تراثٌ بلا سياسة؟ ما الذي تَجاهَلَهُ العَصرُ الذهبي للإسلام (1 من 2)
يُعيدُ هذا المقال قراءةَ ما يُعرَفُ بـ”العصر الذهبي للإسلام” من زاويةٍ نقدية غير مألوفة، مُتسائلًا عمّا احتفى به ذلك العصر، وعمّا تجاهله عمدًا. فمن خلالِ تتبُّعِ حركة الترجمة الكبرى في بغداد، يكشف الكاتب أنَّ الإبداع العلمي لم يُواكِبه انفتاح مماثل على الفكر السياسي والاجتماعي القديم.

س. فريدريك ستار*
لم يكن تأخر المجتمعات الإسلامية في استيعاب المعرفة الحديثة وليد العصر الراهن، بل يمتد بجذوره عميقًا في التاريخ، سواء في وتيرة تبنّي العلوم الجديدة أو في بناء مؤسسات قادرة على تطويرها وتجديدها. ويذهب بعض المراقبين اليوم إلى تشبيه مؤسسات عريقة، مثل الأزهر في القاهرة الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام (عام 970)، بالجامعات الأوروبية الأولى في إيطاليا وفرنسا وإنكلترا. غير أنَّ هذا القياسَ يُخفي فارقًا حاسمًا: فبينما نشأت الجامعات الأوروبية بوصفها فضاءاتٍ لمُراجعة المعرفة وتحديثها باستمرار، أُنيط بالمؤسسات التعليمية الإسلامية دورٌ مختلف، قوامه صون معرفة موروثة وتكريسها، لا تجاوزها أو إعادة النظر فيها.
وفي عصرنا الراهن، لا يزالُ العديدُ من التخصُّصات العلمية مُتَخَلِّفة نسبيًا في العالم الإسلامي، إذ لم يحصل سوى مسلمٍ واحد فقط على جائزة نوبل في الفيزياء. ومع ذلك، بدأ بعضُ الدول الإسلامية اليوم تخصيص موارد مالية وبشرية كبيرة لمحاولة معالجة ما تعترف به صراحة بوصفه قصورًا تنمويًا في مجال المعرفة.
ولا يزال من غير المعروف إلى أيِّ مدى يُمكِنُ لهذا التطوُّر المُتأخِّر أن يتقدَّم، أو إلى أيِّ عُمقٍ سيتغلغل داخل المجتمعات الإسلامية نفسها. إلّا أنَّ هذا المشروع التعليمي تلقّى دفعةً قوية نتيجة إعادة اكتشاف العلماء الكبار لما يُعرَف بـ”العصر الذهبي الإسلامي”، الذي امتدَّ تقريبًا من العام 800 إلى العام 1200 ميلادية.
فشخصياتٌ مثل ابو الريحان البيروني، الذي قاس محيط الأرض بدقة لم يصل إليها أيُّ أوروبي حتى القرن السابع عشر؛ ومحمد بن موسى الخوارزمي، الذي أعاد تأسيس علم الجبر ومنح اسمه لمصطلح “الخوارزمية”؛ والحسن بن الهيثم، الذي أسّس علم البصريات؛ جميعهم سبقوا معاصريهم المسيحيين بفارقٍ كبير، حتى حلول عصر النهضة الأوروبية.
وقد جاءت إعادةُ اكتشاف هذا العصر العبقري المنسي أساسًا على يد باحثين غربيين، غير أنَّ العلماءَ المسلمين التحقوا لاحقًا بهذا المسار بصورةٍ كاملة. وشكّلت هذه الإعادةُ للاعتبار مصدرَ إلهامٍ قوي للمسؤولين التربويين وصُنّاع القرار وروّاد الأعمال في المجتمعات الإسلامية. إذ حوَّلت التحدّي من محاولة “الخلق من العدم” إلى عملية “استعادة للذات”، من خلال التركيز على التاريخ والثقافة الخاصَّين بالعالم الإسلامي. وأدّى ذلك بدوره إلى أبحاثٍ قَيِّمة حول أصولِ ذلك العصر الذهبي في العلم والفكر.
