خلف صورة التحديث والمشاريع العملاقة التي تروّج لها الرياض، تتكشف حكايات لعمال مهاجرين عالقين في نظام كفالة يقيّد الحقوق ويكرّس الاستغلال.
فريدريك ديكناتيل*
وصل أحمد عبد المجيد إلى السعودية عام 1981 شابًا هنديًا، ليكون واحدًا من ملايين العمال المهاجرين الذين شكّلوا، ولا يزالون، العمود الفقري غير المرئي للاقتصاد السعودي، إلى جانب الثروة النفطية الضخمة. وعلى مدى سنوات طويلة، شغل عبد المجيد موقعًا متقدمًا في إدارة المبيعات بالعاصمة الرياض لدى أكبر وكالة سفر في المملكة آنذاك، وكالة الطيّار للسفر، التي باتت تُعرف اليوم باسم “مجموعة سيرا القابضة”. وكان عمله يتطلّب جهدًا استثنائيًا وتعامُلًا يوميًا مع نخبة من العملاء، من أفرادٍ في العائلة المالكة وديبلوماسيين ورجال أعمال نافذين، حافظَ على علاقاتٍ مهنية مع بعضهم لعقود.
غير أنَّ هذه المسيرة الطويلة انتهت بصورةٍ مفاجئة بعد نحو أربعين عامًا. ففي مطلع عقده السابع، وجد عبد المجيد نفسه عاجزًا عن مغادرة المملكة عقب فصله من عمله مع بدايات جائحة “كوفيد-19″، في وقت كانت زوجته تعاني المرض في الهند. وكحال ملايين العمال الأجانب في السعودية، اصطدم بواقع نظام الكفالة، الذي يمنح أصحاب العمل سلطة شبه مطلقة على الوضع القانوني للعمال، بما في ذلك حقهم في تغيير وظائفهم أو حتى مغادرة البلاد. ويشكّل العمال المهاجرون أكثر من 80 في المئة من القوى العاملة في القطاع الخاص، موزَّعين على قطاعات تمتد من البناء والأعمال اليدوية إلى الخدمات والوظائف المكتبية، فيما يقدَّر عددهم بأكثر من 13 مليون عامل، معظمهم من جنوب آسيا، أي ما يعادل نحو 42 في المئة من سكان المملكة. ولهذا، كثيرًا ما وُصِفَ العمل في ظل نظام الكفالة بأنه شكلٌ من “العبودية الحديثة”، إذ تُربَطُ حقوق العمال وسُبُل عيشهم بإرادة أصحاب العمل أكثر مما تُربَط بالقانون.
فجوة بين الخطاب الرسمي والتطبيق الفعلي
ورُغمَ الحملات الترويجية التي أطلقتها الحكومة السعودية خلال السنوات الأخيرة للحديث عن “إصلاحات” في سوق العمل، بما في ذلك التعديلات التي أُعلن عنها عام 2021 على نظام الكفالة بهدف تخفيف القيود المفروضة على انتقال العمال الأجانب ومغادرتهم البلاد، فإنَّ الواقع الميداني ظل بعيدًا من هذه الوعود. فبحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش”، لا تزالُ الانتهاكات الواسعة المرتبطة بنظام الكفالة مُتفشّية، بما يعكس فجوةً واضحة بين الخطاب الرسمي والتطبيق الفعلي.
خلال معظم سنوات عمله في المملكة، كانت الشركة التي ينتمي إليها عبد المجيد مملوكة لرجل الأعمال السعودي البارز ناصر الطيّار، الذي كان من بين الشخصيات الثرية التي طالتها حملة الاعتقالات المثيرة للجدل عام 2017، والتي قادها ولي العهد محمد بن سلمان تحت شعار “مكافحة الفساد”. وكما حدث مع آخرين، لم يُفرَج عن الطيار من احتجازه في فندق ريتز كارلتون في الرياض إلّا بعد التوصُّل إلى تسويةٍ مع السلطة. وفي حالته، تمثّلت التسوية بالتخلّي عن السيطرة على شركة الطيّار للسفر، التي أُعيدت تسميتها لاحقًا إلى “مجموعة سيرا القابضة”، قبل أن تنتقلَ فعليًا إلى ملكية صندوق الاستثمارات العامة، الصندوق السيادي الضخم الذي يُقدَّر حجمه بنحو تريليون دولار ويخضع لإشراف ولي العهد.
