الدكتور ناصيف حتّي*
يُمكِنُ مُقاربةُ المرحلة الراهنة من خلالِ تِسعِ ملاحظات تُساعدُ على توصيف ما يُسمّيه البعض “نظامًا عالميًا مُتَغيّرًا”. فنحنُ أمامَ مشهدٍ دولي لم تستقر بعد قواعده الحاكمة، ولا أنماط علاقاته، ولا حتى هيكل القوة الذي يرتكز إليه. التحوُّلات تتسارع، فيما الأُطُرُ الناظمة تتآكل أو يُعادُ تشكيلها على مهل. لهذا، يذهبُ بعضُ المحلّلين إلى وصفِ اللحظة الحالية بمرحلةٍ انتقالية مفتوحة، بل إنَّ فريقًا منهم لا يتردّد في تسميتها “فوضى عالمية”؛ تعبيرًا عن تراجُع اليقين، وتزايُد التنافس بين القوى الكبرى، وغيابِ توازُنٍ واضح يُعيدُ ضبطَ الإيقاع الدولي.
- شهد النظام الدولي خلال العقود الماضية انتقالات حادة في بنيته وتوازناته: من ثنائية قطبية واضحة إبان الحرب الباردة إلى ما عُرف بـ”لحظة الأحادية الأميركية”، وصولًا إلى مرحلة تتشكل فيها قواعد وأنماط جديدة لا تزال سائلة ولم تستقر بعد. من أبرز سمات هذا الوضع صعود “القوى المتوسطة”؛ دولٌ لا ترقى إلى مصاف القوى العظمى لكنها تمتلك وزنًا اقتصاديًا أو عسكريًا أو جيوسياسيًا يمنحها هامش حركة أوسع. وتسعى هذه الدول إلى إعادة تعريف موقعها وترسيخ حضورها في الترتيبات التي قد ترسم ملامح النظام “المقبل”.
- التحوُّل من ثُنائية شرق-غرب، التي طبعت الحرب الباردة، إلى ثُنائية “شمال-جنوب” الجديدة. لكن الأخيرة تتسم بالتنوُّع وعدم الانتظام التي مثّلته الأولى التي كانت تستندُ إلى عُنصُرَي الإيديولوجيا والاستراتيجية. وقد عبر عن تلك الثنائية تحالفٌ مُنضَبِط ومُنَظَّم في الجغرافيا الاستراتيجية والجغرافيا الاقتصادية. الثنائية الجديدة تحمل اختلافات وتمايزات عديدة في الرؤية والمصالح والأولويّات ضمن المجموعة الواحدة.
- الغرب بالأمس، والشمال اليوم، يشهد، كما أشرنا، تزايدًا في الاختلافات حول قضايا أساسية: الموقف من إدارة وتسوية المسألة الأوكرانية وأزمة غرينلاند، التي انفجرت أخيرًا، يقدم خير مثال على خلافات جوهرية في “البيت الواحد”.
- الاتحاد الأوروبي الذي عُدَّ نموذجًا ناجحًا يُحتذى به في بناء وتطوير التعاون الإقليمي، يواجه اليوم تحديات متصاعدة داخل “البيت الأوروبي”، وفي علاقاته مع الخارج. نشهد ذلك في “السياسة الخارجية المشتركة”، وفي قضايا الأمن والدفاع، وكذلك في الاقتصاد وكافة المسائل الأُخرى. يعود هذا الأمر للاختلاف في الأولويات الوطنية وفي النظرة إلى ترتيب المخاطر للتعامُل معها، ويزداد مع تصاعد قوة اليمين المُتشدّد الذي تُعبِّرُ عنه إيديولوجيات مُتطرّفة تعتنق قيمًا سياسية وأولويات أخرى تصطدم مع غيرها في “البيت الأوروبي” نفسه .
- تُمثّل التغيُّرات المناخية على الصعيد العالمي إحدى أهم وأخطر القضايا، من حيت التداعيات والتحدّيات المختلفة التي تحملها على مجتمعات واقتصاديات وأمن دول عديدة. ويشكل البحر الأبيض المتوسط الذي تلتقي على ضفافه قاراتٌ ثلاث إحدى أهم وأخطر المناطق، من حيث التداعيات، لهذا التحوُّل المناخي بتأثيراته المختلفة، خصوصًا في ما يتعلّق بالاستقرار المجتمعي والخارجي والعابر للحدود الوطنية، كما أشرنا.
