بين حافَةِ الهاوية ومَنطِقِ الصمود: لماذا لا تُجدي سياسةُ الضغط الأميركية مع إيران

تتصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران في لحظةٍ إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع حسابات بقاءٍ معقّدة داخل النظام الإيراني. غير أنَّ الرهان على الإكراه وحده قد يصطدم ببنية صلبة ترى في التنازل تهديدًا وجوديًا لا ورقة تفاوضية.

دونالد ترامب وعلي خامنئي ومسعود بزشكيان: الأول يريد استسلام الاثنين لما يريده والأخيرين يرفضان ذلك تحت الضغط.

ندى بُلورشي*

تجد الولايات المتحدة نفسها مرةً أخرى على حافة مواجهة مفتوحة مع إيران. فمع تصاعد التوتر، حشد الرئيس دونالد ترامب قوةً عسكريةً كبيرة في الشرق الأوسط ومحيطه، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان الاستعدادات التي سبقت غزو العراق عام 2003. هذا الانتشار الواسع لا يقتصر على استعراض القوة، بل يحمل في طيّاته رسائل ردعٍ واضحة، حتى وإن ظلَّ الهدفُ النهائي غير مُعلن بشكلٍ قاطع.

وكما درجت عادته، أبقى ترامب خصومه وحلفاءه على السواء في حال ترقّب. فهو لم يُغلِق باب التفاوض مع طهران، بل سمح باستمراره، في الوقت الذي لوّح علنًا بإمكانية إصدار أمرٍ بتنفيذ ضربة عسكرية محدودة، يُراد منها—بحسب خطابه—تعزيز أوراق الضغط وانتزاع تنازلات إضافية من النظام الإيراني. غير أنَّ حجم الحشد العسكري ونوعيته يوحيان بأنَّ الخيارات المطروحة قد تتجاوز مجرّد ضربةٍ رمزية، لتشمل استعدادًا لصراعٍ أوسع وأطول أمدًا إذا اقتضت الحسابات ذلك.

في جوهره، يعكس التصعيدُ الراهن تصادُمًا بين مَنطِقَين استراتيجيين يصعب التوفيق بينهما. فمن جهة، يعتمد ترامب ما يُعرف بـ”نظرية الرجل المجنون”، وهي مقاربة تقوم على إظهار قدرٍ عالٍ من عدم القدرة على التنبؤ، ودفع الخصم إلى القبول بتسوية تحت وطأة الخشية من خطوة مفاجئة. ومن جهة أخرى، تستند طهران إلى استراتيجيةٍ راسخة قوامها الصمود طويل النفس، وامتصاص الضغوط، وتوظيف خطاب “المقاومة” لتعزيز الشرعية الداخلية وتحصين الموقف التفاوضي. هكذا يتقابل تصعيدٌ ارتجالي قائم على الإكراه مع تعنّتٍ مؤسّسي مُتجذّر في بُنية النظام الإيراني، ما يُفسّرُ كيف يؤدّي كل تصعيد جديد إلى مزيدٍ من التصلّب بدل فتح نافذةٍ للحل.

وليس هذا النمط وليد اللحظة. فمنذ العام 1979، تذبذبت السياسة الأميركية تجاه إيران بين مسارَين مُتوازيين: التهديد والديبلوماسية. تعاقبت الإدارات الأميركية على اعتماد صيغةٍ مزدوجة تجمع بين العقوبات والمفاوضات، والضغط والحوار، في ما يمكن وصفه بالديبلوماسية القسرية كخيارٍ افتراضي لواشنطن—حتى وإن اختلفت الأدوات والتكتيكات باختلاف الرؤساء والسياقات.

في عهد دونالد ترامب، بلغ هذا التقليد الأميركي ذروته الأكثر حدّة: خطابٌ ناري، وسلوكٌ متعمَّد في عدم القدرة على التنبؤ، وتصعيدٌ يُدار أحيانًا بمنطق الاستعراض بقدر ما يُدار بمنطق الردع. وتكتسب هذه المقاربة أهميةً مضاعفة اليوم، مع عودة واشنطن إلى توظيف الديبلوماسية القسرية في لحظةٍ إقليمية شديدة الهشاشة. فالمؤشّرات توحي بأنَّ التهديدات العلنية والتحرّكات العسكرية تهدف أساسًا إلى فرض قيودٍ أشد على البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وكذلك على شبكات الأذرع والحلفاء التي تدعمها طهران في المنطقة، أكثر مما تهدف إلى الدفع بأجندة ديموقراطية أو حقوقية.

