أولكسندر كيزيلوف*
يبدو أنَّ روسيا غير راغبة في تقديم تنازُلات في أوكرانيا، وهي مشكلة يتجاهلها المطالبون بوقف دعم كييف. تُوشِك الحرب التي تشنّها روسيا في أوكرانيا على دخول عامها الخامس من دونِ أيِّ بصيص أمل في النصر أو الهزيمة. ما يقرب من 20% من الأراضي الأوكرانية مُحتلة بالفعل، ولكن أقل من 1% منها تم الاستيلاء عليها في العام الماضي. ولحسن حظ الكثير من دعاة السلام، تحوّلت جهود كييف نحو البحث عن حلولٍ ديبلوماسية، وحذت العواصم الأوروبية حذوها. ومع ذلك، ومع انقضاء المواعيد النهائية التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يزال الاتفاق بعيد المنال.
إنَّ الادعاءات المُتفائلة بأنَّ 95% من البنود قد تمَّ الاتفاقُ عليها، مع بقاء بعض المسائل الشائكة فقط، تجعل المرء يتساءل كيف يختلف هذا عن بيان إسطنبول (تموز/يوليو 2025 محادثات روسية-أوكرانية في تركيا)، الذي “كاد أن يُحقّقَ لنا السلام” ولكنه كان مليئًا بالخلافات المُؤجَّلة. تتمحور المفاوضات حاليًا بشكلٍ أساسي حول مواقف أوكرانيا وحلفائها، إلى جانب مواقف الولايات المتحدة التي تجري بدورها محادثات مع روسيا. وتحافظ المقترحات الأخيرة على معطيات وأرقام رمزية -جيش محلي قوامه 800 ألف جندي، وضمانات شبيهة بالمادة الخامسة سارية المفعول إلى أن تطلق أوكرانيا النار على الأراضي الروسية من دون سابق استفزاز- بينما تُبقي السيطرة على محطة “زابوروجيا” (Zaporizhzhia) النووية والتنازلات الإقليمية في الأراضي من دون حل.
وافقت كييف على إجراء انتخابات رئاسية، بل واقترحت إجراء استفتاء للمصادقة على اتفاق السلام، شريطة أن يسمح وقف إطلاق النار بذلك. لكن كل ذلك ذهب سدى: فبعد مكالمة هاتفية، اتفق كلٌّ من فلاديمير بوتين وترامب على أنَّ وقف َإطلاق النار الفوري لن يؤدّي إلّا إلى إطالة أمد الصراع. لطالما خضعت جميع تحركات روسيا الخارجية لهدف واحد: إخضاع أوكرانيا، الذي أصبح هاجسًا راسخًا. في غضون ذلك، تواصل روسيا “حل المشاكل بالوسائل العسكرية”. تسببت هجمات أوائل كانون الثاني (يناير) على البنية التحتية للطاقة في انقطاعٍ تام للتيار الكهربائي في منطقتي “دنيبروبيتروفسك” (Dnipropetrovsk) و”زابوروجيا”، ما أدّى إلى انقطاع الكهرباء عن نحو 800 ألف شخص مع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. ثم انقطعت الكهرباء عن أكثر من 500 ألف شخص في كييف. بل وأطلقت موسكو صاروخًا باليستيًا فرط صوتي من طراز “أوريشنيك”، قادرًا على حمل رؤوس نووية، والذي يُزعم أنه أصاب مخزنًا للغاز تحت الأرض بالقرب من الحدود البولندية.
الهدف الروسي الثابت: أوكرانيا لنا
يُقلّلُ الكثيرون بشكلٍ كبير من شأن البُعد الإيديولوجي لغزو الكرملين[1]. لطالما خضعت جميع تحرُّكات روسيا الخارجية لهدف واحد: إخضاع أوكرانيا، الذي أصبح بمثابة هاجس مُلحّ. إذا لم تتمكّن روسيا من تحقيق ذلك عسكريًا الآن، فستُضمّن أيّ عملية سلام شروطًا تسمح لها بالاستمرار في ظل ظروف أكثر ملاءمة. يُعَدُّ منع تكرار العدوان أمرًا بالغ الأهمية لأمن أوكرانيا وأوروبا على حد سواء. هذا ما يفسر رد فعل موسكو الحاد حتى على النقاش الحذر حول إمكانية نشر قوات متعددة الجنسيات في أوكرانيا: قوات محدودة الحجم، فقط بعد وقف إطلاق نار شامل، بعيدًا من خط التماس، وفي حال عدم وجود ما يهدد سلامتها.
