فوق القانون: جيفري إِبستِين وتَحَالُفاتُ النُخبَة والجريمة المُنَظَّمة

البروفِسور بيار الخوري*

في قَلبِ أيِّ نظامٍ ديموقراطي راسخ، يقفُ مبدأُ المساواة أمام القانون بوصفه حجر الزاوية الذي تستندُ إليه شرعية الدولة. غير أنَّ هذا المبدأ يتعرّضُ لاهتزازاتٍ عميقة عندما تنجحُ فئةٌ نافذة في إحاطة نفسها بهالةٍ من الحصانة غير المُعلَنة، فتبدو وكأنها تقف “فوق القانون”. عند هذه النقطة، لا يعودُ الخللُ قانونيًا فحسب، بل يتحوّلُ إلى أزمةِ ثقة تَضرُبُ أساسَ العقد الاجتماعي، وتُعيدُ طرحَ سؤالٍ جوهري: هل العدالةُ حقٌّ عام أم امتيازٌ يُشتَرى؟

تُجسّدُ قضية رجل الأعمال والملياردير الأميركي جيفري إِبستين مثالًا صارخًا على هذا الإشكالِ البُنيوي. فالقضية، التي تفجّرت على نطاقٍ واسع عام 2019، لم تكشف فقط عن شبكةِ جرائم جنسية مُروِّعة بحقِّ قاصرات، بل سلّطت الضوء على منظومةِ علاقاتٍ مُعقّدة جمعت المال بالنفوذ السياسي والاجتماعي. وقد أظهرت التحقيقات كيفَ أتاحَ له موقعه المالي وصلاته الواسعة تأجيلَ المُساءلة سنوات طويلة، في ظلِّ تسوياتٍ قضائية مُخَفَّفة أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها.

لم تَكُن المسألة مُرتَبطة بشخصٍ واحد بقدرِ ما كانت مؤشّرًا إلى خللٍ أعمق في آلياتِ تطبيقِ العدالة. فحين تُتاحُ للثروة الضخمة القدرة على توظيفِ أفضل فِرَق الدفاع القانوني، والتأثير في مسارات التحقيق، وبناء شبكات حماية غير رسمية، تتراجَعُ فعالية المؤسّسات الرقابية، ويُصبحُ القانون قابلًا للتكييف وفق ميزان القوة. وهنا، يتبدّلُ دورُ العدالة من أداةٍ لضبط المجتمع إلى وسيلةٍ لحماية المصالح الطبقية العليا عبر التلاعُب بالمسارات القضائية لصالح الأقوياء.

لقد لعبَ المالُ والسلطة دورًا محوريًا في حماية إبستين، حيث مكّنته ثروته من بناءِ شبكةٍ مُعقَّدة من العلاقاتِ مع نُخَبٍ عالمية سياسية واقتصادية، لم تَكُن مجرَّدَ دائرةٍ اجتماعية، بل عملت كدرعٍ حصين وَفَّرَ له الحماية القانونية عبر “العدالة التعاقدية”. هذا النمطُ يُتيحُ للنُخَب استبدال العقوبات الجنائية بتسوياتٍ مالية وإجرائية سرّية، واتفاقيات عدم ملاحقة تهدف لتطويق الفضيحة بدلًا من تحقيق العدالة. إنَّ التوظيفَ المُمنهَج للنفوذ أثبت أنَّ القوانين قد تُصبِحُ مَرِنة أمام أصحاب الموارد الكافية لشرائها، مما يخلق نظامًا مُوازيًا يمنح حصانة غير مُعلنة لمَن يمتلك القدرة على “هندسة” القرار القضائي.

تاريخيًا، لم تكن حالة إبستين فريدة من نوعها، إذ شهدت الأنظمة الجمهورية منذ نشأتها محاولاتٍ مُتكرِّرة من النُخب لتجاوز القانون عبر ما يسمى “الاستيلاء على الدولة”. من فضائح روما القديمة وصولًا إلى قضايا الفساد الكبرى في القرن العشرين، نجدُ أنَّ النُخَبَ تستخدمُ دائمًا “الغموض القانوني” كدرع، وتستغل الثغرات الإجرائية لضمان الإفلات من العقاب. إنَّ استخدامَ السلطة لعرقلة العدالة يتجاوز الفعل الإجرامي الفردي، إلى استراتيجية بقاء للأنظمة الأوليغارشية التي تتخفّى خلف عباءة الجمهورية لتكريس سلطتها بعيدًا من الرقابة الشعبية، مُستغلّةً تكلفة التقاضي المرتفعة لضمان بقاء النخبة في مأمنٍ من العقوبات التي تُطَبَّقُ بصرامة على عامة الناس.

ويتجسّدُ هذا الخلل بشكلٍ تطبيقي في “المثلث المظلم” الذي يجمع بين جماعات المافيا ورجال المال والنخبة السياسية، حيث يتمُّ تقسيم الأدوار بدقة متناهية. تُوفّرُ المافيا أدوات الضغط العنيف والسيطرة الميدانية، بينما يُقدّمُ رجالُ المال الغطاء الشرعي وعمليات غسيل الأموال، وتمنح السلطة الغطاء القانوني والحصانة من الملاحقة. هذا التحالف يمتد إلى “تبييض الوجود”، حيث يتمُّ ضخُّ الأموال غير المشروعة في شراكاتٍ استثمارية ضخمة يُديرها رجالُ أعمال ذوو نفوذ، مما يُحوِّلُ رجل المال إلى “واجهة” تخترق المؤسسات التشريعية والسياسية لتأمين مصالح شركائه في الظل بعيدًا من أعين الرقابة.

تَكمُنُ خطورةُ صرف النفوذ في قدرته على تحييد المؤسّسات الرقابية من الداخل عبر آلية “الباب الدوّار”، حيث يتبادلُ المسؤولون الأدوار بين المناصب الحكومية والشركات الكبرى، مما يخلق تضاربًا في المصالح يمنعُ المحاسبة الجادة. القوانين في هذه الحالة تُصبِحُ كشباك العنكبوت التي تصطاد الضعفاء ويفلت منها الكبار بقوة نفوذهم المالي والسياسي. هذا النوع من الفساد الهيكلي يؤدي إلى تحويل الدولة إلى أداةٍ لخدمة “الأوليغارشية الإجرامية”، حيث يتمُّ استخدام الترهيب والترغيب لاختراق المنظومة العدلية وعزل القضاة النزهاء، مما يُفرِغُ النظام الجمهوري من محتواه الديموقراطي ويجعله واجهة لخدمة القوى العابرة للقانون.

يؤدي تجاوز القانون من قبل هذه التحالفات إلى تآكلٍ خطير في ثقة الجمهور بالمؤسّسات، مما يُنذِرُ بمرحلة “الانهيار المعياري” حيث يصبحُ الفساد هو القاعدة والنزاهة هي الاستثناء. عندما تفشلُ الدولة في إخضاع أباطرة المال والجريمة للقانون، فإنها تُرسِلُ رسالةً للمجتمع بأنَّ العقد الاجتماعي قد انفسخ فعليًا. هذا الشعور بالظلمِ المُمَنهَج هو الوقود الأساسي للاضطرابات الاجتماعية والتحوُّلات الراديكالية التي تسعى إلى هدم الأنظمة القائمة، مما يجعل استعادة هيبة سيادة القانون عبر استقلالية القضاء التامة ضرورة وجودية لاستقرار دولة الجمهوريات وحمايتها من التفكّك.

Exit mobile version