محمّد قوَّاص*
قبل أن يصلَ وزيرُ الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي إلى جنيف، صدرَ من طهران استنتاجٌ بأنَّ الولايات المتحدة تجنحُ نحو “الواقعية”. قلّبنا أنباءَ واشنطن فلم نجد، على الأقل بشكلٍ علني ورسمي، أيَّ إشارةٍ إلى تبدُّلٍ في الشروط الأميركية بشأنِ اتفاقٍ مُحتَمَل مع إيران. وقد لا تكون تلك الواقعية مُستَبعَدة، بالنظر إلى فلسفة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأنِ المكاسب والخسائر، لكنها تبقى احتمالًا، فيما أصدرت المنابر الرسمية في طهران يقينًا مُدهشًا.
قبلَ أن يُقابل عراقجي وفدَ واشنطن الذي يتقدّمه مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وصهره المستشار جاريد كوشنر، كانت منابر إيران تُعلِنُ مُسبَقًا سلسلةَ تنازُلاتٍ مُتتالية. عشية ذلك كان ترامب يُعلِنُ من على متن طائرته أنَّ الإيرانيين “يريدون عقد صفقة”. شيءٌ ما غير مُعلَن للعامة، تبلَّغه الرئيس الأميركي من طهران جعل لهجته أكثر تفاؤلًا، وعجّلَ بإرسال وفده لجلسةٍ جديدة بعد مسقط في جنيف.
جاء عراقجي هذه المرة مُصطَحِبًا اقتصاديين ليتحدّثوا في لبِّ الموضوع: رفع العقوبات عن إيران وتوقيع العقود مع أميركا. عرف المراقبون ما الذي تنازلت عنه طهران قبل الشروع بالتفاوض:
1- أعلنت استعدادها للتنازل عن نسبة تخصيب اليورانيوم الحالية التي تبلغ 60 في المئة إلى مستوى ما يسمح به الاتفاق القديم (فيينا 2015) أي أقل من 4 في المئة، أو حتى وقف التخصيب لسنوات.
2- تخلَّت عن إنكارِ معرفتها بمصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي سبق أن قالت إنه مدفونٌ تحتَ ركام المفاعلات النووية التي طالتها القنابل الاستراتيجية التي ألقتها قاذفات الـ” B2″ فوقها في نطنز وفوردو وأصفهان.
3- عَرَضَت حلولًا لهذا المخزون الخطير مثل “تمييعه”، أي خفض نسبة تخصيبه إلى الحدود الدنيا، وصولًا إلى التلويح بقبول إخراجه من البلاد.
4- عَرَضَت عودة المُفتّشين الدوليين بمَن فيهم الأميركيين ليكونوا عيونًا ساهرة على حسن سلوك مفاعلاتها.
تُقدّمُ طهران جوائز ترضية تتخلّى بموجبها عن أيِّ طابعٍ مُلتَبِس يُشتَمُّ منه أغراضًا عسكرية لبرنامجها النووي، وهي جوائز قد تُغري ترامب بالذهاب إلى الاتفاق. لكن إيران تعرف أنَّ ذلك ليس كافيًا، ولا يُعَدُّ مختلفًا عما كان يوفّره اتفاق فيينا الذي انسحب منه ترامب عام 2018.
هنا ذهبت طهران إلى “الجائزة الكبرى”. سعت إلى إسماع الرئيس الأميركي مواويل تُطرِبه. خرج في طهران مَن يكتشفُ أنَّ الولايات المتحدة، وعلى نقيض الأوروبيين، لم تستفد اقتصاديًا من صفقة فيينا القديمة. وخرج آخر يَعِدُ ترامب بوفورات تريليونية من الاستثمارات والعقود داخل إيران ما بعد الصفقة. هنا يكمن سر وجود اقتصاديين في وفد عراقجي.
تحدّثت طهران عن واقعية واشنطن، فيما هي في تنازلاتها المُعلَنة (من دون أن نعرف تلك غير المعلنة) تجاوزت مستويات الواقعية إلى ما يشبه الانحناء أمام العاصفة. فرُغمَ ما خرج من قادة البلد السياسيين والعسكريين من مُكابَرة وتهديد وتهويل، فإنَّ تدفُّقَ الأساطيل الأميركية نحو المنطقة دفع طهران للتراجع عن سياسة حافة الهاوية توجُّسًا من هاويةٍ تتقدّم.
وفيما لا زالت إيران تتمسّك ببرنامجها للصواريخ الباليستية وتعتبره ردعها الاستراتيجي وحصنها الدفاعي، تُضحّي ببرنامجها النووي وتقبل بـ “إخصائه” وجعله غير قابل لإنجاب قنبلة نووية.
تُقدّمُ إيران تنازلات قد تدفع ثمنها مصيرًا مُقلقًا على الرُغم من أنها تعوِّلُ عليها لإنقاذ ذلك المصير. تُقدّمُ تلك التنازلات مُتواريةً وراء دخان مناورات عسكرية استعراضية تُنفّذها في مضيق هرمز. تقدم التنازلات متدثّرة بالتمسُّك بحق التخصيب في إيران ولو بنسب هزيلة.
ترفعُ شعارَ عدم تخلّيها عن “محور” قيد التفكُّك، ورفض التفاوض بشأن صواريخها، فيما أسئلة تتدافع عما سيبقى من “ثورة” إيران حين تعدم آمالها بقنبلة نووية، وتدخل شركات “الشيطان الأكبر” إلى أوردة اقتصاد بلادها، ويقف حراس أميركيون يرصدون منشآتها النووية.
فهل تبقى إيران تلك التي نعرفها منذ العام 1979؟
- محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).
