إسرائيل بعد نتنياهو… حتى لو بقي في الحكم

بصرف النظر عمّن سيُشكّل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أيُّ قيادة جديدة تغيير العقيدة السياسية والأمنية التي رسّخها بنيامين نتنياهو، أم أنَّ إسرائيل التي تغيّرت في عهده باتت عصيّة على التغيير؟

الانتخابات قد تغيّر الوجوه، لكن هل تغيّر النهج الذي رسّخه نتنياهو؟

كابي طبراني*

قبل عشر سنوات، وبالتحديد في 8 حزيران (يونيو) 2016، نشر رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، ألوف بن، في مجلة “فورين أفّيرز” الأميركية مقالًا بعنوان “نهاية إسرائيل القديمة”، تناول فيه التحوّلات السياسية والاجتماعية التي كانت تُعيدُ تشكيل الدولة العبرية في ظلِّ حكم بنيامين نتنياهو. يومذاك، بدت هذه التحوّلات جُزءًا من صراعٍ داخلي بين النخب العلمانية والليبرالية التي هيمنت على مؤسسات الدولة منذ تأسيسها، وبين القوى القومية والدينية الصاعدة التي سعت إلى إعادة تعريف هوية إسرائيل وأولوياتها السياسية. أما اليوم، وبعد عقدٍ من التغيُّرات المتراكمة وثلاث سنوات من الحروب الإقليمية، فقد تجاوزت نتائج ذلك الصراع حدود السياسة الداخلية، وأصبحت تنعكس بصورة مباشرة على طبيعة العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين وجيرانها، وعلى مستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

تأتي الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، في لحظة تكشف حجم التحوُّل الذي شهدته إسرائيل خلال السنوات الماضية. فالمنافسة الحادة بين نتنياهو وخصومه تدور حول قضايا أساسية تتعلق بمسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاق الأمني في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ومستقبل القضاء والمؤسسات الديموقراطية والعلاقة بين الدين والدولة. غير أنَّ هذه الخلافات، على أهميتها، لا تعكس بالضرورة تباينًا مماثلًا حول الخيارات الاستراتيجية التي تحكم علاقة إسرائيل بالفلسطينيين وبمحيطها الإقليمي. ومن هنا، فإنَّ السؤال الأهم لا يتعلق بهوية رئيس الوزراء الذي سينجح في تشكيل الحكومة المقبلة، بل بمدى قدرة أيِّ قيادةٍ جديدة، حتى لو جاءت من صفوف المعارضة، على مراجعة السياسات التي أصبحت جُزءًا من التفكير السياسي والأمني الإسرائيلي.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بعدما أظهرت الحروب الأخيرة قدرة إسرائيل على تغيير موازين القوة العسكرية في عدد من الجبهات، من دون أن يتّضح بعد كيف يمكن تحويل هذه المكاسب إلى ترتيبات سياسية مستقرة. فقد استطاعت إسرائيل توجيه ضربات كبيرة إلى خصومها، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات متزايدة تتعلق بمستقبل الأراضي الفلسطينية، وبأمن حدودها، وبعلاقاتها الدولية، وبالكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهات الطويلة. وبين التفوُّق العسكري وصعوبة الوصول إلى تسوية، تتشكّل مُعضِلة استراتيجية لن تزول بالضرورة مع تغيير الحكومة.

من إدارة الصراع إلى عقيدة أمنية جديدة

لم تبدأ التحوّلات التي شهدتها إسرائيل مع نتنياهو، لكنها اكتسبت خلال سنوات حكمه الطويلة اتجاهًا أكثر وضوحًا. فمنذ تعثر عملية السلام في التسعينيات، تراجعت تدريجيًا الثقة بإمكان التوصل إلى تسوية تاريخية مع الفلسطينيين، وساهمت الانتفاضة الثانية والانقسام الفلسطيني والحروب المتكررة في غزة في تعزيز قناعة لدى قطاعات واسعة من المجتمع والمؤسسة الأمنية بأنَّ الصراع لا يمكن حله في المدى المنظور، وإنما يمكن احتواؤه بواسطة التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي. وقد بنى نتنياهو مشروعه السياسي على هذه القناعة، مُقدِّمًا نفسه بوصفه الزعيم القادر على توفير الأمن من دون دفع الثمن السياسي الذي تتطلبه التسويات، وعلى تطوير علاقات إسرائيل الإقليمية من دون تقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين.