مع فصله المفاجئ في مطلع العام 2020، انقلبت حياة عبد المجيد المستقرة نسبيًا إلى مُعاناةٍ قاسية. فقد صادرت “مجموعة سيرا” جواز سفره، وأجبرته، مُستفيدةً من نظام الكفالة، على العمل من دون أجر لمدة ستة أشهر بحجّة تحصيل مستحقّات مالية متأخّرة على عملاء الشركة، وهي مستحقّات لا علاقة له بها شخصيًا. وفي نهاية المطاف، وجد نفسه مضطرًا إلى سداد هذه الديون من ماله الخاص، والتي بلغت نحو 100 ألف دولار، وهو ما لم يتمكّن من توفيره إلّا بعد بيع منزله وممتلكات أخرى في الهند. وحتى عندما سُمِحَ له بمغادرة السعودية لاحقًا، اضطرَّ إلى شراء تذكرة عودته بنفسه، رُغمَ أنَّ عقد عمله ينصُّ صراحةً على أنَّ تكاليف العودة تقع على عاتق الشركة.
ويروي عبد المجيد تجربته بمرارةٍ واضحة، قائلًا: “تخيّل رجلًا يقضي أربعين عامًا في السجن، ويجني ملايين الأرباح للشركة. لقد خسرت كل شيء. لم يكن لي أي دور في التحصيل، كنتُ مدير المنطقة فقط”. ويضيف أنه باع منزله في الهند بخسارةٍ تراوحت بين 30 و40 في المئة، مؤكدًا: “لو لم أفعل ذلك، لكنتُ خلف القضبان مدى الحياة”.
ومع ذلك، تُعَدُّ حالة عبد المجيد أقل سوءًا مقارنةً بكثيرين غيره. فالغالبية الساحقة من العمال المهاجرين في السعودية لا يمتلكون أصولًا أو ممتلكات في بلدانهم الأصلية يمكنهم بيعها للهروب من هذا النوع من الاستغلال. وينطبق ذلك بشكلٍ خاص على عمال البناء والعمالة اليدوية التي تشكّل العمود الفقري لصناعة النفط، وتسهم اليوم في تنفيذ مشاريع عملاقة باهظة الكلفة أُطلِقت في إطار رؤية السعودية 2030. وفي حال فقدانهم وظائفهم، غالبًا ما ينتهي بهم المطاف في مراكز احتجاز مُكتظّة قبل ترحيلهم، بينما شهدت حالات عدة ظروفَ عملٍ قاسية أودت بحياة عمال، من دون تحقيقات جدية أو مساءلة لأصحاب العمل، ومن دون أيِّ تعويضٍ لعائلات الضحايا.
ويختصر عبد المجيد تجربته بجملة واحدة ثقيلة المعنى: “لو لم أكن أملك تلك العقارات في الهند لأبيعها، لكنتُ ما زلتُ في سجن سعودي اليوم. وربما كنتُ قد مت”.
موقف مؤسسة حقوق الإنسان
بالنسبة إلى عبد المجيد، انتهت مسيرة مهنية امتدت لنحو أربعة عقود في العمل الإداري داخل المملكة العربية السعودية على نحوٍ صادم، بستة أشهر من “الاحتجاز والعمل القسري”، وفق توصيف مؤسسة حقوق الإنسان، التي وَثّقت قضيته ضمن تقريرٍ مُوَسّع عن الاتجار بالبشر في المملكة، بوصفه إحدى النتائج المباشرة التي يسهّلها نظام الكفالة. ولم تُقدَّم قضيته كحالة فردية استثنائية، بل كنموذجٍ دالٍّ على خللٍ بنيوي أعمق في علاقة العمل بين الدولة والعمالة المهاجرة.
