رشيد درباس*
لن يَثِقَ بكَ الناس إلّا إذا
أَرَيتهم بعيونهم لا ِبُمَخَِيَّلاتهم
النقيب عدنان الجسر
دخلنا الربعَ الثاني من القرن الواحد والعشرين مُثقَلين بوَيلات الربع الأول الذي لم يَطوِِ آثارَ الحربَين الأعظم في التاريخ، ولم ينتقل بنا إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل كان ابتداءً لصراعاتٍ مُلتَبِسة الهويات متداخلة المصالح. إنَّ الأخطارَ التي تُهدِّدُ العالم الآن، ليست مُتَمَحِورة بين مُعسكرَين كما في السابق، بل إنَّ الكرة الأرضية تدورُ في فضاءٍ من غيومٍ تتآلف مطرًا، أو تشتبك ومضًا ورعدًا، فلا تستقر عليها مواسم، ولا تنتظم فيها الفصول.
من أمثلة ذلك أنَّ الولايات المتحدة الأميركية كانت الداعمَ الأساس لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، وكانت على رأسِ حلفٍ واسع لم يُقصِّر في تقديم المال والسلاح لسلطات “كييف”. لكننا وجدنا بعد ذلك تبدُّلًا كان من ظواهره أنَّ الرئيس دونالد ترامب، راحَ يُقَرِّعُ علنًا الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” في البيت البيضاوي ثم يبني جسورًا حميمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بما يُنبِىء بتسويةٍ ستكون مُجحِفة بحقِّ أوكرانيا ومُقلقة جدًا لدول أوروبا، لا سيما تلك التي كانت منضوية في “حلف فرصوفيا”؛ أما علاقة أميركا بالصين فهي من “الخوارزميات” السياسية والاقتصادية المعقّدة جدًا التي تؤكّد على أنَّ الاصطفافات الدولية رجراجة ومتحوِّلة بحسب المصالح والظروف.
في الشرق الأوسط تكادُ النشرات الجوية تُصبحُ لغزًا وطلاسم أو ضربًا من ضروب التنجيم، حيث يشنُّ “بنيامين نتنياهو” منذ سنتين حربًا بلا هوادة على فلسطين كلها، تتخلّلها مئات قرارات وقف إطلاق النار الكاذبة، مع حديثٍ غامضٍ عن مصير غزة ومصير أهلها، يَعِدُ يومًا بأنها ستكون أشبه بفلوريدا، ويومًا يُهدّدُ أهلها بنفيهم إلى أرض الصومال، وذلك من ضمن الاكذوبة الابراهيمية
“يا وَيْحَ أبناءِ الخليلْ مِنْ قاتلٍ.. يندسُّ في جَسدِ القتيلْ”
في لبنان تحوَّلَ المؤشِّرُ من الصحو في أول العام 2025 إلى منطقة الخطر الكامن في نيّات نتنياهو الذي يُقلّد ترامب بربطة العنق وخطاب الاستعلاء وبالضغطِ المُتمادي.
لقد استبشرَ اللبنانيون جدًا حين خرجت الدولة من الفراغ في أول العام المنصرم، وتولّى الرئاسة شخصٌ أثبتَ حزمه في قيادة الجيش، وعبَّرَ عن رؤيته للمستقبل في خطاب القسم. كما استبشروا بحكومةٍ يمكن وصفها- عند تأليفها- بأنها غير تقليدية، مُمتلِئة بالخبرة وصفات الاستقامة والنجاح. ولكن عندما اتُّخِذَ القرارُ التاريخي بحصر السلاح في جلستَي 5 و7 آب (أغسطس) 2025، كانَ الالتفافُ عليه ضاريًا بل موصِلًا إلى حدِّ الانتحارِ على صخرة الروشة.