مع مرور الوقت، تحوّلت هذه المقاربة من سياسة حكومية إلى إطارٍ أوسع للتفكير الاستراتيجي. فقد توسع الاستيطان في الضفة الغربية، وتراجعت فرص قيام دولة فلسطينية متّصلة جغرافيًا وقابلة للحياة، فيما انتقلت فكرة حل الدولتين من مركز النقاش السياسي الإسرائيلي إلى هامشه. وفي المقابل، ساعد النمو الاقتصادي والتفوق التكنولوجي والعسكري على ترسيخ الاعتقاد بإمكان المحافظة على الوضع القائم بكلفة يمكن تحمّلها. وجاءت اتفاقات التطبيع مع عدد من الدول العربية لتُعزّز الانطباع بأنَّ إسرائيل تستطيع الاندماج تدريجيًا في محيطها الإقليمي، حتى في غياب تقدُّمٍ حقيقي نحو تسوية القضية الفلسطينية.

ولم يعد الاستيطان مجرد سياسة يمكن لحكومة جديدة تعديلها بقرار إداري، بعدما أوجد على الأرض شبكة متنامية من المستوطنات والبنى التحتية والترتيبات القانونية والأمنية التي يصعب تفكيكها. فكلما اتسع هذا الواقع، ازدادت الكلفة السياسية والعملية لأي محاولة لإعادة رسم الحدود أو إحياء تسوية تقوم على دولتين. وهكذا باتت بعض الخيارات التي تبنّتها الحكومات المتعاقبة تقيّد بدورها هامش الخيارات المتاحة أمام الحكومات المقبلة.

غير أنَّ هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 كشفت هشاشة هذه الحسابات، وأظهرت أنَّ التفوق العسكري والتكنولوجي لا يحول دون وقوع إخفاقات أمنية كبرى، وأنَّ تجاهل القضية الفلسطينية لا يعني خروجها من المعادلات الإقليمية. وكان يمكن لهذه الصدمة أن تفتح نقاشًا واسعًا حول حدود سياسة إدارة الصراع، إلّا أنَّ الاتجاه الغالب داخل إسرائيل سار نحو توسيع استخدام القوة، في ظلِّ الرغبة في استعادة الردع ومنع تكرار الهجمات. وهكذا انتقلت السياسة الإسرائيلية تدريجيًا من احتواء التهديدات إلى محاولة تغيير البيئة الأمنية المحيطة بها، عبر عمليات عسكرية واسعة تستهدف إضعاف الخصوم ومنعهم من إعادة بناء قدراتهم.

ولم يقتصر هذا التحوُّل على قطاع غزة، حيث خلّفت الحرب دمارًا واسعًا وخسائر بشرية هائلة، بل امتدَّ إلى لبنان وسوريا وإيران. فقد تغيّرت المعادلات العسكرية التي حكمت الحدود اللبنانية لسنوات، وعززت إسرائيل وجودها في مناطق سورية تعتبرها ذات أهمية أمنية، فيما تحوّلت المواجهة مع إيران من حرب ظل طويلة إلى صدام عسكري مباشر. وبذلك أصبحت إسرائيل أكثر استعدادًا لاستخدام القوة خارج حدودها، وأكثر ميلًا إلى اعتبار العمليات الوقائية والمناطق العازلة أدوات مستمرة لضمان أمنها، بدل الاكتفاء بالردع التقليدي أو بالتفاهمات السياسية.

لكن هذا التحوُّل يطرح مشكلة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فإضعاف الخصوم لا يعني بالضرورة إزالة الأسباب التي تدفعهم إلى المواجهة، كما أنَّ الاحتفاظ بمناطق عازلة أو تنفيذ عمليات متكررة قد يفرض التزامات أمنية واقتصادية متزايدة، ويخلق مصادر جديدة للتوتر. من هنا، فإنَّ نجاح العمليات العسكرية لا يمكن قياسه بحجم الأضرار التي تلحق بالخصوم وحده، بل بمدى قدرتها على إنتاج واقع أكثر استقرارًا وأقل عُرضةً للانفجار.