وقد بيّنت الدراسات الحديثة أنَّ الحياةَ الفكرية المُبكِرة في العالم الإسلامي تلقّت شحنةً استثنائية من خلالِ إدخالِ الترجمات العربية لروائع الفكر اليوناني القديم إلى المجال الثقافي الإسلامي في العصور الوسطى. ولولا هذا التدفُّق الكبير للترجمات عن اليونانية الكلاسيكية، لما كانَ للعصر الذهبي الفكري الإسلامي أن يظهرَ أساسًا. ومن بين جميع المؤلفين الذين تُرجِمَت أعمالهم، تَصدَّرَ أرسطو القائمة بوضوح. فهذا التلميذ لأفلاطون والمعلّم الخاص للإسكندر الأكبر، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، كان الشرارة الأساسية التي أطلقت النهضة الفكرية الإسلامية قبل ألف عام.
ورُغمَ أنَّ الترجمات أُنجِزَت في أماكن مُتعدِّدة، فإنَّ المركز الجغرافي لحركة الترجمة كانت مدينة بغداد، المدينة الجديدة التي أُسِّست عام 762 ميلادية. وكانت هذه الترجماتُ ضرورةً ملحّة، لأنَّ عدد السياسيين ورجال الدين المسلمين الذين كانوا يُجيدون اللغة اليونانية كان محدودًا للغاية، ويمكن عدّهم على أصابع اليد الواحدة.
وهنا يبرزُ سؤالٌ عملي: من أينَ أتى المُتَرجِمون؟
الجوابُ هو: المسيحيون السريان، وهم المجموعة الوحيدة في عالم البحر المتوسط آنذاك التي كانت تُجيدُ اليونانية والعربية إلى جانب لغتها الخاصة، السريانية، وهي إحدى لهجات الآرامية. وبفضلِ انتشارِ أسقفياتهم في أنحاء المنطقة، كان السريان على اطلاع دائم بتطوُّرات العالم الإسلامي. وعندما أسّس الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مكتبة في بغداد خلال العامين 774–775، والتي أصبحت تُعرَفُ لاحقًا باسم “بيت الحكمة”، وأعرب عن رغبته في تزويدها بترجماتٍ عربية لأهمِّ الأعمال الفكرية القديمة، اغتنمَ المسيحيون السريان الفُرصة من دون تردُّد.
فقد سارعوا إلى ترجمة النصوص اليونانية القديمة، بل إنَّ بعضهم شدَّ الرحال إلى القسطنطينية لجمع مخطوطاتٍ ثمينة، مُدرِكين أنَّ أصدقاءَ المكتبة الجديدة سيدفعون بسخاءٍ مقابل ترجمتها إلى العربية، لغة الإدارة والعلم في الدولة الإسلامية.
لكن أي أعمال تُرجمت فعليًا؟
صحيح أنَّ عددًا كبيرًا من هذه الترجمات قد فُقِدَ مع مرور الزمن، غير أنَّ ما نعرفه اليوم يُشيرُ إلى أنَّ الغالبية الساحقة منها كانت محصورة في مجالات الطب والرياضيات والفلك والجبر والفلسفة. أما سائر المجالات، فقد جرى استبعادها بالكامل من مشروع الترجمة، وبالتالي من وعي أعظم العقول الإسلامية في ذلك العصر.
وهنا تبدأ الحبكة في التعقُّد. فبينما يُثني الباحثون المعاصرون على فضولِ الحكّام العباسيين والنخبة الفكرية في بغداد، فإنهم غالبًا ما يتجاهلون الإشارة إلى الأعمال التي لم تُترجَم قط، وبالتالي لم يَكُن لها أيُّ تأثيرٍ في الفكر الإسلامي. وهذا الإغفال، في أقلِّ تقدير، مؤسف؛ لأنَّ ما لم يُترجَم يُعلّمنا عن العصر الذهبي للإسلام بقدر ما يُعلّمنا ما تُرجِمَ بالفعل.
إنَّ قائمةَ الأعمال المُهمَلة طويلة ومُثيرةٌ للإعجاب في آنٍ واحد. والمُثيرُ للدهشة أنَّ من بين أبرز تلك الأعمال المُستَبعَدة نجدُ أعظم مفكّري العالم القديم في مجالات المجتمع والقانون والسياسة والتاريخ. وبعبارةٍ أخرى، جرى استبعادُ كلِّ ما يتّصل بإدارة المدن والدول والمجتمعات بأكملها من اهتمام العرب، رُغمَ فضولهم الواسع في ميادين العلم الأخرى.