غير أنَّ الفجوة بين الحسابات الأميركية والواقع الإيراني تبدو أوسع مما تفترضه واشنطن. فقد نُقل عن ترامب إبداؤه “فضولًا” إزاء عدم استسلام طهران أمام الحشد العسكري الأميركي. ويكشف هذا التساؤل، في حد ذاته، الافتراض الضمني الذي تقوم عليه سياسة حافة الهاوية: أنَّ تراكُمَ الضغط سيُتَرجَم تلقائيًا إلى مرونة على طاولة المفاوضات. لكن الجمهورية الإسلامية، بحُكمِ بُنيتها الإيديولوجية وتجربتها التاريخية، تُصِرُّ على تجنّب أيِّ مظهرٍ للاستسلام تحت الإكراه العلني، مُفضّلةً امتصاص الضغوط على تقديم تنازلاتٍ تُفهَم كخضوع.

تكمنُ المُعضِلة في أنَّ كثيرًا من أدوات الضغط الأميركية يستندُ إلى قراءةٍ قاصرة لطبيعة النظام الإيراني. فالرهان على أنَّ الإكراه، إذا بلغ مستوىً كافيًا، سيدفع طهران إلى الليونة، يتجاهل حساسيةً تاريخيةً عميقة تجاه التدخلات الأجنبية. ففي السياق الإيراني، يُعاد تأطير الضغط الخارجي بوصفه دليلًا إضافيًا على “استهداف” الدولة، ما يُعزّزُ عقلية الحصار ويُقوّي مواقع التيارات الأكثر تشدُّدًا، ويُضيِّق بالتالي هامش المناورة أمام أيِّ مقاربة براغماتية.

هنا يتبلور جوهر الصدام: التصعيد الأميركي يهدف إلى فرض التنازل، فيما تستند الاستراتيجية الإيرانية إلى منع حدوثه تحت الضغط. وبما أنَّ “المقاومة” جُزءٌ مُكوَّن من هوية النظام وخطابه، فإنَّ أيَّ تراجعٍ ظاهر قد يُفسَّرُ داخليًا كعلامة ضعف، سواء لدى النخب أو الرأي العام. لذلك، إن حصلت تنازلات، فلا بدَّ أن تُقدَّم باعتبارها خيارًا سياديًا مدروسًا، لا رضوخًا لإملاءاتٍ خارجية.

نهجُ ترامب لا يبدو مُتَّسقًا مع هذه الدينامية. فغريزته التفاوضية —التي ظهرت بوضوح في مسيرته التجارية— تقوم على رفع سقف المخاطر، وزيادة منسوب الغموض، ودفع الخصم إلى التراجع تحت وطأة عدم اليقين. إنها آلية حافة الهاوية في أنقى صورها. غير أنَّ تطبيقها على نظامٍ يعتبر الصمود فضيلةً استراتيجية، لا يُنتِجُ انكسارًا بقدر ما يُنتِجُ تصلُّبًا إضافيًا. وبدل أن يفضي منطق أحد الطرفين إلى إضعاف الآخر، يتكفّلُ كلٌّ منهما بتغذية منطق خصمه وتعزيزه.

المجنون في مواجهة عدّاء الماراثون

غالبًا ما يُقرَأ سلوك ترامب من خلال عدسة ما يُعرف بـ”نظرية الرجل المجنون”، وهي المقاربة التي ارتبطت باسم ريتشارد نيكسون خلال الحرب الباردة. تقوم الفكرة على افتراضٍ بسيط وخطِر في آنٍ معًا: إذا اقتنع الخصم بأنَّ الزعيم المقابل قد يُقدِمُ على خطوةٍ متطرّفة أو غير عقلانية أو غير مُقيّدة، فإنه سيُفضّل تقديم تنازلاتٍ استباقية لتفادي الأسوَإِ. وعند إسقاط هذه النظرية على الحالة الإيرانية، يصبح المنطق واضحًا: كلما أظهرت واشنطن قدرًا أكبر من عدم القدرة على التنبؤ، وكلما لوّحت بخياراتٍ عسكرية، ولو  محدودة، ازدادت فرص دفع طهران إلى مرونةٍ تفاوضية.

