الدكتور ناصيف حتّي*
جاءت العملية العسكريةـ لأمنية الأميركية الخاطفة التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة كزلزالٍ سياسي على الساحة الدولية، لا بسببِ تداعياتها السياسية المباشرة فحسب، بل لما انطوت عليه من خرقٍ صارخ وشامل لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الحاكم للعلاقات بين الدول. وما جرى لا يُمكِنُ توصيفه، حتى اللحظة، كانقلابٍ مُكتَمِل الأركان أو تغييرٍ جذري في بُنية السلطة، وإن ظلّت مآلاته مفتوحة على احتمالات قاتمة؛ إذ تولّت نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، الرئاسة بصورةٍ مؤقّتة، في ظلّ استمرار حضور وبقاء عددٍ كبير من كبار المسؤولين في مؤسّسات الدولة.
ما جرى حتى الآن يمكن وصفه تغييرًا في رأس النظام عبر خلع الرئيس، وليس إسقاطًا كاملًا للنظام نفسه. فمادورو، بوصفه مركز القرار الفعلي في أنظمةٍ من هذا النوع، أُُزيحَ من المشهد، فيما بقيت البنية السياسية والمؤسساتية قائمة، ولو في حالة ارتباك. وفي هذا السياق، بعثت الرئيسة المؤقتة برسالة وُصفت بـ”الإيجابية”، عكست استعدادًا للتعاون وفتح الباب أمام “تنميةٍ مُشتركة” مع الولايات المتحدة، من قبل قيادةٍ جديدة لا يزال مصيرها واتجاهاتها الفعلية موضع تساؤل. فهل ستتعاون معها واشنطن وهل يتمُّ التوصُّل إلى تفاهُمٍ عملي بينها وبين الإدارة الأميركية مع تغييراتٍ تدريجية تُشكّلُ نوعًا من التفاهُم مع واشنطن تحت عنوانٍ “عملي” قوامه تغييرٌ تدريجي في النظام وليس تغيير النظام؟ المستقبل القريب سيحمل الجواب عن ذلك.
وفي كل الأحوال، لا يُمكِنُ فصل ما يحدث عن السياق التاريخي الأوسع للتدخّل الأميركي في أميركا اللاتينية، التي لطالما اعتُبِرَت “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة. ورُغمَ تغيُّرِ أشكال التهديدات التي تُبَرََّرُ بها هذه التدخلات، بين خارجي يأتي من خارج “الحديقة” وداخلي ينشأ من داخلها، فإنَّ جوهرَ المقاربة الأميركية القائمة على منع خروج هذه المنطقة عن دائرة النفوذ المباشر لا يزال حاضرًا بقوة.
ما حصل هو عودة إلى إحياء “عقيدة مونرو” التي ولدت في العام 1823 والتي تقوم على اعتبار أميركا اللاتينية منطقة نفوذ مُطلَق للولايات المتحدة. الأمرُ الذي كان يعني حينها إقامة خطٍّ أحمر أمامَ تدخُّل القوى الأوروبية مباشرة وإقامة مناطق نفوذ كبير لها عبر أشكالٍ مختلفة من الاحتلال في الإقليم الأميركي الجنوبي. العقيدة الاستراتيجية الأميركية التي صدرت أخيرًا عادت لتُذكّر بتلك العقيدة وإعادة تفعيلها. وليس ذلك بالغريب على سياسةٍ خارجية أميركية صارت مع ولاية ترامب الثانية ترتكزُ بشكلٍ واضحٍ وحازم على أحاديةٍ حادة على حساب التعاون المُتعدّد الأطراف، وكذلك على التعاون بالقطعة كما يقال وليس حسب مبادئ عامة، كما على اختلاف الأولويات والمقاربات. الأمرُ الذي أدّى إلى خلافاتٍ أساسية بين إدارة ترامب والحلفاء الغربيين في قضايا مختلفة أوّلها من دون شك ما يتعلّق بالحرب في أوكرانيا وسُبُل تسويتها، وتراجُع موقع أوروبا على جدول الأولويات الأميركية.
لم يَكُن التدخُّل الأميركي المباشر، كما حصل مفاجئًا، إذ إنَّ لواشنطن تاريخًا حافلًا بالتدخُّل العسكري وغيره بُغية تغيير أنظمة في أميركا اللاتينية (غواتيمالا في 1954، كوبا 1961، الدومينيكان 1965، دعم تغيير في تشيلي 1973، وغزو بنَما 1989). الجديد أنَّ هذا التدخُّل هو الأول بعد نهاية عصر الحرب الباردة ، والبعض صار يتحدث لوصف الوضع الدولي مع المتغيّرات الحاصلة أننا دخلنا في عصر “ما بعد بعد الحرب الباردة” من دون أن تتضّح بعد ملامح النظام العالمي الجديد الذي هو في طور التشكُّل. ولا بد من التذكُّر أنَّ العملية العسكرية شكّلت ضربة للصين الشعبية بشكلٍ خاص ولروسيا الاتحادية بدرجةٍ أقل بسبب العلاقات التي كانت تربط بين نظام مادورو والقوتين العالميتين في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة إلى ولشنطن كما أشرنا. ولا بدَّ من التذكير في السياق ذاته بأنَّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لمَّحَ في أحد تصريحاته بأنَّ كوبا قد تكون الهدف التالي لواشنطن، والبعض أشار إلى كولومبيا كأحد الأهداف المحتملة .
مهما تكن مآلات التدخّل الأميركي وشكل النظام الذي سيتبلور في مرحلة ما بعد مادورو، فإنَّ الرسالة التي بعثت بها واشنطن لا تحتمل كثيرًا من التأويل: الولايات المتحدة عادت إلى تفعيل ما تعتبره “حقّ التدخّل” في فضائها الحيوي المباشر، أي في “حديقتها الخلفية”، من دون اكتراثٍ يُذكَر بالكلفة السياسية أو القانونية أو بالارتدادات المحتملة التي قد تترتّب على هذا الخيار.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، ديبلوماسي متقاعد ووزير خارجية لبنان الأسبق.كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
- يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
