من كورش الكبير الذي تحتفي به الذاكرة اليهودية، إلى “أرض الميعاد” وكربلاء والانقسام السنّي ـ الشيعي، يستحضر الشرق الأوسط تاريخًا طويلًا من العلاقات والصراعات التي لا تزال تلقي بظلالها على حاضره. فحين تستدعي الدول أمجاد الماضي ومآسيه لتبرير سياساتها وتوسيع نفوذها، تتحوّل الخلافات السياسية إلى مواجهات وجودية، وتجد الشعوب العربية نفسها في قلب صراعات تبدو معها الحروب قدرًا لا مفرَّ منه.
ميشال مظلوم*
من مفارقات التاريخ أنَّ كورش الكبير، مؤسس الإمبراطورية الفارسية، يحتلُّ مكانةً إيجابية في الذاكرة اليهودية، بينما تقف إيران وإسرائيل اليوم على طَرَفََي مواجهة تُهدّدُ استقرارَ الشرق الأوسط. فقبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام، دخل الملك الفارسي بابل سنة 539 قبل الميلاد، وارتبط اسمه في النصوص التوراتية بالسماح لليهود المنفيين بالعودة إلى ديارهم وإعادة بناء معبدهم في القدس. أما اليوم، فتستحضر طهران وتل أبيب وواشنطن صفحات مختلفة من الماضي لتأكيد هوياتها وتفسير صراعاتها. وبين صورة كورش في الذاكرة اليهودية والخطاب الذي يُصوّر المواجهة الراهنة باعتبارها صراعًا وجوديًا، يبرز سؤال يتجاوز أطرافها الثلاثة: لماذا تحتاج الدول إلى استدعاءِ حروبِ التاريخ لتبرير حروب الحاضر؟
لا تنفصل السياسة عن الذاكرة التاريخية. فالشعوب تستمد من ماضيها رموزًا تُعزّزُ هويتها، والدول تستعين بهذه الرموز لتأكيد شرعيتها وتعبئة مجتمعاتها. لكنَّ استحضار التاريخ يصبح إشكاليًا عندما تُنتَزَع أحداثه من ظروفها، وتُقدَّم باعتبارها دليلًا على عداوات أبدية أو صراعات لا يُمكن تسويتها. عندئذٍ لا يعود الماضي وسيلة لفهم الحاضر، بل يتحوّل إلى أداةٍ سياسية تمنح القرارات الراهنة غطاءً أخلاقيًا، وتُوحي بأنَّ الحروب ليست نتيجة خيارات اتخذتها حكومات، وإنما امتدادٌ لمواجهات بدأت قبل قرون.
التاريخ بين الحقائق والأساطير
تكشف العلاقة التاريخية بين الفرس واليهود هشاشة هذا المنطق. فدخول كورش بابل ارتبط بسياسة سمحت لجماعاتٍ مَنفيّة بالعودة إلى مواطنها واستعادة بعض مؤسساتها الدينية. وتشير “أسطوانة كورش”، المحفوظة في المتحف البريطاني، إلى إعادة تماثيل الآلهة إلى معابدها وإلى عودة جماعات إلى مناطقها، لكنها لا تذكر اليهود بالاسم. أما الرواية المُتعلّقة بعودتهم إلى القدس وإعادة بناء المعبد، فترد في النصوص التوراتية، وتنسجم في خطوطها العامة مع السياسة الإمبراطورية التي اتبعها كورش. ولم تكن تلك السياسة تعبيرًا عن مفهومٍ حديث لحقوق الإنسان، بل أسلوبًا في إدارة إمبراطورية متعددة الشعوب والثقافات. مع ذلك، فإنَّها تُظهر أنَّ العلاقات بين الجماعات البشرية لا تسير وفق خطوط عداء ثابتة، وأنَّ خصومات الحاضر لا تختصر بالضرورة تاريخ الشعوب التي تخوضها.