- إنَّ سرعة التحوُّلات في الاقتصاد وفي مجالاتٍ أُخرى، والاندماجَ الاقتصادي الذي أنتجته العولمة المتسارعة أدّى إلى زيادة تهميش مجتمعات، أو أجزاء منها، في “الجنوب العالمي”. مجتمعات كانت تُعاني أساسًا من قضايا غياب النمو، أو ضعفه عليها ككل، أو على أجزاءٍ أساسية وغير صغيرة في هذه المجتمعات. الأمر الذي ضاعف من مشاكل التهميش الاقتصادي بتداعياته الاجتماعية والسياسية والوطنية وغيرها. ساهم ذلك أيضًا في انتعاش إيديولوجيات “هَوِيَّاتيّة” مُتشدّدة تخافُ وتتخوَّفُ من الآخر المختلف، وترى الحل في الانغلاق، أو الانطواء، أو الطلاق مع “الآخر” المختلف في الخارج او في الداخل الوطني. إيديولوجيات تُعبّرُ عن مخاوف وتداعيات أزمات تطالها، ولكنها لا تُقدّمُ حلولًا واقعية أو عملية لتلك الأزمات.
- قد يكونُ من الأدق الحديث في وصف عالم اليوم “المُعَولَم” بالمدينة الكونية، وليس بالقرية الكونية كما يسميها البعض توخّيًا للدقة في الوصف، بسبب الاختلافات التي زاد بعضها وتعمَّق بعضها الآخر للأسباب التي أشرنا إليها سابقًا، ولما للتوصيف من دلالات واستنتاجات. فالاختلافات والتمايزات تعمّقت عبر هذا الاندماج شبه القسري والسريع، رُغمَ أنَّ بعضَ الاختلافات قد تمَّ التغلُّب عليها. نموذج المدينة أدق في الوصف بسبب التمايز والاختلافات التي زاد بعضها، فيما تتسم القرية بالتناغم والتماثل على الصعيد الاجتماعي-الثقافي خلافًا للمدينة.
- التعاوُن المُتعدّد الأطراف عبر المنظمات الدولية والإقليمية، وفي إطارِ صيغٍ أخرى، تراجع دوره الفعلي وليس الرمزي بشكلٍ كبير. يظهر ذلك من عدم قدرته على التعامل الفاعل وليس الشكلي عبر التصريحات والبيانات أو المناشدات، مع تحديات يعيشها العالم وحاملة لتحديات جمة تتعدّى مجالها الجغرافي أو الموضوعي ولو بأوقاتٍ وسرعات مختلفة.
- العودة إلى إِحياءِ تحالفات بالقطعة، كما يُقال، أو حول مسالةٍ مُحدَّدة تعني أكثر من طرفٍ على حساب ما أشرنا إليه من أزمة التعاون المُتعدّد الأطراف. ولا بد من التذكير أنه رُغمَ أهمية التعاون الثنائي في بعض القضايا ذات التداعيات التي تطالُ أطرافًا ومجالات عديدة. فالتعاون الثنائي أمرٌ أكثر من ضروري وطبيعي في العلاقات الدولية، ولكن لا يمكن الوقوف عند هذا الحد في مسألةٍ تطالُ مصالح أطرافٍ عديدة. ومن المصلحة على المستوين الوطني والدولي وضمنه الإقليمي أن يتمَّ تعزيزُ التعاون الدولي الفعلي لتوفير وتحصين حلول لقضايا تطال، ولو بأوقاتٍ مختلفة، مصالح الجميع.
جدولٌ غنيٌّ بتحديات متزايدة في ظل تراجع ثقافة ومنطق ودور التعاون الدولي المُتعدّد الأطراف. التحدي اليوم يُختَصَر في كيفية إعادة إحياء التعاون الدولي ذات الهندسة المرنة والمتغيّرة وما يُعرف بالسرعات المختلفة، الذي هو في نهاية الأمر لمصلحة الجميع في “المدينة الكونية” التي نعيش فيها.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