فلم يُتَرجَم كتاب “تواريخ هيرودوت”، ذلك العمل الغني بالتفاصيل الجغرافية، والمفعم بوصف ثقافات الشرق المتنوعة وحيواتها الاجتماعية. وبالمثل، لم يجد كتاب “تاريخ الحرب البيلوبونيزية” لثيوسيديدس، وهو تحليل عبقري لحرب أهلية طويلة الأمد بين أثينا وإسبرطة، ولا للديناميات الداخلية للأطراف المتصارعة، مَن يُترجمها إلى العربية.
غير أنَّ الغيابَ الأكثر خطورةً يتمثّلُ في عدم ترجمة كتاب “السياسة” لأرسطو، الذي يُعَدُّ، على الأرجح، أعمق تحليل في العالم القديم لكيفية اتخاذ القرارات السياسية فعليًا، لا كما يدّعي الحكّام وأتباعهم. فهذا العمل، الذي اشتُقَّ منه مصطلح “السياسة”، يتجاوز مجال الأخلاق الذي رأى أرسطو أنه يخصُّ الأفراد، ليعالج القواعد والممارسات التي تحكم المجتمعات بأسرها.
وعلى خلاف “جمهورية” أفلاطون، التي تنطلق من مبادئ مُجرَّدة وتُحلِّقُ في عالم المثال، استندَ كتاب “السياسة” إلى بحثٍ ميداني واقعي، جمع فيه أرسطو 158 دستورًا مدنيًا. ومن خلال دراستها، طرح سؤالًا عمليًا جوهريًا: “ما الذي ينجح؟” بدلًا من السؤال المثالي: “ما الذي ينبغي أن ينجح؟”. وكان تركيز أرسطو مُوَجَّهًا نحو الفاعلية البشرية، لا نحو المثاليات المفروضة من أعلى.
ولم يَقتَصِر الاستبعاد على الأعمال السياسية والقانونية. فقد امتدَّ ليشمل أيضًا النصوص الكلاسيكية التي عرضت الطبيعة البشرية كما هي في الواقع، لا كما يُفتَرَضُ أن تكون. وفي مقدّمة هذه النصوص تأتي المآسي الإغريقية. إذ لم تُترجَم إلى العربية مسرحية واحدة من بين مئات المسرحيات التي كتبها إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، ما حرم العالم الإسلامي من فهم مفهوم “المأساة” في الشأن الإنساني.
وليس من المستغرب، ربما، أنَّ الحكّامَ الجدد المُتزمِّتين في بغداد لم يسعوا إلى ترجمة الكوميديات اللاذعة والمُضحكة لأريستوفان، الذي يُعَدُّ الأب المؤسّس لفن الكوميديا. فمع جهل الجمهور العربي بمسرحيات مثل “ليسيستراتا” و”الضفادع”، لم تُتَح له الفرصة للاطلاع على قدرة الإغريق على السخرية من قادةٍ عظام مثل ألكيبياديس، ومن رموزٍ ثقافية محترمة مثل يوربيديس، بل وحتى من أحداثٍ وطنية جسيمة كالحرب البيلوبونيزية نفسها.
ولا شكَّ أنَّ بعضَ هذه الكوميديات كانت ستُعَدُّ فاحشةً أو مُبتَذلة في نظر القادة المسلمين المحافظين. غير أنَّ السؤال يظل مطروحًا: هل رَؤوا أيضًا أنَّ السخرية اللاذعة، والهجاء الذكي، والاستخدام الجريء للمحاكاة الساخرة، تُمثّلُ خطرًا مُحتَملاً على سلطتهم؟ أيًا كان مَن اتخذ قرار عدم ترجمة هذه الأعمال، فإنَّ النتيجة كانت حرمان العالم الإسلامي من نماذج ثقافية تُظهِرُ كيف يُمكن لمجتمعٍ متحضّر أن يضحكَ من حكّامه، بل ومن نفسه أيضًا.