الأمرُ لا يختلف كثيرًا عند استحضار الحروب الفارسية ـ اليونانية، التي تُستخدَم أحيانًا لتصوير الصراع بين الشرق والغرب باعتباره مواجهة ممتدة منذ العصور القديمة. فقد شهد القرن الخامس قبل الميلاد حروبًا بين الإمبراطورية الفارسية ومدن يونانية، لكنَّ تلك الحروب لم تمنع التحالفات والتجارة والتبادل الثقافي. كما أنَّ العالم القديم لم يعرف مفهوم “الحضارة الغربية” بمعناه السياسي المعاصر. وبعد فتوحات الإسكندر المقدوني، نشأت مجتمعات امتزجت فيها التقاليد اليونانية والفارسية والآسيوية. ولم يكن التاريخ، إذًا، سلسلة مُتَّصلة من الصدام، بل مسارًا متشابكًا من الحروب والتفاعل والتأثير المُتبادَل.
غير أنَّ هذه الصورة المُعقَّدة لا تخدم دائمًا الخطاب السياسي. فالحكومة التي تواجه خصمًا عسكريًا أو استراتيجيًا تجد في التاريخ مخزونًا من الرموز القادرة على تحويل النزاع من خلافٍ حول الأمن والنفوذ والمصالح إلى مواجهة بين الخير والشر، أو بين هويتين لا يمكن التوفيق بينهما. وتكمن خطورة هذا التحوُّل في أنَّه يرفع كلفة التسوية؛ فالتراجع عن موقفٍ سياسي قد يبدو تنازلًا مشروعًا في إطار التفاوض، لكنه يصبح خيانة عندما يُقدَّم الصراع باعتباره دفاعًا عن رسالة تاريخية أو هوية مهددة بالفناء.
حين تتحوّل الذاكرة إلى شرعية سياسية
في إيران، تتداخل الذاكرة الإمبراطورية الفارسية مع التراث الإسلامي الشيعي في تشكيل الهوية الوطنية والخطاب السياسي، وإن بدرجاتٍ مختلفة بين الدولة والمجتمع. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، احتلت مفاهيم المقاومة والمظلومية والتضحية مكانةً مركزية في خطاب السلطة، مُستندةً إلى رمزية واقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين. وتُستَخدَم هذه الرمزية لإضفاءِ بُعدٍ أخلاقي وديني على المواجهات السياسية، ولا سيما مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لكنَّ السؤال الذي تثيره هذه المقاربة هو ما إذا كانت المعاني الدينية لواقعة تاريخية يمكن أن تتحوّل إلى مبرر دائم لسياسات دولة معاصرة، تخضع في النهاية لحسابات الأمن والمصالح وموازين القوى.
تتجاوز آثار هذا التوظيف حدود إيران لتطاول علاقاتها بالدول العربية، حيث شكّل الانقسام السنّي ـ الشيعي أحد أبرز أطر التعبئة في صراعات المنطقة. فالخلاف الذي نشأ حول الخلافة بعد وفاة النبي محمد سنة 632، واكتسبت فيه واقعة كربلاء سنة 680 مكانة مركزية في الذاكرة الشيعية، لم يتحوّل عبر التاريخ إلى حرب متصلة بين جماعتين. وقد عرفت المجتمعات الإسلامية مراحل طويلة من التعايش والتفاعل، مثلما عرفت فترات من التوتر والاقتتال. لكنَّ القوى السياسية المعاصرة تستدعي من هذا التاريخ لحظات الصدام أكثر مما تستحضر فترات العيش المشترك، فتُلبس نزاعات النفوذ والسلطة ثوبًا مذهبيًا يوحي بأنَّها امتدادٌ لخلافٍ لم يُحسم منذ أربعة عشر قرنًا.
وقد تعزّز هذا البُعدُ بعد الثورة الإيرانية سنة 1979، ثم مع التحولات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، حين أصبحت الهوية المذهبية أداةً مؤثّرة في بناء التحالفات وحشد الأنصار، وبرز أثرها بدرجات متفاوتة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. مع ذلك، فإنَّ وصف التنافس العربي ـ الإيراني بأنه صراع سنّي ـ شيعي خالص يحجب عوامل حاسمة، منها أمن الدول وسيادتها والتنافس على النفوذ والموارد. فإيران أقامت علاقات وتحالفات مع قوى غير شيعية، كما لم تتخذ الدول العربية موقفًا واحدًا منها. لذلك، لا يصنع التاريخ المذهبي هذه الصراعات وحده، لكنه يوفّر لغة شديدة التأثير لتعبئتها، وقد يجعل التسوية السياسية تبدو تراجعًا عن العقيدة بدل أن تكون معالجة لمصالح متعارضة.