وتزداد أهمية هذه المعضلة إذا أخذنا في الاعتبار التحوّلات الاجتماعية والسياسية داخل إسرائيل. فقد تراجع نفوذ النخب العلمانية التي ارتبطت تاريخيًا بحزب العمل، وتعزز حضور التيارات القومية والدينية، وأصبح المشروع الاستيطاني أكثر تجذّرًا في الحياة السياسية والمؤسساتية. وأسهمت هذه التطورات في نقل مواقف كانت تُعدّ في السابق جُزءًا من برنامج اليمين إلى دائرةٍ أوسع من الإجماع الإسرائيلي، خصوصًا في ما يتعلق برفض السيادة الفلسطينية والتشدد تجاه التهديدات الخارجية. لذلك، فإنَّ أي مراجعة مستقبلية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية لن تكون مجرد قرار يتخذه رئيس حكومة جديد، بل ستتطلب تحوُّلًا أعمق في مواقف المجتمع ومؤسسات الدولة.

تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسة

تكشف الانتخابات الأخيرة عن انقسام سياسي واجتماعي حاد داخل إسرائيل، لكنها تطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول طبيعة البديل الذي يمكن أن تقدمه المعارضة إذا نجحت في تشكيل الحكومة. فالمنافسة بين نتنياهو وخصومه لا تقتصر على الخلافات الشخصية أو الحسابات الحزبية، بل تشمل قضايا جوهرية تتعلق باستقلال القضاء، وحدود نفوذ الأحزاب الدينية، وإعفاء المتدينين المتشددين من الخدمة العسكرية، ومسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاقات الأمنية. وهذه مسائل مهمة، لأنها تحدد طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي ومستقبل العلاقة بين مؤسسات الدولة ومكوناتها الاجتماعية.

وليست هذه المعضلة جديدة على السياسة الإسرائيلية. فقد أظهرت تجربة حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد، التي تولت السلطة بين عامي 2021 و2022، أنَّ إبعاد نتنياهو عن رئاسة الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسات التي ارتبطت بعهده. فعلى الرغم من مشاركة أحزاب من اليسار والوسط، إلى جانب حزب عربي، في الائتلاف الحكومي، استمر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وبقيت القضية الفلسطينية خارج أولويات الحكومة التي حرصت على تجنُّب الخلافات القادرة على تهديد بقائها. وقد كشفت تلك التجربة أنَّ الاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو أسهل من الاتفاق على بديل سياسي واستراتيجي لنهجه، وأنَّ أي ائتلاف جديد يجمع قوى متباينة قد يجد نفسه أمام المعضلة ذاتها.

غير أنَّ التباين في هذه القضايا لا يقابله اختلافٌ مماثل في النظرة إلى عدد من الملفات الإقليمية. فغادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وأبرز منافسي نتنياهو، يمثل توجُّهًا أكثر حرصًا على استقلال المؤسسات واحترام القواعد الديموقراطية، كما ينتقد تساهل الحكومة مع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية. لكنه لا يتبنى مشروعًا سياسيًا يقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الظروف الراهنة، ولا يختلف جذريًا مع المؤسسة الأمنية في اعتبار إيران والتهديدات الإقليمية تحديات تستدعي المحافظة على قدرة عسكرية رادعة. وتتركز بعض خلافاته مع نتنياهو على أهداف العمليات العسكرية وتوقيتها وحدودها، وعلى ضرورة الجمع بين القوة والديبلوماسية، أكثر مما تتركز على مراجعة شاملة للسياسة الأمنية الإسرائيلية.

ويظهر هذا التقارب أيضًا في النقاش حول لبنان، حيث لا يقتصر الخلاف بين نتنياهو وآيزنكوت على مبدأ استخدام القوة أو الحاجة إلى ترتيبات أمنية على الحدود، بل يمتد إلى شروط هذه الترتيبات وكيفية تنفيذها. فقد أبدى آيزنكوت استعدادًا للإبقاء على وجود أمني إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في ظروف معينة، وهو موقف يعكس مدى اتساع القبول داخل المؤسسة الأمنية بفكرة المناطق العازلة، حتى بين القوى السياسية المتنافسة على الحكم.