مَن الذي اتخذ قرار استبعاد هذه الأعمال؟
هذا السؤالُ ليس ثانويًا أو عابرًا، بل هو في صميمِ فَهمِ طبيعة العصر الذهبي الإسلامي ذاته. فبما أنَّ عددًا كبيرًا من مؤلفات أرسطو الأخرى قد تُرجم إلى العربية، يُصبِحُ من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت روائع أخرى قد استُبعِدَت لأنَّ المترجمين فشلوا، لأيِّ سببٍ كان، في عرضها على الرعاة الأثرياء للمكتبة الجديدة في بغداد؟ أم أنَّ أمناء المكتبة ومستشاري الخليفة هم الذين قرروا عدم اقتنائها؟
وإذا كانَ الاحتمالُ الأوّل هو الصحيح، فهل يعني ذلك أنَّ المترجمين أنفسهم اختاروا عدم البحث عن الأعمال اليونانية المُتعلّقة بالسياسة والقانون والتاريخ، فضلًا عن التراجيديا والكوميديا، أو أنهم قرروا عدم اقتراحها على رعاتهم في بغداد؟ هذا الاحتمال مُمكِن من حيث المبدَإِ، لكنه غير مرجَّح. فقد كانت حركة الترجمة، في جوهرها، علاقة سوق: مترجمون يعرضون بضائع فكرية محتملة، ورعاة يختارون ما يرغبون فيه وفقًا لأذواقهم وقدرتهم المالية.
أما الاحتمال الآخر، فيفترضُ أنَّ البيزنطيين أنفسهم ربما فقدوا هذه الأعمال أو أهملوها، بحيث لم يعد في وسع الوسطاء العثور عليها. غير أنَّ هذا التفسير أيضًا يواجه صعوبات جدية. فصحيحٌ، كما أشار بعض الباحثين المعاصرين، أنَّ كتاب “السياسة” لأرسطو كان الأقل شعبية بين مؤلفاته الكبرى في بيزنطة، لكنه لم يكن مجهولًا، وكان مُتاحًا لأيِّ باحثٍ مجتهد، خصوصًا إذا كان مدفوعًا بحافز الربح، وعلى صلةٍ بدوائر بغداد.
أيًّا تكُن العوامل التي لعبت دورها، فإنَّ ما لا يمكن إنكاره هو أنَّ حكّام الدولة العباسية ونخبتها الفكرية في بغداد لم يبذلوا أيَّ جهد واضح للحصول على ترجماتٍ لكتاب “السياسة” لأرسطو، أو “تواريخ” هيرودوت، ناهيك عن مآسي إسخيلوس أو كوميديات أريستوفان. ويبدو أنهم خلصوا إلى أنَّ الجمهور المسلم في بغداد وخارجها لا يحتاج إلى الرؤى اليونانية حول السياسة ونقائص الطبيعة البشرية، أو أنَّ هذه الرؤى كانت تُعَدُّ غير ذات صلة، بل وربما غير متوافقة، مع النظام العالمي الإسلامي الجديد الذي كانوا يسعون إلى ترسيخه.
ومن الإنصاف القول إنَّ التراجيديا والكوميديا الإغريقيتَين لم تحظيا أيضًا بقبولٍ واسع في أوروبا الغربية أو في بيزنطية خلال العصور الوسطى. غير أنَّ الفارق الجوهري يتمثّل في أنَّ معاصري مسلمي بغداد في تلك المناطق كانت لديهم إمكانية الوصول إلى بعض هذه النصوص، حتى وإن تجاهلوا دلالاتها الأعمق. والأهم من ذلك، أنهم كانوا مُطَّلعين على تراثٍ غني من الكتابات الرومانية في مجالات التاريخ والقانون والسياسة العملية.
فمفكرو العالم اللاتيني كانوا يُدركون تمامَ الإدراك أنَّ مؤرّخين ومحلّلين مثل شيشرون وساللوست وقيصر كتبوا عن عصور ما قبل المسيحية، ومع ذلك لم يرفضوا أعمالهم على أُسُسٍ دينية. ومن خلال قراءة هذه الكلاسيكيات اللاتينية، اكتسبَ الأوروبيون في العصور الوسطى فهمًا عميقًا لطبيعة “الإنسان السياسي” في مختلف المجتمعات، وللصراعات الدائمة بين الاعتبارات الأخلاقية والطموحات المجردة، وهي صراعات تتكرّر في كل زمان ومكان.