المفارقة هنا هي أنَّ التاريخ نفسه أصبح مجالًا للصراع داخل إيران. فبينما تمنح السلطة الأولوية لهويتها الثورية والإسلامية، يستحضر قطاعات من الإيرانيين الإرث الفارسي السابق للإسلام باعتباره تعبيرًا عن هوية وطنية أوسع. ويستعين بعض معارضي النظام برموزٍ من الأدب والأساطير الفارسية لتصوير مواجهتهم مع السلطة بوصفها نضالًا ضد الاستبداد. وهكذا لا يوجد تاريخ إيراني واحد تتحدَّث باسمه الدولة، بل روايات متنافسة حول معنى إيران وموقع الدين والسلطة والحرية في مستقبلها. وهذا التعدد يكشف أنَّ احتكار تفسير الماضي قد يكون جُزءًا من الصراع على شرعية الحكم، لا مجرّد خلافٍ ثقافي.
لعلَّ المثال الأكثر ارتباطًا بالصراع على الأرض هو توظيف الروايات الدينية والتاريخية في المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل. فقد استندت الحركة الصهيونية، منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر، إلى فكرة الارتباط التاريخي للشعب اليهودي بفلسطين، إلى جانب دوافع قومية وسياسية غذّاها اضطهاد اليهود في أوروبا. وأضفت الرواية التوراتية عن “أرض الميعاد” بُعدًا دينيًا على هذا الارتباط، وإن اختلفت مكانتها بين التيارات الصهيونية العلمانية والدينية. ومع قيام إسرائيل سنة 1948، وما رافقه من تهجير واسع للفلسطينيين، أصبح التناقض واضحًا بين مشروع إقامة وطن قومي لليهود وحقوق الشعب الفلسطيني الذي كان يعيش على الأرض نفسها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لذاكرة تاريخية أو لوعدٍ ديني، مهما بلغت مكانته لدى المؤمنين به، أن يشكّل سندًا لتجريد شعب آخر من أرضه وحقوقه الوطنية؟
وازداد توظيف هذه الرواية وضوحًا بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، سنة 1967. فقد تبنّت حركات دينية قومية إسرائيلية تفسيرًا يرى في السيطرة على أجزاء من الأرض الفلسطينية تحقيقًا لوعدٍ توراتي، واستخدمته لتبرير إقامة المستوطنات وتوسيعها. ولم يكن هذا التفسير محل إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي أو بين الجماعات اليهودية، لكنه أصبح مؤثرًا في تيارات سياسية واستيطانية. وفي المقابل، يستند القانون الدولي إلى قواعد مختلفة تمامًا، أبرزها عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن ثمَّ، فإنَّ جوهر المسألة ليس إنكار الارتباط التاريخي أو الديني لليهود بهذه الأرض، بل رفض تحويل ذلك الارتباط إلى مبرر للاحتلال والاستيطان أو الانتقاص من الحقوق الفلسطينية.
أما في إسرائيل، فتحتلُّ ذاكرة الاضطهاد الذي تعرَّض له اليهود، وصولًا إلى المحرقة النازية (الهولوكوست)، موقعًا أساسيًا في الوعي الوطني والسياسة الأمنية. ومن الصعب فهم حساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه التهديدات من دون إدراك ثقل هذه التجربة التاريخية. لكنَّ الاعتراف بهذه المأساة لا يجعل السياسات الإسرائيلية مُحَصَّنة من النقد، ولا يمنح أي حكومة تفويضًا مفتوحًا باستخدام القوة. فالحرب في غزة، وما خلّفته من خسائر بشرية ودمار واسع ومعاناة للمدنيين الفلسطينيين، تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن لذاكرة شعب تعرَّض للاضطهاد أن تتعايش مع سياسات لا توفر الحماية الكافية لشعبٍ آخر من المعاناة؟
لا يتعلق الأمر بإنكار المخاوف الأمنية الإسرائيلية أو التقليل من أثر الهجمات التي تعرّض لها الإسرائيليون، بل بالتمييز بين حق الدولة في حماية مواطنيها وحدود الوسائل التي تستخدمها لتحقيق ذلك. فالتاريخ يُفسّر بعض دوافع السياسة، لكنه لا يعفي أصحاب القرار من المسؤولية عن نتائجها. وعندما تصبح الذاكرة التاريخية المرجعية الوحيدة لتحديد طبيعة التهديد، قد تُختزل المجتمعات الأخرى في صورة العدو، وتتراجع قدرتها على الظهور بوصفها شعوبًا لها حقوق ومخاوف وتطلعات مشروعة.