ينظر الكرملين إلى أيِّ عائقٍ محتمل على أنه تهديدٌ لطموحاته، ويُحذّر من أنَّ أيَّ وحداتٍ أو منشآت من هذا القبيل ستُعامَل كأهداف عسكرية مشروعة. إذا كانت روسيا تسعى بالفعل إلى حلٍّ وسط بحُسن نية، فإنَّ مهمةً افتراضية للشرطة الدولية في منطقةٍ محايدة منزوعة السلاح على طول خط التماس بأكمله كفيلة برفع الحصار عن “خيرسون” (Kherson)، وضمان حرية الملاحة في نهر “دنيبرو” (Dnipro)، وتأمين محطة “زابوروجيا” النووية، وإعادة فتح مناجم فحم الكوك في “بوكروفسك” (Pokrovsk)، والسماح للاجئين بالعودة، وفصل القوات فعليًا. على عكس التشكيلات العسكرية، يمكن لمثل هذه المهمة أن تركز على حماية المدنيين ومراقبتهم بدلًا من استعراض القوة. بل قد يُتيح ذلك لموسكو إعلان النصر: لا وجود لقوات “الناتو” في أوكرانيا، ومنطقة عازلة تُؤمّن “سكان دونباس”، وتُحافظ على اتصالهم البري بشبه جزيرة القرم، بينما يُلزم انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي باحترام حقوق الأقليات ويُزوّدها بآلياتٍ للتظلُّم. إنَّ عدمَ النظر في أيِّ شيءٍ مُماثل يُعدّ دليلًا إضافيًا على أنَّ كلَّ هذه الأمور ليست سوى أعذار. في اجتماع وزارة الدفاع في كانون الأول (ديسمبر) 2025، كان بوتين صريحًا: ستُحقق روسيا “من دون قيد أو شرط” أهدافها الحربية و”تُحرّر أراضيها التاريخية”، مُتوقعًا أنَّ “الخنازير الصغيرة” الأوروبية التي تدعم كييف ستفقد السلطة في نهاية المطاف.
ماذا عن تيار السلام في روسيا؟
ينفي المتحدثان باسم حركة “السلام من الأسفل”، أليكسي ساخنين وليزا سميرنوفا، في مقالٍ لهما في مجلة “جاكوبين”[2]، فكرة سعي بوتين إلى تسويةٍ ودّية. ويَزعمان أنَّ أهدافَ النظام الروسي هي سحق أوكرانيا تمامًا، وتركها عاجزة عن الدفاع عن نفسها وفي حالةِ اضطرابٍ سياسي، لتبرير تكاليف “العملية العسكرية الخاصة” وتجنُّب أي تهديدات مستقبلية محتملة. ومع ذلك، يعتقدان أنَّ دعوةً حقيقية من الحركات الشعبية لوقف إطلاق النار فورًا ومن دون شروط، إذا رفضها الكرملين، ستُفقِدُُ النظام شرعيته في نظر مؤيّديه.
هذا الموقف ساذجٌ للغاية، بل قد يُلحِقُ الضررَ إذا أُخِذَ على محمل الجد. إنَّ تقويضَ الدعم لجهود الدفاع الأوكرانية لا يؤدّي إلّا إلى إضعاف موقف كييف التفاوضي. ومن غير الواضح تمامًا ما الذي يُمكِنُ أن تُقدِّمه مثل هذه الدعوة بشكلٍ مختلف عن المقترحات الأوكرانية السابقة من دون أن تُحقق للكرملين ما يريده بالضبط. فعلى مدار العام الماضي، قدمت كييف مقترحات عدة لوقف إطلاق النار، رُفِضت جميعها رفضًا قاطعًا. ومع ذلك، لم تشهد السفارات الروسية أي احتجاجات من قبل نشطاء السلام الغاضبين في جميع أنحاء العالم. بينما شهد الغرب مسيرات حاشدة مؤيدة للسلام تُندّد بالنزعة العسكرية في دول أوروبا، والتي غطتها وسائل الإعلام الروسية على نطاق واسع، لم يُرَ شيءٌ من هذا القبيل في شوارع المدن الروسية.
