هنري زغيب*
لا تزال طرابلس تنهض من دمار الأَبنية التي انهارَت، وسحقَت مواطنين آمنين كانوا فيها. منهم من قضى بين أَشداق الجدران، ومنهم من نجح في سحبهم أَبطالُ الإِنقاذ من شبابنا الرائعين، فخرجوا بجراحٍ جسدية مُوَقَّتة، ولكنْ بجراحٍ من غضب طوال العمر.
لست هنا لأَلوم أَو أَتَّهم، فطرابلس منذ عقودٍ تئنُّ من إِهمالٍ في التعاطي معها، ومن بؤْسٍ في بعض أَهاليها. ولذا لم تُصْغ إِلى سياسيين تزاحموا بحميَّة الحكي عندما وقعت الكارثة قبل أيام، فانفلَتَت أَلسنتُهم بالـ”يجب” والـ”كان يجب أَن” والـ”لا بُدَّ من”، والمطالَبَة بالمحاسبة وتشكيل لجان تحقيق. وكل هذا اللغوُ السياسيُّ التافهُ لا يعزِّي يتامى فقدوا ذويهم، ولا جرحى منسحقي العافية على أَسرَّة المستشفيات.
أَفهم أَن المسؤُولين اليوم ليسوا جميعًا مسؤُولين عن الإِهمال المتراكم منذ عقود، لذا تبارَوا في إِلقاء التهم على المقصِّرين منذ عقود. لكن كلَّ هذا لا يُجدي إِن لم يتدارك المسؤُولون اليوم ما قد يحصل غدًا، فيوفِّروا الضحايا وينقذوا سكانًا عزَّلًا من الإِمكانات، كي لا يستيقظوا ذاتَ ليلة وهُم بين أَشداق الجدران الساحقة الماحقة.
الحُكْم الرشيدُ هو في الاستباق لا في الاستلحاق. فَلْيَسْتَبِقِ المسؤُولون اليوم أَخطارًا قد تُوْدي غدًا بأَبرياء، ولن ينفع أَن يستلحقوا غدًا ما يرمَّم أَو يعالَج حين تقعُ الكارثة، وتنفلشُ المأْساة فاجعةً على ذويها. المطلوب الاستباق مسبقًا لا الاستلحاق لاحقًا.
وأَستغرب سلوكَ مسؤُولين لا يقْدِرون طرابلس وعظمتَها في التاريخ، وهي المدينة المنارة بعُلَمائها ومعالمها وأَعلامها وعلاماتها. وهي المدينة الأُم لثلاث مدن. فذات حقْبة كان يجتمع فيها كل سنةٍ ملوكُ ثلاثِ مدن: صيدا وصور وأَرواد، يتداولون في شؤُون مدنهم وشعوبهم. لم يكن لتلك البقعة من الأَرض اسم. ومع الزمن، كان لا بد من تسمية تلك المدينة الجامعة. ولأَن اسم المدن عادة Polis، ورقم الثلاثة هو Tri، ولدَ اسم تلك المدينة، Tri Polis أي ملتقى المدن الثلاث صيدا وصور وأَرواد، فكانت مدينتُنا الغالية Tripolis، فكانت طرابلس أَول أُمم متَّحدة في التاريخ. فهل يعرف المسؤُولون اليوم هذه الحقيقة وينقلونها إِلى شعب طرابلس وشعب كل لبنان؟ وهل من يعرف تاريخ طرابلس العريق فيعمل للحفاظ عليها بشرًا وحجرًا كي تبقى طرابلس اليوم جديرة بطرابلس التاريخ؟
رب سائل: ما علاقة تاريخها بما يجري فيها اليوم من كوارث؟ العلاقة: ما يجب أَن يعيه المسؤُولون فيعملوا على معاملة أَهلها بمستوى تاريخها، لا بأَنها كومة أَصوات انتخابية يُحصُونها ببوانتاجاتهم كل أربع سنوات، ويُلْقمون مساكينها فتاتَ أَوراق نقدية كي ينتخبوهم، وبعد الانتخابات يعود المساكين إِلى بيوتهم المتصدِّعة يواجهون قدَرهم الفارغَ شَدقيه لهدم البيوت. لكنَّ في طرابلس شعبًا عريقًا مؤَصَّلًا لا يُخْتَصَر بمساكين المدينة الذين في حاجة إِلى فتات النقود لصندوقة الاقتراع. شعبُ طرابلس متنوِّرٌ أَصيل في تاريخه وجذور مدينته، فلا يتعاملنَّ معه السياسيون بفوقية ولا بإِهمال ولا بالإِشاحة عن عراقة شعب طرابلس.
حتى عبارة “العاصمة اللبنانية الثانية” لا تليق بطرابلس. فهي ليست ثانية، ولا أَقلَّ شأْنًا من العاصمة الأُولى كي تُوازى بها أَو بأَيِّ مدينة أُخرى. فطرابلس عراقة مستقلَّة لا تليق بها حتى تسمية “عاصمة الشَمال”، لأَنها منارةٌ لكل لبنان، ونورُ المنارة لا يَتَجَزَّأُ شَمالًا أَو جنوبًا بل يشِعُّ على كل لبنان. كل مدينة حضارية في لبنان منارة، لا يجوز تقزيمها إِلى تسمية تجزيئية. عظمةُ لبنان الضئيل الجغرافيا أَنَّ في ضآلة مساحته منائرَ مشعةً في التاريخ والحاضر، وإِشعاعها طافر على المستقبل. هكذا يجب التعامل مع طرابلس: أَن يعي مسؤُولوها اليوم أَهميتها بالأَمس فيغمُروها باهتمامهم ليستحقُّوا تاريخها الماضي وعراقة حاضرها، هي المدينة المنارة التي يكبُر بها لبنان، كلُّ لبنان، مدينةَ علْم وثقافة ومعالمَ دينيةٍ ودنيويةٍ منذ حقبات العصور.
عند وعي هذه الحقيقة، يصبح كلُّ بيت في طرابلس مسؤُولية مسؤُوليها، يهتمُّون به اهتمامهم بقصورهم ومراتعهم، حتى تبقى بيوتها على عراقةـ إِنما على متانة صيانة. وهذا لا يكون بالبكاء على الكارثة والتعازي اللفظية، بل بتدارك أَخطار الكارثة قبل أَن تفاجئ الأَهالي. فالحكم السليم هو في تبيُّن الخطر ومعالجتِه، وفي استدراك المشكلة قبل حدوثها، وفي الحفاظ على كل بيت كأَنه بيتُ مسؤُول في الحكم.
بذلك يأْمن الأَهالي إِخلاص مسؤوليهم، وَفْق القاعدة الذهبية بأَن الحكْم استباق لا استلحاق. وبهذه القاعدة الذهبية فَلْيَتَصَرَّف أَهل الحكْم في كل بقعة نُور على مساحة لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: www.henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