ونظرًا إلى أنَّ عبد المجيد كان يعمل لدى شركةٍ خاضعة لمُلكية صندوق الاستثمارات العامة، خلصت مؤسسة حقوق الإنسان إلى أنَّ ما تعرَّضَ له يُشكّلُ دليلًا على “تواطؤ صريح” من جانب الحكومة السعودية في ممارسات الاستغلال هذه. وذهبت المؤسسة أبعد من ذلك، مُعتبرةً أنَّ قضيته، إلى جانب عشرات الحالات الأخرى التي وثّقتها داخل المملكة، ليست سوى جُزءٍ من “نمطٍ مُمَنهج واسع النطاق” يشمل الاحتجاز التعسُّفي والاتجار بالبشر. وفي الاتجاه نفسه، أفادت منظمة “مبادرة الحرية” في واشنطن بأنَّ ما لا يقل عن 1242 أجنبيًا تعرّضوا للاحتجاز أو الاستغلال غير القانوني في السعودية بموجب نظام الكفالة خلال العامين 2020 و2021 فقط. ونقلت المنظمة عن أحد العمال قوله: “هذه القصص ليست سوى جُزءٍ يسير من الانتهاكات المُمَنهجة التي يتعرّض لها العمال والمهاجرون في المملكة”.
وعلى نطاق أوسع، لا تقتصر هذه الظاهرة على السعودية وحدها، بل تمتد إلى معظم دول الخليج، حيث تشكّل ندرة البيانات الرسمية وغياب الشفافية الحكومية عائقًا أساسيًا أمام تقييم الحجم الحقيقي لانتهاكات حقوق العمال في ظل نظام الكفالة. ولهذا، تركّز تقارير منظمات حقوق الإنسان على العمال المهاجرين ذوي الأجور المتدنية، ولا سيما عمال البناء، الذين يتحمّلون العبء الأكبر من هذه الانتهاكات. ويبرز في هذا السياق مثال قطر، حيث لقي نحو 6500 عامل مصرعهم أثناء تشييد الملاعب والبنى التحتية المرتبطة بكأس العالم 2022، وفق تقديرات مستقلة.
وفي تقريرٍ صدر عام 2022 عن “فايتال ساينز” (Vital Signs)، وهي منظمة معنية بحقوق العمال، قدّرَ أنَّ ما يصل إلى 10 آلاف عامل مهاجر من جنوب وجنوب شرق آسيا يفقدون حياتهم سنويًا في دول مجلس التعاون الخليجي الست الغنية بالنفط: البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية، والإمارات العربية المتحدة (الإمارات ألغت نظام الكفالة). ووفق التقرير، فإنَّ أكثر من نصف هذه الوفيات لا يُقدََّم لها تفسير رسمي واضح، وغالبًا ما تُسجّل ببساطة تحت بند “أسباب طبيعية” أو “سكتة قلبية”، في حين يعمل هؤلاء العمال في ظروف قاسية، تحت حرارة خانقة، وهم مرهقون، محرومون من الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، ومن أيِّ مساءلة حقيقية لأرباب العمل أو السلطات.
عدد العمال المهاجرين في الخليج
يُقدَّر عدد العمال المهاجرين في دول مجلس التعاون الخليجي الست بنحو 30 مليون عامل، يشكّلون أكثر من نصف سكان الخليج. وتشير التقديرات إلى أنَّ ما بين 70 و80 في المئة منهم يعملون في وظائف مُتدنية الأجر، ولا سيما في قطاع البناء. وفي المقابل، لا يواجه العمال الأجانب في الوظائف الإدارية أو المكتبية، مثل حالة عبد المجيد، المخاطر الجسيمة نفسها المرتبطة بالعمل البدني الشاق، بحكم طبيعة أعمالهم. وغالبًا ما يحظى هؤلاء، وخصوصًا المغتربون الغربيون، بظروفِ عملٍ أفضل نسبيًا، في انعكاسٍ واضح لنظامٍ طبقي راسخ في العديد من دول الخليج، يحتلُ فيه العمال لقادمون من جنوب آسيا وأفريقيا أدنى مراتب التسلسل الهرمي القائم على العرق والجنسية.
