لا “فَرْنَسَة” لبنان، ولا “لبْنَنَة” فرنسا

هنري زغيب*

ما زال الجمرُ الغاضبُ متأَجِّجًا تحت رماد الهدوء في پاريس ومدُن فْرنسية وأُوروبية، بعد موجةِ عُنفٍ مُدمِّرٍ اجتاح پاريس قبل أَيام، نتجَتْ عنه أَضرارٌ في الشوارع، واقتحاماتُ الرعاع محالَّ ومتاجرَ ثمينةً نادرةَ الموجودات.

قد تستطيع السُلطة الفْرنسية ضبطَ الوضْع وإِخمادَ الفوضى وإِعادة الحالة كليًّا أَو جزئيًّا إِلى الأَمن العادي. هذا شأْنها فلا يعنينا. غير أَنَّ ما يعنينا هو انتشارُ تعبيرٍ مُؤْذٍ انتشرَ على منصَّات تَواصُلٍ إِلكتروني وعلى شاشات تلڤزيونية: “اللَبْنَنَة”. فما حصل من فوضى في العاصمة الفرنسية، ذكَّر الناس بما كان يُسبِّبه رعاعٌ إِبان فترات الحرب عندنا في بعض شوارع بيروت. وهو ما كان موضوعَ اتصال بي من مؤَسس “مجلس رجال الأَعمال اللبنانيين الفرنسيين” ورئيسه السابق رفيق الدراسة في معهد الرُسُل جونيه الصديق أَنطوان منسى، غاضبًا من كلمة “اللبْنَنَة” اجتاحَت الإِعلام في فرنسا، مُشَوِّهَةً حقيقةَ لبنان الوطن ومسيرتَه المبدعة في العالم.

“اللَبْنَنة”… على وزن “البَلْقَنَة”: نسبةً إِلى شبه جزيرة البلْقان وتفكُّك دولتها وتفتُّت أَركانها إِلى كيانات صغيرة متناحرة. وهذا طبعًا لم يحصل في لبنان. فالحرب عبَرَت ولم يتفكَّك لبنان ولا تَقَسَّم إِلى كيانات، بل ما زال متماسكًا بسُلطة مركزية ومَسيرة منضبطة مهما يشوبهما من فساد وإِفساد ومفسدين بسبب “بيت بو سياسة”. وما جرى في پاريس، جرى مثلُه في بيروت، وشبيهٌ له في نيويورك ذاتَ انقطعَت الكهرباء فيها سويعاتٍ هجَم خلالها الرعاعُ مخرِّبين سارقين أَفخمَ المحالِّ في المدينة.

الرعاعُ ليسوا معيار البلاد. وتعبير “اللَبْنَنَة” في فرنسا خطأٌ بل خطيئة، لأَن الكيان اللبناني لم يتفكَّك ولم ينْقسِم، إِلَّا على أَلْسِنة المتشائمين والمشكِّكين والسَلبيين و”المعْلَيْشِيّين”. لذا لا نَقبل أَن “نَتَفَرنَس” في لبنان، ولا أَن تُستعار “اللَبْنَنَة” للفوضى في فرنسا.

فَلْتَتَوَقَّفْ عبارات “فرنسا أُمُّنا الحنون”، و”لبنان سويسرا الشرق” و”لبنان لؤْلؤَة العرب”. ولْنَكُفَّ عن استعارة الصفات الخارجية للبنان إِعلاءً شأْنه. لا لبنان “يَتَفَرنَس”، ولا فْرنسا “تَتَلَبْنَن”. فْرنسا بنتُ حضارة عريقة، ولبنان ابنُ حضارة عظيمة. وما يَتَّهِمُنا به السوى هو من تقصير “بيت بو سياسة”، فَسادُهُم يُشَوِّهُ صورة لبنان فَتَسْري بسببهم كلمة “اللَبْنَنَة” وهي سمٌّ مُجحفٌ في سمْعة لبنان.

لبنان يقاسُ بعقْله المبدِع، وبأَعلامه المبْدعين. هذه هي حقيقتُه. وما إِلَّا هكذا يجبُ أَن تَبقى صورةُ لبنان: بهيةً مُنتِجةً حيَّةً… ساطعةً في العالم.

↑
Exit mobile version