الدولة عصا لا مكسِرَ عصا

هنري زغيب*

أَسمعُ حولي يوميًّا، في الحلقات العامة والخاصة، شكاوى ومطالبَ، وسلاسلَ متَّصلةً متلاحقةً من النَقِّ والتذَمُّر والتأَفُّف، واللعَنات الساخطة الصاخبة على الدولة ومثالبِها وتقصيرِها ونواقصِها. وأَسمع، بإِيقاعٍ أَقلَّ وبالأَسماء، تذَمُّرًا من زعماء وسياسيين ومسؤُولين يتولَّون قيادة هذه الدولة ومرافقَها ومناصبَها، وما في مؤَسساتها من تسميات مختلفة.

جميعُهم يجعلون الدولة مكسِر عصا بتجهيل الأَسماء، لأَنها هيئة معنوية بالمطْلق ولن تحاسبَهم، فيما لا يتجاسرون على تسمية الهيئات خوفًا من حسابات لديهم خائفة أَو جبانة أَو متحاشية.

يجعلون الدولة مكسِر عصا كأَنها دولةُ بلدٍ آخر، فيما هي أُمُّنا جميعِنا في الوطن، وحاميَتُنا من الأَخطار، ومظلَّتُنا في الملِمّات والشدائد. وليس من يجعل أُمَّه مكسِر عصا. الأَصحُّ: أَن يتذمَّروا من السُلطة التي تقود الدولة، لا من الدولة التي تقع أَو تنهض وَفْقَ من يتولَّى السُلطة لقيادتها. التذمُّر يكون من هيئة مادية مسؤُولة، لا من هيئة معنوية بدون سلطة.

السؤَال بكل بساطة: مَن جاء بهذه السلطة؟ مَن انتخب نوَّابَها فتَلَبَّسُوا كُتَلًا نيابية، تضَع أَنفها في تشكيل الحكومات، وتضع ثقْلها في جميع التعيينات، وتضع نفوذها في جميع مفاصل الدولة وُصُولًا إِلى طلَّاب الجامعات.

تحتقن الآراء، تنقسم الجهات، تتفتَّت السلطة، تنهار إِنجازاتها، تضعُف هيبتها، فتَنصَبُّ عليها لعناتُ الناسِ والناسُ هم المسؤُولون عن وصول الفاسدين إِلى السُلطة. فكيف يهاجمونها وهم أَتَوا بها؟

إِذًا، فليكُن واضحًا بشكل مباشِر: الناخب هو المسؤُول. فليستعمل عصاه يوم الانتخاب، كي لا يصلَ إِلى السلطة إِلَّا طقمٌ جديدٌ يليق به ويليق له أَن يتولى قيادة الدولة، فتصبحُ الدولةُ هي العصا التي تضرِب، لا مكسِر العصا الذي يتلقَّى الضرَبات.

العصا لمن عصى؟ صحيح. فلنأْتِ إِذًا بدولة قوية، تحكُمها سلطةٌ سالمة من الفساد، فنرى عندئذٍ دولةَ مواهب لا دولةَ مذاهب، ودولةَ مستحقِّين لا دولة محسوبين، ودولةً رجالُها في خدمتِها لا دولةَ فاسدين يجعلون الدولة في خدمتهم وينقُلُون فسادهم بالوراثة إِلى نسلهم وأَزلامهم والمحاسيب.

السُلطة الصالحة تأْتي بدولة صالحة، حتى تستقيمَ كلتاهما، فتستحقَّا الحُكم، وتستاهلا شعبًا يعرف نعمة الانتماء إِلى وطنٍ خالدٍ بتراثه ونِعَمه وأَعلامه، اسمُه… لبنان.

↑
Exit mobile version