في هذا السياق، تتحول “اللايقينية” إلى أداة ضغط بحد ذاتها. لكن فعالية هذه الأداة مشروطة بطبيعة الطرف المقابل: هل هو مُهيَّأ للانحناء تحت الضغط، أم للاستيعاب والمراوحة؟ من هنا، لا يكمن السؤال الحاسم في ما إذا كان التصعيد قد يُفضي إلى انهيار، بل في ما إذا كان يُنتِجُ تنازلاتٍ قابلة للتحقق. وهنا تحديدًا تتبدّى أهمية ما يمكن تسميته “بُنية الصمود” في الجمهورية الإسلامية.

فإيران ليست دولةً تُدارُ بمنطقٍ تكنوقراطي بحت، حيث تُوزن الكلفة والعائد في معادلاتٍ باردة. إنها نظامٌ أمني الطابع، تتداخل فيه الإيديولوجيا مع حسابات البقاء. في هذا الإطار، لا تُفهم التنازلات التي تأتي استجابةً لإكراهٍ خارجي بوصفها تعديلاتٍ براغماتية في السياسة، بل تُقرَأُ كإشارات ضعفٍ وجودي قد تُهدّد تماسك النظام ذاته.

ويتجلّى ذلك بوضوح في موقع الحرس الثوري الإسلامي داخل بنية الدولة. ففي الخطاب الغربي، يُختزل غالبًا في كونه مؤسسةً عسكرية، لكنه في الواقع يشكّل عمودًا فقريًا للنظام السياسي والاقتصادي. تأسّسَ عام 1979 لحماية الثورة من خصومها في الداخل والخارج، وترسّخت مكانته خلال الحرب العراقية–الإيرانية، قبل أن يتحوّلَ إلى مركز قوةٍ موازٍ يتمتع بنفوذٍ واسع داخل الأجهزة الأمنية والقطاعات الاستراتيجية والاقتصاد الوطني. وتمثل قيادته العليا جيلًا صاغته الحرب والعقوبات وعقود المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما جعل ثقافة “المقاومة” جُزءًا من هويته المؤسّسية.

ومن هذا المنظور، لا تُختَزَلُ القدرات الاستراتيجية لإيران في الصواريخ الباليستية أو في العتبة النووية المحتملة، بل تمتد إلى شبكات الحلفاء والوكلاء الإقليميين، وأدوات الحرب غير المتكافئة، والقدرة على نقل الصراع إلى ما وراء الحدود. هذه الأدوات ليست مجرد أوراق تفاوض، بل عناصر تأسيسية في توازن القوة الذي يستند إليه نفوذ الحرس الثوري داخليًا وخارجيًا. لذلك، فإن أيَّ تنازلٍ يُفضي إلى تقليصها بصورةٍ واضحة قد يُفسَّرُ داخل النظام لا كمرونةٍ تكتيكية، بل كتراجُعٍ استراتيجي يمسُّ جوهر الهوية والشرعية.

هذا التشدّد، مع ذلك، ليس مُطلقًا أو غير قابل للاختراق. فقد أظهرت طهران قدرًا من المرونة حين أُتيح لها أن تُعيدَ تأطير التسوية داخليًا بوصفها ثمرة “صبرٍ استراتيجي” لا نتيجة خضوع. ويُجسّد اتفاق العام 2015، المعروف رسميًا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، هذا الشرط بدقة. إذ لم تقبل إيران القيود التقنية المفروضة على برنامجها النووي إلّا بعدما ضمنت اعترافًا صريحًا بحقها السيادي في تخصيب اليورانيوم، وحافظت على جوهر بُنيتها التحتية التكنولوجية. وفي الخطاب الداخلي، لم يُقَدَّم الاتفاق على أنه استسلامٌ للعقوبات، بل كوقفةٍ محسوبة تحمي السيادة وتُبقي القدرة الردعية قائمة في المدى البعيد.

هذا الفارق في السردية ليس تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا حاسمًا في فهم سلوك النظام. فالاتفاق لم يفرض تفكيكًا شاملًا للأدوات الردعية، بل أتاح للقيادة الإيرانية الادعاء بأنَّ نهجَ “المقاومة” هو الذي أجبر المجتمع الدولي على الاعتراف بحقوق إيران. هكذا أُطّرت التنازُلات باعتبارها تعديلًا تكتيكيًا تحت الضغط، لا تراجُعًا إيديولوجيًا يمسُّ جوهر الهوية السياسية للنظام. لكن حين يتّخذ الإكراه طابعًا تصعيديًا صريحًا —مصحوبًا بتهديدات عسكرية أو بإشاراتٍ إلى إضعاف النظام ذاته— يضيق المجال المتاح لهذا النوع من السرديات إلى حدٍ كبير، ويصبح تمرير أي تنازل داخليًا أكثر صعوبة.