في حين تتزايد حالات الفرار من الخدمة العسكرية ويتفاقم الإرهاق، تُفيد موسكو بزيادة نسبة تجنيد المرتزقة. ويواصل مئات الآلاف من الروس التوجه مسلحين إلى أوكرانيا، طواعيةً، هربًا من الأحكام القضائية، أو لكسب المال، أو لتحسين مساراتهم المهنية. تُظهر التجارب التاريخية أنَّ الأمر يتطلّب أكثر من مجرد أجواء إيجابية من الخارج لتحفيز الشعوب على الانتفاض. فقد أشعل نقصُ الغذاء شرارة أعمال الانتفاض والاضطراب عام 1917 (المقصود ثورة شباط/فبراير الممهدة لثورة تشرين الأول/أكتوبر الروسية)، ودفعت الخسائر الفادحة في ساحات المعارك وانعدام الثقة في القيادة غير الكفؤة إلى انتفاضة بريغوجين عام 2023 (المقصود تمرد مجموعة فاغنر بأوامر من قائدها يفغيني بريغوجين) .
مهمة أوكرانيا المستحيلة
تُظهر أحدث استطلاعات الرأي العام صمودًا ثابتًا: فعلى مدار العام، ظلت نسبة الرافضين بشكلٍ قاطع للتنازلات الإقليمية ثابتة عند أغلبية بسيطة. وفي الوقت نفسه، قد يقبل أكثر من ثلثي السكان بتجميد الصراع، ومع ذلك لا يزال 74% يرفضون شروط موسكو، في حين يعترف 17% بأنهم قد يتقبلون النسخة الروسية من السلام، بينما لا يزال 9% آخرون مترددين. ومع تناقص الموارد وتفاقم الإرهاق[3]، قد ترتفع هذه النسب، مما قد يُمهّد الطريق لصراعٍ سياسي داخلي. الواقع المالي قاسٍ. تتطلّب ميزانية أوكرانيا لعام 2026 دعمًا خارجيًا بقيمة 49 مليار دولار – وبدونه ستكون البلاد عاجزة ماليًا. تضاعف العجز التجاري في العام الماضي إلى 42 مليار دولار، مما زاد من اعتمادها على التدفقات النقدية الغربية. بلغ الدين العام 186 مليار دولار، وتستهلك خدمة الدين بالفعل 18% من الإيرادات المحلية. بدلًا من مصادرة الأصول الروسية المجمدة، يضيف قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو للفترة 2026-2027 إلى هذا الدين، ولكن على الأقل يُفترض تأجيل السداد حتى تدفع موسكو التعويضات. حتى لو تم استخدام الأصول المجمدة، فبدون أفق للسلام، يزداد فخ الديون، وتتراكم تكاليف إعادة الإعمار. يُفاقم الإنهاك العسكري الأزمة المالية. بلغ تفشي التغيُّب عن الخدمة العسكرية مستويات قياسية في العام 2025، ما دفع الحكومة إلى تقييد البيانات الإحصائية والإعلان عن تغيير آخر في منصب وزير الدفاع.
لا تزال كييف تسيطر على ما يقرب من 20٪ من الأراضي المتنازع عليها، وتضم مناطق حضرية شديدة التحصين. يُعد الانسحاب خيارًا غير شعبي وخطير استراتيجيًا، إذ يُقرّب خط المواجهة من المناطق المجاورة ذات المواقع الأكثر صعوبة في الدفاع. تتقدم القوات الروسية ببطء مع تكبدها خسائر فادحة، لكن يبدو أنَّ موسكو مستعدة للانتظار ودفع الثمن. يُجبرنا هذا الوضع القاتم على طرح سؤال لا مفرَّ منه كنتُ سأتجاهله قبل سنوات بحجة عدم كوني خبيرًا عسكريًا: ما هو هدف أوكرانيا في هذه الحرب؟ هل هو الصمود حتى تستعيد قوتها لطرد المحتلين؟ ولكن من أين ستأتي هذه الموارد؟ هل تنتظر حتى ينهار الاقتصاد الروسي؟ تشير أبحاث إيليا ماتفييف[4] إلى أنه بينما ساعدت التعبئة العامة الموجهة من الدولة روسيا على تجاوز الصدمات الأولية، فقد استقر اقتصادها في حالة ركود طويل الأمد، لكن لا يلوح في الأفق أي انهيار وشيك.
هل يمكن الحفاظ على الاستقلال وعلى آفاق واضحة للمستقبل؟ الحرب المطوَّلة تقوّض كليهما.
