منذُ وقف إطلاق النار أواخر العام 2024، قدّمت واشنطن نفسها وسيطًا بين لبنان وإسرائيل، لكنها سرعان ما بدت طرفًا مُنحازًا لا ضامنًا للاتفاق. ومع تعاقب المبعوثين وتراكم الخروقات، انكشف الدور الأميركي كعامل تأزيم يهدد بإعادة فتح باب الحرب بدل إغلاقه.
مايكل يونغ*
في السابع من كانون الثاني (يناير)، تداولت الصحف اللبنانية روايةً إخبارية لافتة مفادها أنَّ مورغان أورتاغوس، مبعوثة الولايات المتحدة إلى لبنان، أبدت تردُّدًا في المشاركة بجلسةٍ عُقدت في ذلك اليوم ضمن ما يُعرف بـ”الآلية” (الميكانيزم)؛ وهي الإطار الخُماسي المُكلَّف بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المُوَقَّع بين لبنان وإسرائيل عام 2024. وبحسب ما نُقل، رأت أورتاغوس أنَّ هذه الاجتماعات باتت أقرب إلى حلقاتٍ مفرغة، تتكرَّرُ من دون أن تُسفِرَ عن أيِّ تقدُّمٍ ملموس.
وسواء صحََّ هذا الموقف المنسوب إليها أم لم يصحّ، فإنَّ ما لا لبس فيه هو تنامي نفاد الصبر الأميركي حيال البطء الشديد في مسار نزع سلاح “حزب الله” عبر مؤسسات الدولة اللبنانية. غير أنَّ هذا الواقع يفتحُ البابَ أمام سؤالين جوهريين: هل راهنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أيِّ مرحلة، على أن تكونَ هذه العملية سهلة وسلسة؟ وإذا كان الأمرُ كذلك، فماذا يكشف هذا الرهان عن مقاربتها وتعاطيها مع تعقيدات المشهد اللبناني؟
غالبًا ما تُقاسُ فعاليةُ أيِّ مسارٍ تفاوضي بقدرة الطرف الوسيط على فَهمِ تعقيدات النزاع وإدارة توازناته. ففي تجارب سابقة، لعب وسطاءٌ أميركيون أدوارًا حاسمة؛ إذ شكّل الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ركيزةً أساسية في إنجاز اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، كما اضطلع الديبلوماسي الراحل ريتشارد هولبروك بدورٍ محوري في التمهيد لاتفاقية “دايتون” التي وضعت حدًا للحرب في البوسنة.
في المقابل، تبدو كفاءة الوسطاء الأميركيين في الحالة اللبنانية مَوضِعَ تشكيكٍ واسع. فرُغمَ ما يُنسَبُ إلى أورتاغوس من ذكاءٍ وحيوية، لا توحي سيرتها بخبرةٍ عميقة في مفاوضات الشرق الأوسط المُعقّدة. وقد جاء ظهورها الأول في لبنان مُثقَلًا بزلّةٍ سياسية جسيمة، حين عبّرت عن امتنانها لإسرائيل على ما وصفته بـ”هزيمة حزب الله”، مُتجاهِلةً واقعًا لا يمكن القفز فوقه، وهو سقوطُ أكثر من 2700 قتيل لبناني جرّاء العمليات الإسرائيلية.
وسرعان ما تبيَّنَ أنَّ مقاربة أورتاغوس لم تكن قائمة على البحث عن تسويةٍ وسطية لكيفية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المُوقَّع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، بقدر ما انصَرَفَت إلى محاولة فرض الشروط الأميركية–الإسرائيلية على الطرف اللبناني الأضعف. وقد واظبت على هذا النهج بلا مُوارَبة، وإذا كانت تبدو اليوم مستعجلة ومتوتِّرة، فذلك يعود أساسًا إلى رفض لبنان الانخراط في مواجهةٍ داخلية مع “حزب الله” خدمةً للأجندة الأميركية والإسرائيلية.
ومع ذلك، سيكون من التبسيط المُخِلّ تحميل مورغان أورتاغوس وحدها مسؤولية هذا المسار المُرتبك. فالوسيط الأميركي خلال جولة النزاع في العام 2024، آموس هوكستين، الذي عيّنه الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن، يتحمّل بدوره قدرًا وافرًا من الانتقادات. ففي إطار السعي الأميركي المحموم لمنح إسرائيل أفضلية حاسمة في اتفاق وقف إطلاق النار، أدار هوكستين مفاوضات على مسارَين متوازيين: أحدهما أفضى إلى نصّ الاتفاق المُعلَن، فيما خُصِّصَ الآخر لإنتاجِ ملحقٍ جانبي يمنح إسرائيل امتيازاتٍ إضافية.
وما جعلَ هذه المناورة مثار استهجان واسع هو أنَّ ذلك الملحق وفّر لإسرائيل أداة جاهزة لتقويض الاتفاق من أساسه. فقد منحها حق القيام بعملٍ عسكري أحادي ضد ما تعتبره “تهديدات” صادرة عن “حزب الله” في جنوب لبنان، في حين أُحيلت التهديدات المفترضة خارج تلك المنطقة إلى الجيش اللبناني، بما يكرّس عمليًا ازدواجية في المعايير ويُفرغ مبدأ وقف إطلاق النار من مضمونه المُتوازِن.
ومنذ توقيع الاتفاق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، سجّلت إسرائيل أكثر من عشرة آلاف خرق له، أسفرت عن مقتل ما يزيد على 335 شخصًا وإصابة نحو 970 آخرين، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وبذلك، بدا أنَّ الولايات المتحدة فرضت وقف إطلاق النار على طرفٍ واحد، فيما غضّت الطرف بشكلٍ منهجي عن انتهاكاتِ الطرف الآخر.