مع ذلك، تكشف تجربة عبد المجيد أنَّ الحماية النسبية التي يُفتَرَض أن توفّرها الوظائف المكتبية ليست ضمانة حقيقية في ظلِّ نظام الكفالة. فقضيته تبرز كيف يمكن حتى للعمال ذوي المواقع الإدارية أن يقعوا ضحية سوء المعاملة والاستغلال عندما يظل وضعهم القانوني مُرتهنًا بإرادة صاحب العمل. وفي هذا المعنى، لا تمثل محنته سوى مثال واحد على واقع أوسع من استغلال العمالة في دولة شُيّد اقتصادها على النفط، وهو واقعٌ يُقوِّضُ الصورة الإصلاحية والمؤيدة للأعمال التي يسعى الأمير محمد بن سلمان إلى ترسيخها للمملكة العربية السعودية عبر شبكة واسعة من المستشارين وخبراء تحسين الصورة، في مسعى لجذب الشركات الأجنبية وتحويل الرياض إلى نسخةٍ أخرى من دبي.
وتقع هذه التناقضات في صلب أجندة رؤية 2030، التي يروّج لها ولي العهد بوصفها مشروعًا لتحويل الاقتصاد السعودي وتنويعه وتقليل اعتماده على النفط. غير أن هذه الرؤية تتضمن سلسلة من المشاريع العملاقة التي يصفها منتقدون بأنها طموحة إلى حد بعيد، بل وغير واقعية في كثير من جوانبها. وفي مقدمة هذه المشاريع يبرز مشروع “نيوم”، المدينة المخطط لها على ساحل البحر الأحمر، والتي رُوّج لها أساسًا عبر حملات علاقات عامة مكلفة، لتسويق فكرة إسكان تسعة ملايين نسمة في مجمّع معماري ضخم يُعرف باسم “الخط”. ويُفترض أن يمتدَّ هذا الهيكل الزجاجي الهائل، المائل على جانبه، لمسافة 160 كيلومترًا من ساحل البحر الأحمر إلى جبال الحجاز، وأن يفوق في طوله مباني شهيرة مثل مبنى “إمباير ستايت” في نيويورك. وتبدو هذه التصاميم، في نظر كثيرين، أقرب إلى مشاهد خيالية مستوحاة من أفلام مارفل، وهو ما يتقاطع مع الشغف المعروف لولي العهد بهذا النوع من السينما، أكثر مما تعكس مشروعًا قابلًا للتحقق على أرض الواقع.
اليوم، وبعد إنفاق يُقدَّر بنحو 50 مليار دولار على مشروع “الخط”، لم يبقَ على أرض الواقع سوى صحراء قاحلة خلّفتها أعمال حفر هائلة، شملت شق أنفاق تحت سلاسل جبلية لإقامة خط سكة حديد فائق السرعة قد لا يرى النور أصلًا. وكما أفادت وول ستريت جورنال، كان المخطط الأوّلي لمسؤولي “نيوم” يقضي ببناء 16 كيلومترًا من “الخط” بحلول العام 2030، وهو ما كان يعني عمليًا تشييد ما يعادل جميع مباني المكاتب في وسط “مانهاتن” في نيويورك ثلاث مرات خلال عقد واحد، في منطقة صحراوية نائية قرب الحدود بين السعودية والأردن قليلة السكان. غير أنَّ هذا الطموح تقلّص بصورة حادة لاحقًا، بعدما اصطدم، وفق توصيف فايننشال تايمز، “بقوانين الفيزياء والتمويل”.