ولا ننكرُ أيضًا أنَّ تصميمَ الحكومة على إصدار مشروع قانون “الفجوة” (Gap LAW)، قد أخرج المسألة المالية من الدوامة المفرغة إلى نصٍّ مكتوب صالحٍ لأن يُناقَش ويُعَدَّل ويُبنى عليه. لكن المشكل يستفحل، عندما نحاول وضع تفاصيل المعطيات المحلية، في الإطار الإقليمي والدولي، حيث كثيرٌ من الأمور جرى تناوله باستخفافٍ و”هندساتٍ” فاشلة لا تخفى على لبيب؛ من ذلك مثلًا، تلك الصورة السوريالية لإقرار مشروع الفجوة، حيث غابَ مَن غاب، وأنقسم “الأمل” إلى نصفين، وتوزَّعَ الوزراء “المحسوبون” على الجهات خارج التزاماهم السياسي، بما جعل القرار يُحرِزُ الرقمَ “السعيد” 13 بمصادفة مقصودة، أما عندما يصل المشروع إلى المرحلة النيابية فحدّث ولا حرج، إذ يغلبُ احتمال إسقاطه على الاحتمال الآخر، ومن باب التدارُك أقول، إنه لا ينبغي لهذا المشروع أن يكونَ لقيطًا بل لا بُدَّ له من أبٍ وأُم هما استعادة الدولة واسترجاع النمو.
قيل في هذا، أنَّ الحكومة، أبدت حسن نيّتها تجاه الخارج لا سيما صندوق النقد الدولي، فماذا يُجدي حُسنُ النيّة إذا لم يقترن بالإنجاز؟!
ما ينطبقُ على هذا، ينطبقُ على قرار حصر السلاح الذي أُُقِرََّ ولم يتعدَّ تنفيذه جنوب الليطاني، ذلك أنَّ التعاطي معه يدورُ في حلقة الحوارات العقيمة والنبرات العالية المُستفزّة، في حين أنَّ الدولة كانت تستطيع وضع الأمر موضع التنفيذ، بمجرّد فرض النموذج الحازم للسلطة في كلِّ منطقة تقع تحت سيطرتها، وإطلاق ورشات العمل الحيوية كتأهيل المرافق المتصدِّعة، وقمع كل محاولة لخرق النظام بالدراجات النارية، وبالتحريض الطائفي والعشوائي وغيرها من الوسائل، وأن تقنع المواطنين بأنها جاهزة لامتصاص الويل الذي يُهدّدونا به، والإمساك بزمام نتائجه.
فإذا تخطّينا الأمر، إلى الإجتماع الذي كان مرتقبًا بين ترامب ونتنياهو، والذي عَدَّهُ كثيرٌ من المراقبين السياسيين حدثًا مفصليًا، وجدنا أنَّ لبنان لم ينل من المؤتمر الصحافي المشترك بين الرجلين إلّا دقيقة واحدة قال فيها ترامب:”الحكومة اللبنانية لا تقوم بواجباتها و”حزب الله” لا يلتزمُ وهذا أمرٌ له عواقبه”.
ربما سيقوم المحلّلون بشرح ذلك “الإيجاز البليغ” بصفحاتٍ طويلة ولكنني وجدته منطويًا على ازدراءٍ وتهديدٍ بَيِّنين، مع الإشارة إلى أنَّ “الهندسات السياسية” التي لجأت إليها الحكومة، ليس لها سوق عند صاحِبَيِّ قرار الحرب، ولا عند أصدقاء السلام وإعادة الإعمار.
خلاصةُ القول، إنَّ الحكومة اللبنانية لا تسطيع أن تُلبّي الجشعَ الإسرائيلي ولا أن تتكيَّفَ مع المطالب الأميركية المُبالَغ فيها، ولكنها تقدر ان تكتسبَ الصدقية العربية والدولية والداخلية، من خلال انتهاجِ سياسةٍ عامة واضحة في الشؤون الإصلاحية والأمنية والخارجية -في إطارِ وحدة الحُكم- بأن تُقنِعَ الأصدقاء والأشقاء بالملموس لا بالموعود، فذاك مناط الثقة، أما الاعتماد على الهندسات الملتبسة، فيذكّرنا بهندسات الحاكم السابق لمصرف لبنان.
روى لي الصديق الدكتور غسان عياش (نائب سابق لحكام مصرف لبنان) أنَّ الرئيس ميشال عون سأله عن الهندسات المالية فأجابه: “حاول الحاكم إنقاذَ المصارف من الغرق، فجذبه التيار إلى القاع”.
- رشيد درباس هو وزير لبناني سابق يعمل بالمحاماة، كان سابقًا نقيبًا لمحامي شمال لبنان.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