مغالطة انشقاق النُخَب

في واشنطن، يتكرّرُ الرهان على احتمال انشقاق النُخَب أو تفكك الائتلاف الحاكم من الداخل تحت وطأة الضغط. غير أنَّ هذا التصوُّرَ يُغفِلُ منطق التماسُك الداخلي للجمهورية الإسلامية. فصحيح أنَّ النظامَ يشهد تنافسات فصائلية، لكنه يقوم أيضًا على شبكة مصالح متداخلة، يُوحّدها —إلى جانب التهديدات الخارجية— إدراكٌ مشترك لحجم المخاطر في حال الانهيار. كثيرون من كبار الفاعلين مُتورِّطون في منظومات قمع، وانتهاكات، وشبهات فساد، والتحايل على العقوبات، وأنشطة إقليمية مثيرة للجدل. بالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني الانشقاق انتقالًا هادئًا إلى حياةٍ آمنة في الخارج، بل احتمال مصادرة أصول، وملاحقات قانونية، وعزلة دولية، وربما مخاطر أمنية مباشرة.

وعلى خلاف تجاربٍ شهدتها دول مثل تونس أو مصر، لا تملك النخبة الإيرانية خيارات خروج موثوقة أو مسارات إعادة تموضع مضمونة. فالعقوبات والعزلة تُقيّدان حرية الحركة، وتكشفان الأصول، وتُصعّبان إعادة تأهيل السمعة. وحتى السيناريو النظري باللجوء إلى دولةٍ حليفة كروسيا —كما حدث مع عائلة الأسد في سوريا— لا يُسقط بسهولة على الحالة الإيرانية. فالجمهورية الإسلامية ليست نظامًا عائليًا يمكن اقتلاعه كوحدةٍ واحدة، بل منظومة مؤسساتية كثيفة تضم مرجعيات دينية، وقيادات أمنية، ومصالح اقتصادية متشابكة، من دون راعٍ خارجي واضح قادر على استيعاب هذه الشبكة برمّتها.

لهذا، تبدو كلفة البقاء داخل النظام —حتى في ظلِّ الضغوط— أقل مخاطرةً من المجهول الذي قد ينتظر خارجه. ومن منظور كثير من النخب العليا، قد تبدو مخاطر الاستسلام السياسي أشد وطأةً من مخاطر المواجهة العسكرية المحدودة. وهكذا، بدل أن يُضعف الضغط الخارجي التماسك الداخلي، قد يُفضي على نحوٍ متناقض إلى نتيجة معاكسة: كلما اشتدّ الإكراه، ازداد التلاحم داخل النظام.

يُفاقم التحرُّك الأوروبي الأخير —المُتمثّل في تصنيف الحرس الثوري الإسلامي كمنظمة إرهابية، والاستعداد لتوسيع العقوبات المفروضة عليه— من دينامية الانغلاق داخل النخبة الإيرانية. فعدد غير قليل من الشخصيات المرتبطة بالحرس الثوري أو بدوائر الحكم يحتفظ بعلاقات شخصية ومالية في أوروبا، ويعتمد على فضائها كمُتنفَّسٍ محتمل في حال تغيّر موازين القوى. ومع تشديد القيود، يتقلّصُ هذا المتنفس. وهكذا، بدل أن تُضعِفَ العقوبات الروابط بين هذه النخب والنظام، قد تُغلق أمامها “خيار الخروج الهادئ”، فتدفعها إلى مزيدٍ من الارتهان للبنية التي تحميها في الداخل.

