مصيبتنا في اليائسين و”الـمَعلَيشيّين”

هنري زغيب*

تعليقًا على مقالي السابق (“أَسواق العرب”: “الدولة عصا لا مكسِر عصا”) وفيه كتبتُ أَلَّا نهاجمَها “كأَنها دولةُ بلدٍ آخر، فيما هي أُمُّنا جميعِنا. الأَصحُّ هو التَذمُّر من السُلطة التي تقود الدولة”، تهاطلَت عليَّ ردودٌ شكَّك أَصحابُها في تحقيق كلامي، ونصحوني أَلَّا أُضيعَ الوقت على هذا الموضوع، لأَن أَهل السُلطة لن يتغيَّروا، بدليل أَن جلسة المجلس النيابي (الثلثاء من هذا الأُسبوع) لانتخاب هيئة مكتب المجلس وأَعضاء اللجان النيابية أَسفرَت عن إِبقاء القديم على قدمه، وفوز الجميع بالتزكية: أَمينَي السر والمفوَّضين وأَعضاء اللجان النيابية. فأَيُّ أَمل يُرجى من مجلسٍ يمدِّد ويجدِّد: يمدِّد ولايتَه إِحاديَّا دون الرجوع إِلى القاعدة التي انتخبَتْهُ، ويجدِّد ولايةَ هيئَة مكتبه دون أَيِّ جَهْدٍ لانتخاب جُدُد.

كلُّ هذا الأَعلاه، صحيح. لكن رَدِّي عليه هو ذاتُه أُكرِّرُه كلَّ مرة: لا تنتقدوا سلطةً أَنتم جئْتُم بها صاغرين طائعين، أَو مُلْزَمين مُرغَمين. الحلُّ بين أَصابعكم أَنتم في كفِّ يدكم أَنتم لحظةَ تنتخبون مَن تَرَوْن أَنتم أَنهم صالحون ليَدخلوا السُلطة ويُصلحوا الدولة. لكنَّ هذا لن يتِمَّ إِن بَقيتُم انهزاميين يائسين سلبيِّين مُشكِّكين متشائمين، أَو إِن تساهلْتم استسلاميين “مَعْلَيْشيين” راضين بما يجري، كسولين عاجزين غيرَ طامحين إِلى تغييره، فيعودُ القديم إِلى قِدَمِه ويُحَكِّمُ قدَمَه في مستقبل البلاد.

التغييرُ عَدوُّهُ الاستسلامُ وخنوعُ “المعْلَيْشية”، والرضا بالموجود يأْسًا من تغييره ولو كُفرًا به. الثورةُ الفْرنسية لم تولد سنة 1789، بل بدأَت خطواتُ تحضيرها منذ 1750، أَي قبل 40 سنةً في نداءات الكُتَّاب التنويريين والمفكِّرين التغييريين والفلاسفة الرؤْيويين: ڤولتير وروسو ومونتيسكو وسواهم، راحوا تَوَاليًا يُوَعُّون شعبهم فكريًّا منتقدين استبدادَ أَهل السُلطة، والامتيازات السياسيةَ في طبقة الملوك ونسْلهم وأَزلامهم، إِلى أَن نضَجَت الثورة فانفَجَرَتْ فجر الثلثاء 14 تموز/يوليو 1789 باقتحام سجْن الباستيل وتحرير سجنائه المظْلومين.

هذا السيناريو يتكرَّر أَينما كان، كلَّما ضاق الخناق على شعبٍ يرزَح تحت نير سلطةٍ لا تتجدَّدُ بل تجدِّدُ لأَهلها ذاتهم إِحاديًّا، فيُضَيِّفُوننا نسْلهم وأَزلامهم ومحاسيبهم، ويبقى الوضْع على حاله، والفسادُ على حاله، والانهيارُ على حاله في يد متحكِّمين مطمئنين إِلى زُمرةٍ مخدوعين مستزلمين بالمقولة الخانعة: “اليدُ التي لا تستطيع كَسْرها، قبِّلْها وادْعُ عليها بالكَسْر”.

لا. أَبدًا. لا تُقَبِّلوا أَيديَ من أَدَّوا بكُم إِلى الانهيار. فاخلَعوا يأْسكم وخنوعكم و”مَعْلَيْشياتكم”، وانتَفِضوا بِعَزْم وقوَّة، وازرعوا منذ اليوم نَبتةَ كرمةٍ صغيرةً ليأْكلَ لاحقًا أَحفادُكم من عناقيد عنبها. هَلُمُّوا. إِنهضُوا. استيقِظُوا. بلى: إِنكم أَنتم قادرون على التغيير، فلا تَكُونوا مَكْسِر عصا بل كُونوا أَنتُم العصا، ولتَكْنْ أَولُ ضربةٍ من عصاكم: معاقبةَ الفاسدين يومَ الانتخابات بحذْف أَسمائهم في صندوقة الاقتراع.

↑
Exit mobile version