ورغم ذلك، تواصل شركة “نيوم”، شأنها شأن مشاريع ولي العهد العملاقة الأخرى، الترويج لرؤية تجعل السعودية مركز الشرق الأوسط الجديد للأعمال والسياحة والترفيه والرياضة، أو لأيِّ مجال يمكن ضخ عائدات النفط فيه. ولا يقتصر هذا المسعى على سحب مئات المليارات من الصندوق السيادي لإغراء الشركات الأجنبية بالقدوم إلى المملكة، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسة ضغط مباشر عبر ما يُعرف بـ”مشروع المقر الرئيسي”، الذي يشترط على الشركات الأجنبية إنشاء مقار إقليمية لها داخل السعودية للحصول على العقود المدعومة من الدولة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كم من هؤلاء الوافدين الجدد، الذين يعملون اليوم في ناطحات السحاب ومجمّعات المكاتب اللامعة في الرياض، قد يجدون أنفسهم عرضة للانتهاكات ذاتها التي عانى منها عبد المجيد حين كان مدير مبيعات في شركة مرتبطة بالصندوق السيادي؟ إنَّ محنته تكشف بوضوح أنَّ الاستغلال في السعودية لا يقتصر على عمال البناء والعمالة اليدوية، بل يمكن أن يطالَ أيضًا فئات يُفترض أنها أكثر حماية، ما دام نظام الكفالة قائمًا ويمنح أصحاب العمل سلطة شبه مطلقة على مصائر العمال.
خلف كل حدث استعراضي جديد يُسوََّق له في المملكة بوصفه دليلًا على “النهضة السعودية” —من جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1 في جدة، إلى مهرجانات الترفيه والكوميديا في الرياض، وصولًا إلى الطموح الكبير لاستضافة كأس العالم 2034، بما في ذلك الحديث عن ملعب مستقبلي يُقام على قمة “الخط” ولا وجود له خارج الرسومات الهندسية— تقف عمالة واسعة النطاق شكّلت الأساس الفعلي لكلِّ هذا البريق. ويصف عبد المجيد هذه الفعاليات بمرارة قائلًا: “إنها أشبه بتبييض للواقع. لم أرغب في الكوميديا الحديثة عن أي شيء. لم أستطع الحديث عن العمال المهاجرين، ولم أستطع الحديث عن البلاد أصلًا”.
تحرُّك حقوقي
ومنذ خروجه من السعودية، لم يتوقف عبد المجيد عن السعي وراء حقه. فقد وجّه مراسلات متكررة إلى “مجموعة سيرا القابضة”، وإلى صندوق الاستثمارات العامة، مطالبًا بالتعويض عمّا تعرّض له من انتهاكات. غير أنَّ هذه المحاولات لم تلقَ أي استجابة تُذكر. وبعد أن خابت آماله داخل المملكة، انتقل عبد المجيد إلى الولايات المتحدة، حيث يعمل أحد أبنائه سائقًا لدى “أوبر”، على أمل أن يتمكن من ممارسة ضغط من واشنطن. وفي العام 2024، نُشِرَت قصة قضيته في مجلة “الديموقراطية في المنفى” ضمن تحقيق تناول أنماط الاستغلال المرتبطة بالعمالة المهاجرة.
ويقول عبد المجيد: “أرسلنا 11 رسالة إلى سفارة السعودية في واشنطن، ولم نتلقَّ أيَّ رد”. وفي خريف العام الماضي، أصدرت ست منظمات حقوقية رسالة مشتركة دعت فيها الحكومة السعودية إلى فتح تحقيق في قضيته وتعويضه عن الأجور المسروقة وما تعرّض له من ابتزاز. وجاء في الرسالة أنَّ قضيته “تُجسّد بوضوح كيف يسهّل نظام الكفالة في السعودية انتهاكات جسيمة بحق العمال، ويتركهم من دون حماية فعلية أو سبل انتصاف، حتى عندما تكون الشركات المتورطة على صلة مباشرة بالدولة”.