ولا يقتصر الأمر على تضاؤل فرص المنفى؛ إذ يغيب كذلك أيُّ مسارٍ سياسي مُنظَّم يتيح تفككًا تدريجيًا للنظام. ففي تجارب أخرى لانهيار أنظمة استبدادية، أُتيحت للنخب مسارات انتقالٍ أقل كلفة: اتفاقيات عفو، وضمانات أمنية خارجية، وأطر عدالة انتقالية تسمح بإعادة إدماجٍ مشروط. في تشيلي وأجزاء من أميركا الوسطى، على سبيل المثال، ضمنت ترتيبات الخروج المُتَفاوَض عليها حمايةً نسبية لبعض القادة العسكريين من الملاحقة الفورية. وفي بلدان أوروبا الشرقية بعد الشيوعية، أُدمجت قطاعات من الأحزاب الحاكمة السابقة في أنظمةٍ سياسية جديدة وفق شروطٍ تفاوضية. هذه الصيغ خفّضت الكلفة الشخصية للانشقاق، وجعلت خيار الابتعاد عن السلطة أقل خطورة.

لا يتوافر إطارٌ مماثل في الحالة الإيرانية. صحيح أنَّ بعضَ شخصيات المعارضة ودعاة العدالة الانتقالية طرحَ أفكارًا تسمح لعناصر من الرتب الدنيا في الحرس الثوري أو لرجال دين بالبقاء ضمن مؤسسات الدولة في حال انتقالٍ سياسي مستقبلي، لكن هذه التصوُّرات تترك مصير كبار صانعي القرار —المتورّطين بعمق في القمع أو في سياساتٍ إقليمية مثيرة للجدل— من دون ضمانات واضحة. بالنسبة إلى هذه الشريحة العليا، فإنَّ غياب عفوٍ موثوق أو ضماناتٍ أمنية مدعومة دوليًا يجعل فكرة التفكك أقرب إلى مقامرةٍ وجودية. وفي ظلِّ غيابٍ ضامنٍ خارجي أو مسار إعادة إدماجٍ متفاوض عليه، يبدو توحيد الصفوف داخل النظام الخيار الأكثر أمانًا.

إلى جانب ذلك، تظل الجمهورية الإسلامية مشروعًا ثوريًا في جوهرها. فمؤسّساتها المحورية —وفي مقدمها الحرس الثوري وشبكات رجال الدين الكبار— تتحرّك ضمن رؤيةٍ إيديولوجية تعتبر نفسها حاميةً لنظامٍ ذي شرعيةٍ دينية. حتى مع تراجع الرصيد الشعبي في بعض المراحل، يواصل كثير من الفاعلين الأساسيين الاعتقاد بأنهم يدافعون عن الثورة، وعن هويةٍ دينية، وعن سيادةٍ وطنية، وعن سردية مقاومة ذات بُعدٍ رمزي عميق.

من هنا، فإنَّ تماسك النخبة الإيرانية ليس نتاج ضغطٍ خارجي فحسب، بل هو حصيلة بنيةٍ داخلية متشابكة: نخبٌ محاصَرة ماديًا بالعقوبات، ومُقيّدة قانونيًا بإمكاناتٍ محدودة للحركة، ومُندَمِجة مؤسّسيًا في شبكة مصالح يصعب تفكيكها، ومدفوعة في الوقت ذاته بقناعةٍ راسخة بمشروعية مهمتها. إنهم يتماسكـون لأن مشروعهم يقوم على الصمود—ولأن البديل، في نظرهم، أشد خطورة من المواجهة نفسها.

الأمر ليس مقتصرًا على الاقتصاد

يتزامن الحشد العسكري الأميركي الراهن مع أزمةٍ اقتصادية خانقة تضرب إيران في العمق. فقد أشعل التضخّم المُتسارِع، وانهيار العملة، واستشراء الفساد موجاتٍ متكررة من الاحتجاجات، تحوّلت في أكثر من محطة إلى انتفاضاتٍ شعبية قوبلت بقمعٍ عنيف. وبات هذا النمط دوريًا في حياة الجمهورية الإسلامية: ضغوطٌ معيشية تتراكم، احتجاجاتٌ تتصاعد، ثم قبضة أمنية تُعيدُ فرضَ السيطرة. في ظلِّ هذا المشهد، يبرز سؤال بديهي: إذا كان جُزءٌ واسع من الإيرانيين يرى في الديبلوماسية النووية بوابةً محتملة للتعافي الاقتصادي، فلماذا لا تُقدم طهران على تنازلٍ محسوب يعزز شرعيتها الداخلية ويخفف الاحتقان؟