وبموجب الاتفاق، كان يُفتَرَضُ أن تنسحبَ إسرائيل من الأراضي اللبنانية في أواخر كانون الثاني (يناير) من العام الماضي. غير أنَّ هذا الاستحقاق تمَّ تجاهله، ما دفع لبنان و”حزب الله” إلى القبول بموعدٍ بديل في 18 شباط (فبراير). ولمّا تجاهلت إسرائيل هذا الموعد بدورها، لم تُقدِم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أيِّ خطوةٍ تُذكَر. وربما، كما في حالة أورتاغوس، كان الامتنان لإسرائيل طاغيًا إلى حدٍّ جعل مسألة احترام الاتفاقات الدولية تفصيلًا ثانويًا.
لفترةٍ من الزمن، سادَ انطباعٌ بأنَّ مورغان أورتاغوس في طريقها إلى الاستبدال بسفير إدارة ترامب لدى تركيا ومبعوثها الخاص إلى سوريا، توم برّاك. وبحكم أصوله اللبنانية، تولّد لدى بعض الأوساط اعتقادٌ بأنه قد يُظهِرُ قدرًا أكبر من المرونة والحساسية في تعاطيه مع الملف اللبناني. غير أنَّ الوقائع سرعان ما بدّدت هذه التوقُّعات، إذ تبيّنَ أنَّ أداءه لم يكن أفضل من أداء أورتاغوس، بل انتهى به الأمر معزولًا سياسيًا، سواء في إسرائيل أو في بيروت.
وقد بلغت مُقاربة برّاك الديبلوماسية ذروةَ إخفاقها في آب (أغسطس) من العام الماضي. ففي خطوةٍ اعتبرها إنجازًا شخصيًا، نجح قبيل توجهه إلى إسرائيل في انتزاعِ موافقةٍ رسمية من الحكومة اللبنانية على خطةٍ لنزع السلاح تشمل “حزب الله”. وكان تقديره أنَّ إقدامَ لبنان على هذه الخطوة النوعية سيفتح له باب الضغط على الإسرائيليين لدفعهم إلى تقديم تنازلات مقابلة، كخفض وتيرة هجماتهم والانسحاب من بعض المناطق اللبنانية التي ما زالوا يحتلونها، بما من شأنه تعزيز موقع الدولة اللبنانية في أيِّ حوارٍ لاحق مع “حزب الله” حول مسألة السلاح.
وقبيل سفره، عبّرَ برّاك عن تفاؤلٍ واضح، مُعلنًا أنَّ “الحكومة اللبنانية قامت بما عليها، وما نحتاجه الآن هو أن تفي إسرائيل بالتزاماتها في هذا الاتفاق المتكافئ”. غير أنَّ عودته إلى بيروت حملت اعترافًا صريحًا بفشل رهانه، إذ أقرّ بأنَّ إسرائيل رفضت اتخاذَ أيِّ خطوةٍ إيجابية في المقابل، وهو ما عجّل عمليًا بنهاية دوره كمبعوثٍ مَعني بالملفِّ اللبناني.
ولم يكن ذلك مجرَّدَ تعثُّرٍ عابر، بل كشف حدود نفوذ برّاك، إن لم يكن انعدامه، على إسرائيل، كما أظهر افتقاره إلى غطاءٍ فعلي من البيت الأبيض، على الرُغم من علاقته المُعلنة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي موازاة ذلك، تعرّضَ لهجومٍ حاد من شخصياتٍ نافذة مُؤيِّدة لإسرائيل في واشنطن، استاءت من إشارته إلى استعداده للتعامل مع إيران و”حزب الله” ومحاولة مواءمتهما ضمن مقاربةٍ سياسية أوسع. وفي المحصّلة، عكست هذه الحلقة مرة أخرى حقيقة أنَّ الولايات المتحدة تفتقرُ إلى سياسةٍ متماسكة تجاه لبنان، ولا تكاد تُتقِنُ سوى لغة الإملاءات.
بعد ذلك، عادت مورغان أورتاغوس إلى بيروت، لكن من دون أن تحملَ معها أيَّ مقاربةٍ جديدة قادرة على اختراق جدار الجمود القائم. فالولايات المتحدة لا تُمارِسُ أيَّ ضغطٍ جدي على إسرائيل للالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي كانت هي نفسها أحد مهندسيه، بل تذهب، في مفارقةٍ تكاد تكون صادمة، إلى محاولة استحداثِ مسارٍ يقودُ إلى تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل. وبصيغةٍ أكثر مباشرة، يُطلَبُ من اللبنانيين القبول بتطبيع العلاقة مع دولةٍ لا تزالُ تحتلُّ جُزءًا من أراضيهم وتُواصِلُ قتل مواطنيهم، وكأن هذه الوقائع يمكن تجاوزها بخطابٍ ديبلوماسي أو ضغطٍ سياسي.
وطالما واصلت واشنطن لعب دور الوسيط المُنحاز، فإنَّ فُرَصَ تحقيق أيٍّ من أهدافها ستبقى محدودة، إن لم تكن معدومة. قد يخدم هذا الواقع المصالح الإسرائيلية، إذ تفضّل تل أبيب إدارة علاقتها مع لبنان من موقع القوة ومن دون وساطة أميركية مُحرِِجة، في حين خسر اللبنانيون، إلى حدّ بعيد، ما تبقّى من ثقتهم بالدور الأميركي. وفي ظلِّ هذا الانسداد، تلوحُ في الأفق احتمالاتُ تجدُّد المواجهة العسكرية خلال هذا العام، ما لم تطرأ تحوُّلاتٌ كبرى، ولا سيما على صلة بتطوُّرات إيران، من شأنها أن تدفع “حزب الله” إلى إعادة حساباته بصورةٍ جذرية.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