في الولايات المتحدة، يتخذ توظيف التاريخ شكلًا مختلفًا، يرتبط بفكرة الدفاع عن الحضارة الغربية وقيم الحرية والديموقراطية. ويستحضر بعض الخطابات السياسية الإرث اليوناني والروماني لتأكيد خصوصية الغرب في مواجهة قوى تُصوَّر باعتبارها نقيضًا له. غير أنَّ هذا التصور يتجاهل أنَّ الحضارة الغربية نفسها نتاج تفاعلات طويلة مع حضارات أخرى، بينها الحضارات العربية والإسلامية والفارسية. كما أنَّ تاريخ الغرب لا يقتصر على تطور الحريات والمؤسسات الدستورية، بل يشمل أيضًا الاستعمار والعبودية والحروب. لذلك، فإنَّ الادعاء بالدفاع عن قيم حضارية لا يكتسب صدقيته من الانتماء التاريخي إليها، بل من مدى الالتزام بها في السياسات الفعلية.
هنا تظهر مفارقة مشتركة بين القوى المتنافسة. فإيران التي تستند إلى خطاب مقاومة الظلم مطالبة بأن تُخضَع سياساتها الداخلية والخارجية للمبادئ التي تعلنها. وإسرائيل التي تستحضر مأساة الاضطهاد التاريخي مطالبة بأن تحترم حقوق الفلسطينيين وأمنهم وكرامتهم. والولايات المتحدة التي تقدم نفسها مدافعة عن الحرية وحقوق الإنسان مطالبة بأن تُطبّق هذه المبادئ بصورة متسقة، لا أن تجعلها رهينة المصالح والتحالفات. فالقيم لا تتحول إلى مصدر للشرعية لمجرد نسبتها إلى حضارة معينة، وإنما عندما تنعكس في سلوك الدول تجاه مواطنيها والآخرين.
المنطقة العربية تدفع ثمن صراعات الآخرين
لكنَّ الكلفة الأشد لهذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ تقع غالبًا على المنطقة العربية، حيث تتحول الصراعات التي تُقدَّم بوصفها مواجهات حضارية إلى حروب فعلية تُدمّر المدن وتُضعف الاقتصادات وتُهدد استقرار الدول. فالأزمات في غزة ولبنان والعراق وسوريا واليمن ليست فصولًا جديدة في حروب قديمة بين الفرس واليهود أو الشرق والغرب، بل نزاعات معاصرة تتعلق بالسيادة والأرض والأمن والنفوذ وحقوق الشعوب. وعندما تطغى عليها لغة الثأر التاريخي والصراع الوجودي، تصبح معالجة أسبابها السياسية أكثر صعوبة، لأنَّ التسوية تُصوَّر باعتبارها هزيمة أخلاقية لا حلًا ممكنًا.
من هنا، لا يصحّ النظر إلى الانقسام السنّي ـ الشيعي بوصفه تفسيرًا جامعًا لأزمات المنطقة، ولا تجاهل حضوره القوي في بعضها. فحين يُختزل خلافٌ على الحكم أو السيادة في هوية مذهبية، يضيق المجال أمام التسويات التي تقوم على المواطنة والمؤسسات والمصالح المشتركة، ويصبح المواطنون الذين لا يختارون الحرب أسرى روايات تُحمّلهم أوزار الماضي.