من منظور المواطن العادي، قد يبدو الجواب بسيطًا. فخفض العزلة الدولية قد يعني تراجع التضخم، وتحسُّن تدفُّق السلع والأدوية، وجذب استثماراتٍ أجنبية تفتح آفاق عملٍ وفرص حياةٍ أقل قسوة. أي أنه قد يتيح الانتقال من اقتصاد الندرة إلى اقتصادٍ أكثر استقرارًا. غير أنَّ منطقَ النظام مختلف. فالجمهورية الإسلامية بُنيت أساسًا لضمان البقاء والاستمرارية، لا لتعظيم الرفاه الاقتصادي. ومن ثم، فإنَّ التنازلات الجوهرية لا تُقرَأ داخل دوائر الحكم كتعديلاتٍ في السياسات الاقتصادية، بل كمساسٍ بالركائز الإيديولوجية والمؤسّسية التي يستند إليها النظام—أي كتنازلاتٍ ذات طابع وجودي.

ثمّة ثلاثة قيود رئيسة تجعل الإقدام على تنازلاتٍ كبرى محفوفًا بالمخاطر السياسية. أولًا، أي تنازل لا يُقابَلُ بتخفيفٍ ملموس للعقوبات ولا يمكن إدراجه ضمن سردية “التحدي السيادي”، يُهدّد بالظهور كخروجٍ عن المبادئ المؤسسة. فالبرنامج النووي لم يَعُد مجرّد ملفٍّ تقني، بل أصبح عنصرًا رمزيًا في هوية النظام بوصفه مقاومًا للهيمنة الغربية. خلال مفاوضات العام 2015، أصرّت طهران على تثبيت حقها في تخصيب اليورانيوم تحديدًا لتفادي صورة التراجع عن مبدإٍ سيادي. وأي خطوة لا يمكن تسويقها داخليًا كخيارٍ وطني مستقل، تُخاطر بأن تُفهَمَ كتراجُعٍ مفروض من الخارج.

ثانيًا، تُعدّ الصواريخ ركيزة قوةٍ مؤسّسية بامتياز. فصدمة الحرب العراقية–الإيرانية، ولا سيما استهداف المدن الإيرانية بالصواريخ، رسّخت قناعةً عميقة بأنَّ الضعف الاستراتيجي قد يفضي إلى الفناء. ومنذ ذلك الحين، تتعامل المؤسسات الأساسية —وفي مقدمها الحرس الثوري الإسلامي والشبكات الدينية العليا— مع برنامج الصواريخ الباليستية لا كسلاحٍ تقليدي فحسب، بل كضمانةٍ وجودية لأمن النظام. فهو يشكّل جُزءًا من معادلة ردعٍ إقليمية تمزج بين النفوذ القسري وشبكات الحلفاء ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، كما إنه متجذّر في هوية الحرس الثوري ونفوذه داخل بنية الدولة. ومن ثم، فإنَّ المساس به لا يُقاس بكلفةٍ عسكرية فحسب، بل بكلفةٍ سياسية ومؤسسية تمسّ توازنات القوة داخل النظام نفسه.

وعلى خلاف الملف النووي —الذي يمكن تجميده أو تقييده مرحليًا مع الحفاظ على حق التخصيب والبنية التحتية التقنية— فإنَّ فرضَ قيودٍ جوهرية على برنامج الصواريخ سيُقرَأ داخليًا باعتباره تراجُعًا استراتيجيًا أقرب إلى نزع سلاحٍ قسري منه إلى تسويةٍ ديبلوماسية. فالمسألة هنا لا تتعلّق بتعديلٍ في السياسة، بل بإعادة توزيعٍ لموازين القوة داخل النظام. إذ إنَّ أيَّ مساسٍ ملموس بالقدرات الصاروخية سيُضعِفُ موقع الحرس الثوري الإسلامي ونفوذه الردعي، وهو نفوذٌ يُعَدُّ في صلب معادلة بقاء الجمهورية الإسلامية. وإذا تحوّل تفكيك هذه القدرات إلى محور الضغط الأميركي، فمن المرجح أن ترى طهران في ذلك محاولةً لإضعاف النظام نفسه، لا بندًا تفاوضيًا قابلًا للأخذ والرد.