في المقابل، أظهر عصر النهضة الإسلامي بين العامَين 800 و1200 ميلادية اهتمامًا ضئيلًا للغاية بالإنجازات الفكرية لروما القديمة. صحيح أنَّ هناك استثناءات، أبرزها ترجمة الأعمال الطبية الكبرى للطبيب الإغريقي–الروماني جالينوس، وهو من مواليد آسيا الصغرى، وقد تُرجمت مؤلفاته الطبية الشاملة ترجمة كاملة، ولكن عن النصوص اليونانية الأصلية، لا عن اللاتينية.
وبسبب الحاجز اللغوي، وعدم وجود مُترجمين عن اللاتينية يضاهون السريان، لم تُبدِ بغداد أيَّ اهتمامٍ يُذكر بروما القديمة، ولم تُترجَم حتى أعمال بلوتارخ مثل “السير المتوازية”، على الرغم من أنها كُتبت باليونانية.
وهل اقتصر هذا النوع من الرقابة الثقافية على اليونان وروما فقط؟
للإنصاف، ينبغي الإشارة إلى أنَّ المسلمين أبدوا لفترة طويلة موقفًا مشابهًا، بل وعدائيًا أحيانًا، تجاه سياسة وثقافة الهند. وكما هو الحال مع اليونان وروما، فقد اقتصر اهتمامهم بالهند على الرياضيات، بما في ذلك مفهوم الصفر والنظام العشري (الذي أُطلِق عليه خطأ اسم “الأرقام العربية”)، وعلى بعض جوانب علم الفلك.
غير أنَّ هذا الإهمالَ الشامل يقفُ في تناقُضٍ صارخ مع حالةٍ واحدة استثنائية، تمثّلت في العالم المسلم البارز أبو الريحان البيروني. فقد أنجز البيروني دراسةً ضخمة ومتقدمة بعنوان “الهند”، تناول فيها ليس فقط الإنجازات العلمية للهندوس، بل أيضًا الأسس الاجتماعية والسياسية والدينية التي أنتجت هذا التقدُّم في الرياضيات والفلك وسواهما من العلوم.
ومع ذلك، ظلَّ هذا العمل العظيم مُهمَلًا إلى حدٍّ بعيد، ولم يُنتِج العالم الإسلامي “بيرونيًا” آخر يدرس اليونان أو روما بالعمق ذاته. وهكذا، بقيت المجتمعات المتوسطية القديمة، بثقافتها السياسية والاجتماعية، خارج نطاق الاهتمام الإسلامي المنهجي.
وهنا يبرز سؤال حاسم: هل كان هذا الإغلاق الثقافي في بغداد يقابله إغلاق مماثل في الغرب اللاتيني تجاه العالم الإسلامي؟
الواقع أنَّ الصورةَ كانت مُعاكِسة تقريبًا. فقبل عصر النهضة بقرون، أبدى علماء الغرب اهتمامًا ملحوظًا بعدد من الكتّاب المسلمين الذين وصلت أعمالهم إليهم عبر البحر المتوسط. وبدأت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية في أواخر القرن العاشر، وازدادت كثافة ونطاقًا في القرون التي سبقت النهضة.
ولا نجد ما يوازي هذا الفضول في الاتجاه المعاكس داخل العالم الإسلامي، لا في العصور الوسطى ولا حتى حتى القرن التاسع عشر. وهذه المفارقة تتطلّب تفسيرًا.
لماذا احتضنَ الشرق الإسلامي الفلسفة اليونانية والمنطق والرياضيات والطب بحماس شديد، حتى تفوّق على الغرب في هذه المجالات، بينما ظل منغلقًا تمامًا أمام الحكمة المتوسطية المتعلقة بالحياة الاجتماعية، وبآليات السياسة، وبالقانون؟
يُقدّمُ هذا السؤال مدخلًا إلى خطَّي تفسير رئيسيين، سيقوداننا في الحلقة الثانية إلى قلب الإشكالية الفكرية والسياسية التي شكّلت الإرث الأعمق للعصر الذهبي الإسلامي.
يتبع في المقال الثاني…
- س. فريدريك ستار هو رئيس مؤسس لمعهد آسيا الوسطى–القوقاز، وزميل متميز لشؤون أوراسيا في مجلس السياسة الخارجية الأميركي، واشنطن – ستوكهولم.
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.