تزداد خطورة هذه المقاربة عندما تُستخدَم لتبرير التدخُّل في شؤون الدول أو تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات. فالعراق، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يُختَزَل في موقعه ضمن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، كما أنَّ لبنان لا يمكن النظر إليه فقط من زاوية دوره في توازن الردع الإقليمي. لكلِّ دولة مصالحها ومؤسساتها ومجتمعها وأزماتها الاقتصادية، ولكلِّ شعبٍ حقٌّ في ألّا تتحول حياته ومستقبله إلى امتدادٍ لصراعٍ أوسع. غير أنَّ الخطابات القائمة على الانتماء الحضاري أو العقائدي كثيرًا ما تُهمّش هذه الحقائق، وتمنح الأولوية لمعارك تتجاوز إرادة المجتمعات التي تدفع ثمنها.
الواقع أنَّ تحويل التاريخ إلى سلاحٍ يمنح الحكومات مكاسب سياسية قصيرة المدى. فهو يعزز التعبئة الشعبية، ويقوّي الشعور بالخطر المشترك، ويساعد على تبرير التضحيات العسكرية والاقتصادية. لكنه يحمل كلفة بعيدة المدى، إذ يُضيّق مساحة النقد، ويجعل التسويات أكثر صعوبة، ويمنح النزاعات قدرة على الاستمرار حتى عندما تتغيّر الظروف التي أدت إلى اندلاعها. فالحرب التي تبدأ بسبب حسابات أمنية أو سياسية قد تصبح أصعب إنهاءً عندما يُقنِعُ القادة شعوبهم بأنَّها امتداد لمعركة تاريخية لا يجوز التراجع عنها.
لا يعني ذلك أنَّ الذاكرة التاريخية ينبغي أن تُستَبعَد من فهم السياسة. فالماضي يساعد على تفسير المخاوف والهويات والحساسيات التي تؤثر في سلوك الدول والمجتمعات. لكنَّ الفارق كبير بين استحضاره لفهم أسباب النزاع، واستدعائه لإثبات أنَّ النزاع حتمي. ففي الحالة الأولى، يمكن للتاريخ أن يفتح بابًا لفهم الخصم والبحث عن تسوية. أما في الثانية، فإنَّه يتحوّل إلى قَيدٍ على السياسة، لأنَّ الاعتراف بالمصالح المتبادلة أو تقديم التنازلات يصبح خروجًا على رواية تاريخية جرى تحويلها إلى عقيدة.
لعلَّ الدرس الأهم الذي يُقدّمه تاريخ المنطقة هو أنَّ الحضارات لم تتطور خلف أسوارٍ مُغلقة. فقد تداخلت الثقافات الفارسية واليونانية والعربية والإسلامية والأوروبية عبر التجارة والترجمة والهجرة والحروب نفسها. وأسهم مفكرون وعلماء من خلفيات مختلفة في بناء تراث إنساني مشترك، من دون أن يمنع ذلك وقوع الصراعات بينهم. وهذه الحقيقة لا تُقدّمُ صورةً مثالية عن الماضي، لكنها تُسقط الادعاء بأنَّ العداءَ بين الشعوب قدرٌ ثابت، أو أنَّ الاختلاف الحضاري يحول دون التفاهم والتعايش.
في النهاية، ليست المشكلة في أن تستحضر إيران كورش أو كربلاء، أو أن تستند إسرائيل إلى ذاكرتها التاريخية، أو أن تعتز الولايات المتحدة بالإرث الذي ساهم في تشكيل مؤسساتها وقيمها. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه الذاكرة إلى أداة لإضفاء قداسة على قراراتٍ سياسية قابلة للنقاش والمراجعة، وعندما يُستخدم الماضي لإقناع المجتمعات بأنَّ الحروب التي تخوضها اليوم ليست خيارات اتخذها قادتها، بل واجبات فرضها عليها التاريخ.
إنَّ أخطر ما تفعله الدول بالتاريخ ليس تزوير وقائعه فحسب، بل تحويله إلى قدرٍ سياسي يُقنع الشعوب بأنَّ حروب اليوم لم تبدأ بقرارات حكّامها، وأنَّ إنهاءها ليس في استطاعتها.
- ميشال مظلوم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