إنَّ دعم الشعب لا يعني بالضرورة دعم الحكومة. قد تكون الأخيرة مروِّعة ومقزِّزة، لكن سكان أوكرانيا لا يمكنهم التنحّي جانبًا والوقوف على الحياد لأنَّ حكم المعتدي أسوأ بكثير. قليلون هم مَن يرغبون في المخاطرة بالموت في القتال، لكن قلة منهم فقط ستختار العيش تحت الاحتلال. إنَّ أفضل الخيارات من وجهة نظر فردية ذاتية هي أن تتوقف الحرب، أو على الأقل، أن تكونَ ثمة فرصة للهرب منها. لكن، أيٌّ من هذين الخيارين ليس مطروحًا أمام البلاد ككل. روسيا مستعدة لتحمّل تكاليف الحرب، مما يُجبر أوكرانيا على خيارٍ لا تُحسد عليه: الاستسلام الآن أو القتال طالما استمرَّ الدعم. إنَّ الدعوة إلى سحب الموارد لإجبار أوكرانيا على الاستسلام في “حرب خاسرة” خيار سياسي غريب، لكن يبدو أنَّ الكثيرين من اليسار راضون عنه. عاجلًا أم آجلًا، قد يصبح هذا السيناريو واقعًا. لكن لخيبة أمل دعاة السلام، فإنَّ العالم الذي يصبح فيه هذا مُمكناً لا يحمل في طياته جنة.
الفوضى العالمية الجديدة
يقدم السياق الأوسع لمحة عن المستقبل. في 3 كانون الثاني (يناير) 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية للقبض على نيكولاس مادورو، الزعيم الفنزويلي[5]. لم تُغلّف هذه العملية حتى بغطاء التدخل الإنساني، بل كان التبرير واضحًا: السيطرة على النفط[6]. مدفوعًا بالنجاح، أعاد ترامب إحياء مساعيه للاستحواذ على غرينلاند[7]، وسخر علنًا من القانون الدولي في هذه العملية. كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: القوة هي التي تُقرر، والقواعد تُتبع إن كانت ملائمة. في ظلِّ هذه الخلفية، يبقى من غير الواضح مدى استدامة اهتمام واشنطن بأوكرانيا، وما الثمن الذي ستطلبه، وما إذا كانت أيُّ ضمانات أمنية ستُلزم الولايات المتحدة بمجرد تغير الظروف. بالنسبة إلى أوروبا، التي لا تزال تحاول استيعاب ضرورة مواجهة روسيا، المستعدة لفرض مصالحها بالقوة، يبدو هذا الأمر (التخلي عن الاهتمام بأوكرانيا) أقرب إلى الخيانة منه إلى القيادة. فجأةً، لم يعد الحديث عن أوكرانيا كدرع مجرد مجاز. لا ينبغي أن تُطمئن تطمينات بوتين، فهو رجل يقف عند كلمته، بالمعنى الضيق: يَعِدُ ويتراجع. قد تضطر أوكرانيا إلى ابتلاع مرارة، لكن هذا ينطبق أيضًا على أيِّ دولة أخرى غير مهتمة بالغزو الإمبريالي أو غير قادرة عليه. مَن يختزل السلام أو العدالة إلى مجرد مفاهيم أخلاقية لن يتمكن من تحقيق أيٍّ منهما. بدلًا من إدانة الأخطاء، حان الوقت للتساؤل عما يجعلها ممكنة. هل ينبغي للدول أو المجتمعات الصغيرة أن تقبل عالمًا تُملي فيه القوى العظمى ما تريد؟ وفي حال رفض ذلك، فما هي الأدوات المتاحة فعليًا للمقاومة عندما يضغط عليها مَن هو أقوى؟
- ولكسندر كيزيلوف هو باحث ومحلّل سياسي أوكراني.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية الباحث الأكاديمي الدكتور سعود المولى.
[1] The Russian Idée Fixe – CounterPunch.org
[2] For a Peace From Below in Ukraine
[3] »I am OK. I am strong. I am weak. I am well.« – ak analyse & kritik
[4] Testing the Limits of State-Directed Mobilization – Rosa-Luxemburg-Stiftung
[5] Regierung von Trumps Gnaden – ak analyse & kritik
[6] Ein neuer Krieg um Öl? – ak analyse & kritik
[7] Auf dünnem Arktiseis – ak analyse & kritik
