أوروبا بعد الغاز الروسي: أمنُ الطاقة في فخِّ الجغرافيا

البروفِسور بيار الخوري*

منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، تبنّى الاتحاد الأوروبي استراتيجية “الانفصال الطاقي” عن روسيا، مُتَّجهًا بكامل ثقله نحو البدائل العالمية. لكن هذا الهروب من “الابتزاز الروسي” أوقع القارة في فخ التبعية للممرات الضيقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، مما حوّل أمن الطاقة الأوروبي من “أزمة أنابيب” إلى “رهينة مضائق”.

لا ينظر الاقتصاد الأوروبي لمضيق هرمز كممر تجاري فحسب، بل كـ”صمام أمان” للهيكل الصناعي. إن تعطّل الملاحة هناك يطلق تأثير الدومينو الذي يبدأ بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسب قد تتجاوز 300%، وينتهي بشلل سلاسل التوريد. بالنسبة إلى أوروبا، تعني خسارة الغاز القطري والنفط الخليجي فقدان “العمود الفقري” الذي استبدلت به الغاز الروسي، مما يضع الصناعات الثقيلة (الصلب والكيماويات) في مواجهة حتمية مع “التصفية الصناعية” نتيجة فقدان التنافسية السعرية.

يواجه صانع القرار الأوروبي معضلة “الاستقرار المالي”. فارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية (150 دولارًا للبرميل) سيؤدي إلى تضخم مستورد لا تملك البنوك المركزية أدوات تقليدية لكبحه. هذا التضخم سيجبر الحكومات على العودة إلى سياسات الإنفاق بالعجز لتمويل حزم دعم الطاقة للمواطنين، مما يرفع نسب الدين العام في وقت تعاني القارة من ضغوط ميزانيات الدفاع المتزايدة، وهو ما يمكن تسميته “العجز المزدوج” (طاقة + دفاع).

في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، ستجد أوروبا نفسها في منافسة صفرية مع القوى الآسيوية (الصين، الهند، اليابان) على شحنات الغاز والنفط المتوفر من القارة الأميركية، وهذا التموضع سيجعل القرار السياسي الأوروبي أكثر ارتهانًا للسياسة الخارجية الأميركية، مما يضعف مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الذي ينادي به قادة القارة. أوروبا ستكون مضطرة لدفع أثمان سياسية باهظة لتأمين الأولوية في شحنات الطاقة البديلة عبر الأطلسي.

إنَّ نموذج مصفوفة التبنّي العكسي للصدمات والقائم على: تأخر – ارتفاع كلفة – تراجع اقتصادي، ينتهي بضغط اجتماعي حاد. تفاوت قدرة الدول الأوروبية على تحمُّل تكاليف الطاقة البديلة (مثل الفرق بين ألمانيا ودول شرق أوروبا) قد يُصدّع وحدة القرار الأوروبي. الأزمات الاقتصادية الناتجة عن تعطّل مضيق هرمز قد تُغذّي التيارات الشعبوية، مما يحوّل الأزمة من “جيوسياسية خارجية” إلى “أزمة هوية داخلية” للاتحاد.

إن مضيق هرمز يمثل اليوم “الاختبار الحقيقي” لمرونة الاتحاد الأوروبي. لم تعد الحلول التكتيكية (تخزين الغاز، تنويع المورِّدين) كافية؛ بل باتت القارة بحاجة إلى بنية تحتية عابرة للقارات وخطوط أنابيب بديلة تتجاوز النقاط الجغرافية المختنقة. من دون رؤية استراتيجية تُوائم بين الطموح السياسي والواقع اللوجستي، سيبقى التموضع الأوروبي مضطربًا، وعُرضةً لأيِّ اهتزاز في ممرٍّ مائي يبعد عنها آلاف الكيلومترات، لكنه يمسك بمفاتيح مصانعها ومنازل مواطنيها.

هل تتجه أوروبا نحو استثمارات ضخمة في خطوط أنابيب برية عبر العراق وتركيا كحلٍّ طويل الأمد رُغم المخاطر السياسية؟

يمثّل خيار الممرات البرية عبر العراق وتركيا مثل طريق التنمية (مشروع استراتيجي عملاق أطلقه العراق في العام 2023 ليكون بمثابة جسر بري يربط أسواق الخليج العربي وآسيا بالقارة الأوروبية) استراتيجية “تحوُّط جغرافي” تمنح أوروبا رئة إضافية للتنفس بعيدًا من اختناقات هرمز، إلّا أنها تستبدل مخاطر البحار بـ”مخاطر العبور” والتقلّبات السياسية في دول الجوار، مما يجعلها حلًا لوجستيًا مكمّلًا وليس بديلًا مطلقًا.

وفي المقابل، يبرز التحوُّل الأخضر والنموذج الفرنسي في التنويع النووي كدرع حقيقي لـ”السيادة الطاقية”، حيث يقلل الاعتماد الهيكلي على الوقود الأحفوري المستورد، محوِّلًا أزمة المضائق من تهديدٍ وجودي للصناعة إلى دافعٍ لتسريع الاستقلال عن الكربون — ولكن بأيِّ كلفة؟

Exit mobile version