لا يعني ذلك أنَّ انتقال السلطة إلى المعارضة سيكون بلا أهمية. فقد تسعى حكومة جديدة إلى ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، والحد من التوتر مع المؤسسات الدولية، واتخاذ إجراءات أكثر جدية لكبح اعتداءات المستوطنين، وربما إظهار استعداد أكبر للتفاوض بشأن ترتيبات أمنية في لبنان أو غزة أو غيرهما. وقد تكون لهذه الخطوات انعكاسات إيجابية على خفض التصعيد وإعادة فتح بعض القنوات الديبلوماسية. إلّا أنَّ أثرها سيبقى محدودًا إذا لم تترافق مع استعداد لمعالجة القضايا السياسية التي تغذّي الصراع، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال وغياب أفق واضح للحقوق الوطنية الفلسطينية.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين تغيير أسلوب الحكم وتغيير الخيارات الاستراتيجية. فالحكومة التي تحترم استقلال القضاء، وتتعامل بجدية أكبر مع المؤسسات الدولية، وتحرص على تحسين علاقاتها مع الحلفاء، قد تكون أكثر قدرة على إدارة الأزمات وأقل اندفاعًا نحو التصعيد. لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعدادها لتقديم التنازلات السياسية المطلوبة لتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، أو للتخلي عن العقيدة الأمنية التي تعززت خلال السنوات الأخيرة. فقد تتغير طريقة إدارة القوة العسكرية من دون أن تتغير القناعة بأنها الأداة الأساسية لضمان الأمن.

وتضيف النتائج الأولية للانتخابات بُعدًا آخر إلى هذه المعضلة، إذ أظهرت صعوبة حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على أغلبية الواحد والستين مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة في الكنيست المؤلف من 120 عضوًا، فيما برزت الأحزاب العربية بوصفها قوة برلمانية قد تؤثر في حسابات تشكيل الائتلاف المقبل. لكن أهمية هذه المعطيات لا تكمن في ترجيح فرص هذا الطرف أو ذاك، بل في أنها تعكس طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، حيث يمكن أن تصبح الأحزاب الصغيرة والاعتبارات الائتلافية عاملًا حاسمًا في تحديد قدرة أي حكومة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى. كما أنَّ الوزن البرلماني المحتمل للنواب العرب يعيد طرح السؤال حول حدود مشاركتهم السياسية، في ظل تحفظ أحزاب يهودية رئيسية عن الاعتماد على دعمهم لتشكيل الحكومة، رغم أنَّ أصواتهم قد تكون مؤثرة في التوازنات البرلمانية.

ولا يتحدد مستقبل السياسة الإسرائيلية بالتوازنات الداخلية وحدها، إذ تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة عنصرًا حاسمًا في قدرة إسرائيل على المحافظة على تفوقها العسكري ومواصلة استراتيجيتها الإقليمية. فقد وفّر الدعم الأميركي، على امتداد عقود، مظلة عسكرية وديبلوماسية أساسية لإسرائيل، سواء عبر المساعدات والتعاون التكنولوجي أو من خلال الحماية السياسية في المؤسسات الدولية. غير أنَّ هذه العلاقة أصبحت أكثر تعقيدًا مع اتساع الانقسام داخل الولايات المتحدة بشأن السياسات الإسرائيلية، وارتفاع الانتقادات الموجهة إلى الحرب في غزة، وتزايد التساؤلات حول كلفة الانخراط الأميركي في صراعات الشرق الأوسط.

لا يعني ذلك أنَّ التحالف الأميركي-الإسرائيلي مهدَّد بانهيار وشيك، أو أنَّ إسرائيل ستفقد قريبًا الدعم الذي اعتمدت عليه طويلًا. فالعلاقة بين البلدين تستند إلى مصالح استراتيجية ومؤسساتية عميقة تتجاوز هوية الرئيس الأميركي أو رئيس الوزراء الإسرائيلي. لكن استمرار هذا الدعم بالمستوى نفسه لا يمكن اعتباره مضمونًا في جميع الظروف، خصوصًا إذا تصاعدت الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، أو ازدادت الخلافات حول استخدام القوة والاستيطان ومستقبل القضية الفلسطينية. من هنا، فإنَّ أيَّ حكومة إسرائيلية مقبلة ستجد نفسها مضطرة إلى الموازنة بين متطلبات سياستها الأمنية الداخلية والحاجة إلى المحافظة على شراكتها مع واشنطن.