وأضافت المنظمات أنَّ ما تعرّض له عبد المجيد لا ينتهك المعايير الدولية فحسب، بل “يخالف حتى القانون السعودي نفسه”، الذي —رُغمَ قصوره— يُحظِّر صراحةً احتجاز الأجور أو العمل القسري. غير أنَّ هذه القوانين، كما تُظهر قضيته، تبقى في كثير من الأحيان حبرًا على ورق في ظل منظومة تمنح أصحاب العمل نفوذًا واسعًا، وتترك العمال، مهما علت مواقعهم الوظيفية، عُرضة للاستغلال من دون مساءلة حقيقية.
جاء هذا التحرُّك الحقوقي عقب رسالة بعث بها سبعة أعضاء ديموقراطيين في الكونغرس الأميركي إلى وزير الخارجية آنذاك أنتوني بلينكن في آب (أغسطس) 2024، دعوا فيها الإدارة الأميركية إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في إنهاء الاتجار بالبشر في السعودية وسائر دول الخليج. وطالب المشرّعون واشنطن باستخدام نفوذها للضغط من أجل إصلاح نظام الكفالة أو إلغائه بالكامل. وسلّطت الرسالة الضوء على قضية عبد المجيد بوصفها مثالًا صارخًا، مُشيرةً إلى أنَّ الانتهاكات التي تعرّضَ لها جاءت على يد شركة مملوكة فعليًا للدولة عبر صندوق الاستثمارات العامة. وكتب أعضاء الكونغرس: “لا يمكن تحقيق هدف إنهاء الاتجار بالبشر في منطقة الخليج من دون توفير حماية قانونية حقيقية، وتحقيق تقدم جوهري في المساواة بين الجنسين، وضمان حقوق العمال المهاجرين، وإصلاح نظام الكفالة أو إلغائه كليًا”.
غير أنَّ هذه الدعوات الحقوقية لم تجد صدى يُذكر على أعلى المستويات السياسية. فعندما التقى ولي العهد محمد بن سلمان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في تشرين الثاني (نوفمبر)، خلال أول زيارة له إلى واشنطن منذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018، بالغ ترامب في الإشادة بولي العهد، وقلّل من مسؤوليته عن الجريمة، في تناقض واضح مع خلاصات أجهزة الاستخبارات الأميركية. وردّ ترامب على سؤال بشأن عملية القتل بقوله: “تحدث أمور. لكنه لم يكن على علم بها، ولنكتفِ بهذا القدر”. وخلال اللقاء، ركّز ترامب على استعراض حجم الأموال التي تعهّد ولي العهد بإنفاقها في الولايات المتحدة، وهو رقم ضخم قُدّر بنحو تريليون دولار، بدا أقرب إلى خطاب دعائي يرضي الرئيس الأميركي منه إلى التزامات استثمارية واقعية. ولم يرد ملف العمالة المهاجرة أو الانتهاكات المرتبطة بها على جدول الأعمال، كما غاب هذا الموضوع كليًا عن أسئلة الصحافيين.
ومع ذلك، فإن ما تعرّض له عبد المجيد، ومساعيه المستمرة حتى اليوم لنيل العدالة، يختزلان واقعًا أوسع من الانتهاكات اليومية في السعودية، واقتصادًا يقوم إلى حدّ كبير على استغلال العمالة وإنكار حقوقها الأساسية. ويقول عبد المجيد، بنبرة تجمع بين المرارة والأمل: “كل ما أريده هو العدالة قبل أن أموت”.
- فريدريك ديكناتيل هو صحافي ومحرر وزميل في مؤسسة “سينشري إنترناشونال”، حيث يكتب عن شؤون الشرق الأوسط. وهو المحرر التنفيذي السابق لمجلة “الديموقراطية في المنفى”، وهي مجلة منظمة “الديموقراطية من أجل العالم العربي الآن” (DAWN)، وكان أيضًا المحرر الإداري السابق لمجلة “مراجعة السياسة العالمية” ومحرّرًا في مجلة “فورين أفّيرز” الأميركية.
- كُتِبَ هذا المقال يالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