أما القيد الثالث فيكمن في ما يُسميه بعض علماء السياسة “فخ الردع”. فالقادة الإيرانيون يعتقدون —وغالبًا ما يستندون إلى سوابق تاريخية لتبرير اعتقادهم— أنَّ الضغوط الأميركية لا تستهدف فقط أجهزة الطرد المركزي أو مدى الصواريخ، بل تسعى في المدى الأبعد إلى تقويض النظام برمته. وكلما ازداد الشعور بأنَّ التهديد وجودي، تقلّص الهامش المُتاح لتقديم تنازلات، لأنَّ أيَّ خطوة إلى الوراء قد تُفسَّر كبداية انزلاقٍ لا يمكن ضبطه.

من زاوية النظام، تبدو الاحتجاجات الشعبية، رُغمَ خطورتها، تحدّيًا أمنيًا مألوفًا يمكن احتواؤه عبر أدوات القمع والإرهاق والوقت. أما التنازل السياسي الكبير، فهو خطوة لا رجعة فيها؛ إذ قد يُقوّض السردية الإيديولوجية ويُعيد تشكيل توقعات الرأي العام بطرقٍ يصعب التحكُّم بها لاحقًا. وبين قمعٍ يمكن إدارته، وتراجعٍ استراتيجي يُهدد الأسس، تميل طهران إلى اختيار الصمود، حتى لو كانت كلفته مرتفعة.

عامل إسرائيل

يزداد المشهد تعقيدًا مع التقارب —سواء كان فعليًا أم مُتصوَّرًا— بين الأهداف التفاوضية الأميركية والاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد الرامية إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية. فإسرائيل، بوصفها فاعلًا إقليميًا رئيسًا، تنظر إلى تعاظم القوة الإيرانية، ولا سيما في المجالين الصاروخي والنووي، كتهديدٍ مباشر لتوازن الردع. تاريخيًا، ركّزت الإدارات الأميركية المتعاقبة على انتزاع تنازلاتٍ نووية محددة، من دون إعلان صريح عن هدف تغيير النظام. غير أنَّ تصريحاتٍ حديثة للرئيس ترامب، ألمح فيها إلى أنَّ تغيير النظام “قد يكون الأفضل”، أضفَت قدرًا من الغموض على الغايات النهائية لواشنطن—حتى وإن بدا الانتشار العسكري الحالي مُوَجّهًا أساسًا نحو تعزيز أوراق التفاوض القسري.

هذا التداخل في الرسائل يعمّق شكوك طهران. فحين يتقاطع الضغط الأميركي مع رؤية إسرائيلية تُركّز على إضعاف البنية العسكرية الإيرانية، يتعزز داخل دوائر الحكم الاعتقاد بأنَّ الهدف يتجاوز ضبط السلوك إلى إعادة تشكيل موازين القوة، وربما طبيعة النظام ذاته. وفي بيئةٍ يسودها انعدام الثقة، يصبح الغموض في النوايا عاملًا إضافيًا يدفع نحو التشدّد بدل الانفتاح.

في المقابل، اتسمت الأهداف الإسرائيلية بقدرٍ أكبر من الاتساع والغموض. فالمقاربة الإسرائيلية لا تقتصر على ضبط سلوكٍ محدد أو تقييد برنامج بعينه، بل تُركّز على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورةٍ مستمرة —وربما دائمة— بل ولا تستبعد، في بعض الخطابات، فكرة استبدال النظام نفسه. هذا الفارق في السقف الاستراتيجي خلق توترًا دوريًا بين واشنطن وتل أبيب، ظهر بوضوح في صيف 2025، حين أعرب الرئيس ترامب علنًا عن امتعاضه من أنَّ إسرائيل “شنّت هجومًا مكثفًا” على إيران حتى بعد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار. وتحدثت تقارير لاحقة عن تباينات متجددة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن مسار المفاوضات وحدود الضغط العسكري، بما يوحي بأنَّ هذا التوتر ليس عابرًا.

غير أنَّ هذه الفروق الدقيقة بين النهجين الأميركي والإسرائيلي تبدو، من منظور طهران، أقل وضوحًا وأضعف تأثيرًا. فعندما يتزامن انتشارٌ عسكري أميركي واسع مع تصعيدٍ إسرائيلي ضد حلفاء إيران الإقليميين —مثل “حزب الله” في لبنان— يتحوّل الضغط الخارجي في الوعي الإيراني من أداة تفاوضية إلى تهديدٍ وجودي. في هذه اللحظة، يتلاشى الحد الفاصل بين “النفوذ” و”الإضعاف”، ويصبح من الصعب على صانعي القرار في طهران افتراض أنَّ الغاية محدودة أو قابلة للاحتواء.