وتبرز هنا مفارقة إضافية. فإسرائيل تسعى إلى توسيع قدرتها على التحرك العسكري بصورة مستقلة، لكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون الأميركي في مجالات التسليح والتكنولوجيا والدعم الديبلوماسي. وكلما اتسعت العمليات العسكرية وطالت مدتها، ازدادت أهمية هذا الدعم، وارتفعت في الوقت نفسه احتمالات ظهور خلافات حول أهداف الحروب وكلفتها وحدودها. لذلك، فإنَّ قدرة إسرائيل على مواصلة استراتيجيتها الحالية لن تتوقف على نتائج الانتخابات وحدها، بل ستتأثر أيضًا بالتغيرات داخل الولايات المتحدة وبمدى استعداد الإدارات الأميركية المقبلة لتحمل تبعات السياسات الإسرائيلية في المنطقة.

المنطقة أمام تحوّلات القوة وحدود الاستقرار

إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية تطرح سؤالًا حول إمكان تغيير السياسات التي ترسّخت خلال عهد نتنياهو، فإنَّ التطورات الإقليمية منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 تكشف حجم التحديات التي ستواجه أي حكومة إسرائيلية مقبلة، كما ستواجه الدول العربية في تعاملها معها. فقد أعادت الحروب في غزة ولبنان، والتطورات العسكرية في سوريا، والمواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، رسم جانب من موازين القوة في الشرق الأوسط، وفرضت على دول المنطقة مراجعة أولوياتها الأمنية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعدما بدا خلال السنوات السابقة أنَّ توسيع التعاون الاقتصادي واتفاقات التطبيع يمكن أن يمضيا قدمًا بمعزل عن التوصل إلى تسوية للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

وقد أظهرت هذه التطورات أنَّ العلاقات الاقتصادية، مهما اتسعت، لا تستطيع وحدها حماية المنطقة من تداعيات الصراعات السياسية والأمنية. فالتطبيع قد يفتح قنوات للتعاون والحوار، وقد يوفّر لبعض الدول أدوات إضافية للتأثير، لكنه لا يلغي الخلافات المتعلقة بالأرض والسيادة والحقوق الوطنية، ولا يضمن منع الحروب. وتكمن أهمية هذه الحقيقة في أنَّ الشرق الأوسط يشهد في الوقت نفسه تحولات اقتصادية كبيرة، تسعى خلالها دول عديدة إلى تنويع مصادر الدخل واستقطاب الاستثمارات وتعزيز موقعها في التجارة والتكنولوجيا والخدمات العالمية، وهي أهداف يصعب فصل نجاحها عن استقرار البيئة الإقليمية.

وتبدو هذه العلاقة واضحة بصورة خاصة في دول الخليج، حيث ترتبط المشاريع التنموية الكبرى بأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة وتوافر بيئة استثمارية يمكن التنبؤ بمخاطرها. فكل جولة تصعيد عسكري ترفع كلفة التأمين والشحن، وتزيد حذر المستثمرين، وتفرض على الحكومات والشركات إعادة حساباتها بشأن أمن المنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد. ومن هنا، فإنَّ المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في الممرات التجارية أو أسواق الطاقة، لا تمثل تحديًا أمنيًا منفصلًا عن الخطط الاقتصادية الخليجية، بل عاملًا مؤثرًا في شروط تنفيذها واستدامتها.

أما لبنان وسوريا، فتظهر فيهما بصورة أكثر مباشرة حدود الرهان على التغييرات السياسية داخل إسرائيل. ففي لبنان، لا يمكن فصل فرص إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي عن استقرار الحدود الجنوبية، وإنهاء الاعتداءات والوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، والتوصل إلى ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار. وفي سوريا، ترتبط جهود استعادة السيادة وإعادة بناء المؤسسات بإمكان الحد من التدخلات العسكرية الخارجية، وفي مقدمها العمليات الإسرائيلية والوجود العسكري في مناطق من الأراضي السورية. ولا يعني وصول حكومة إسرائيلية جديدة بالضرورة تبدُّل هذه الحسابات، لأنَّ الاعتبارات الأمنية التي تحكم التعامل مع البلدين أصبحت جُزءًا من توجُّهٍ أوسع داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وإن اختلفت الحكومات في وسائل تطبيقه وحدود التصعيد الذي تقبله.

وتكشف هذه الوقائع أنَّ المصالح العربية، على اختلاف أولويات الدول، تتقاطع عند الحاجة إلى منع تحوّل الشرق الأوسط إلى منطقة تُدار أزماتها من خلال العمليات العسكرية المتكررة. فاستمرار المواجهات لا يهدد الدول المنخرطة فيها وحدها، بل ينعكس على التجارة والاستثمار والطاقة، ويزيد هشاشة الاقتصادات التي تحاول التعافي من الحروب والأزمات. كما أنَّ بقاء القضية الفلسطينية من دون أفق سياسي يترك مصدرًا دائمًا للتوتر، ويحدُّ من قدرة الترتيبات الأمنية والاقتصادية الجديدة على اكتساب الاستقرار والقبول اللازمَين لاستمرارها.

غير أنَّ التعامل العربي مع هذه التحديات لا ينبغي أن ينطلق من افتراض أنَّ جميع الحكومات الإسرائيلية متطابقة، أو أنَّ تغيير القيادة لن تكون له أي نتائج. فقد تتيح حكومة جديدة فرصًا لخفض التصعيد، أو التوصل إلى تفاهمات أمنية، أو إعادة فتح قنوات ديبلوماسية تعطلت خلال السنوات الماضية. لكنَّ أهمية هذه الفرص ينبغي أن تُقاس بما يمكن أن تُحققه فعليًا، لا بمجرد اختلاف الخطاب السياسي أو أسلوب إدارة الحكم. فالتغيير الذي يقتصر على إدارة الأزمات قد يخفف كلفتها، لكنه لا يزيل بالضرورة أسبابها، خصوصًا إذا بقيت المواقف الأساسية من القضية الفلسطينية والحدود والأمن الإقليمي على حالها.

لقد استطاعت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تعديل موازين القوة العسكرية في محيطها، لكنها لم تبرهن بعد أنَّ هذه التحوّلات يمكن أن تؤسس لنظام إقليمي أكثر استقرارًا. وقد يكون بوسعها المحافظة على تفوقها العسكري طويلًا، غير أنَّ استدامة هذا التفوق شيء، وتحويله إلى ترتيبات سياسية مقبولة وقابلة للحياة شيء آخر. وهنا تبرز المسألة التي تتجاوز نتائج الانتخابات وهوية رئيس الحكومة المقبل: فقد يختلف خلفاء نتنياهو معه في إدارة الدولة وعلاقاتها الدولية وأساليب استخدام القوة، لكنهم سيرثون مجتمعًا ومؤسسات وعقيدة أمنية تشكلت على امتداد سنوات، ولن يكون تغييرها سهلًا أو سريعًا.

بالنسبة إلى الدول العربية، تقتضي هذه الحقيقة عدم ربط حساباتها الإقليمية ببقاء نتنياهو أو رحيله، بل التعامل مع احتمال استمرار المرتكزات الأساسية للسياسة الإسرائيلية في ظل حكومات مختلفة. وهذا لا يستبعد الاستفادة من أيِّ فرصة سياسية أو ديبلوماسية تتيحها التغيُّرات داخل إسرائيل، لكنه يفرض التمييز بين تبدّل القيادة وتبدّل الاتجاه الاستراتيجي. فالاختبار الحقيقي لما بعد الانتخابات لن يكون فقط في هوية مَن يشكّل الحكومة، بل في ما إذا كان قادرًا، ومستعدًا، لتغيير الخيارات التي جعلت القوة العسكرية محور السياسة الإسرائيلية. وحتى يتضح ذلك، فإنَّ التحدي العربي يتمثل في حماية المصالح والسيادة، والحد من كلفة المواجهات، والمحافظة على إمكان الوصول إلى تسويات سياسية لا تترك مستقبل المنطقة رهينة لموازين القوة وحدها.

↑
Exit mobile version