تُبرِزُ مسألة الصواريخ هذه الإشكالية بجلاء. فبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل الترسانة الصاروخية الإيرانية المتنامية تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد يستوجب تقويضه. أما بالنسبة إلى طهران، فهذه الترسانة ذاتها هي صمام أمانٍ للبقاء، متجذّر في ذاكرة حربٍ قاسية وتجارب شعورٍ بالحصار. وعندما تضغط واشنطن على إيران في هذا الملف —لا سيما في سياقٍ يبدو متقاطعًا مع التحركات الإسرائيلية— يتضاءل الدافع لدى طهران للاعتقاد بأنَّ الأهداف الأميركية محصورة في إطارٍ تفاوضي ضيق. فما تعرضه واشنطن باعتباره تصعيدًا محسوبًا لتعزيز أوراق الضغط، قد يُتَرجَم في طهران كإشارةٍ إلى مشروعٍ أوسع لإضعاف النظام، إن لم يكن لإعادة تشكيله.

في ظلِّ اختلال ميزان القوى، تبدو خيارات إيران للردِّ على أيِّ هجماتٍ أميركية محدودة وغير متكافئة بطبيعتها. فقد تلجأ إلى استهداف قواعد أميركية في المنطقة، ما يضع منظومات الدفاع الصاروخي —التي جرى تعزيزها استباقيًا في الأسابيع الأخيرة— أمام اختبارٍ مباشر. وقد تختار تعطيل الملاحة البحرية أو التلويح بإغلاق مضيق هرمز، غير أنَّ خطوةً كهذه ستستجلب تداعياتٍ اقتصادية دولية قاسية، وربما تُوحّد أطرافًا متعددة ضدها. كما يمكن أن تعتمدَ على حلفائها الإقليميين أو على عملياتٍ سيبرانية قادرة على الإرباك ورفع الكلفة، لكنها نادرًا ما تُحدث تحوُّلًا حاسمًا في موازين القوى.

ومع ذلك، فإنَّ نظامًا يقوم على منطق الصمود لا يستطيع امتصاص الضربات إلى ما لا نهاية من دون إظهار قدرةٍ مقابلة على الرد. لذلك، غالبًا ما يتحوّلُ التصعيد إلى ما يشبه “رقصاتٍ مُعايرة”: ضرباتٌ محسوبة يتبادلها الطرفان، تُكبّد خسائر وتُعيد رسم خطوط الردع، من دون الانزلاق إلى حربٍ شاملة تهدد بقاء النظام. الخطر اليوم أنَّ حجم الانتشار الأميركي، مقترنًا بخطابٍ سياسي مرتفع النبرة، يُقلّص هامش هذه المعايرة الدقيقة. فإذا تجاوزت واشنطن عتبة الردع المُتحكَّم به، فقد تُحفّز ردًا مختلفًا من نظامٍ يشعر بأنه محاصَرٌ فعليًا. وبعبارة أخرى، قد لا تُنتِجُ ضربة أميركية “محدودة” اليوم ردًّا محسوبًا كما حدث في محطاتٍ سابقة.

في المحصّلة، نادرًا ما يُفضي الإكراه وحده إلى إخضاع نظامٍ يعتبر المقاومة قيمةً شبه مقدّسة، ويرى في التنازل تهديدًا وجوديًا. ما يتكشّف بدلًا من ذلك هو اختلافٌ بنيوي في منطق البقاء والأفق الزمني: واشنطن تُصعّد لتدفع نحو التفاوض، فيما تُصعّد طهران لمنع تحوّل التفاوض إلى استسلام.

وعليه، لا يكمن السؤال الحاسم في ما إذا كان النظام الإيراني على وشك الانهيار، أو ما إذا كانت صفقةٌ كبرى تلوح في الأفق. السؤال الأعمق هو ما إذا كان هذا التوازن الهش قابلًا للاستمرار: هل تستطيع الولايات المتحدة إدارة استراتيجية احتواءٍ وإنكارٍ وسيطرةٍ على التصعيد، من دون الانزلاق إلى صراعٍ أوسع لا يسعى إليه أيٌّ من الطرفين؟ حين تلتقي حافة الهاوية بمنطق الصمود، يضيق هامش المناورة، وتصبح إدارة المواجهة أصعب من إشعالها.

Exit mobile version