صواريخ صينية في العراق… هل تفتح جبهة جديدة مع إسرائيل؟

تقارير عن صواريخ صينية محتملة لدى فصائل عراقية تثير مخاوف من اتساع المواجهة بين إسرائيل وإيران. فهل تستطيع بغداد حماية سيادتها ومنع جرّ العراق إلى حرب لا يريدها؟

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي أمام تحدّي حماية سيادة البلاد وتجنيبها التصعيد الإقليمي.

سمير الحلو*

قد لا تحتاج الحروب الإقليمية إلى إعلانٍ رسمي كي تتسع رقعتها. فأحيانًا تكفي شحنة أسلحة غامضة، أو انفجار في مستودع ذخيرة، أو تسريبات استخباراتية مُتضاربة، لرفع احتمالات التصعيد ودفع دولة نحو مواجهة لم تخترها. وهذا ما يمنح التقارير عن احتمال وصول صواريخ دفاع جوي صينية الصنع إلى فصائل عراقية مرتبطة بإيران أهمية تتجاوز طبيعة السلاح وقدراته. فالسؤال ليس ما إذا كانت هذه المنظومات تستطيع تهديد بعض الطائرات الإسرائيلية فحسب، بل ما إذا كان انتشارها المحتمل سيحوّل العراق إلى ساحة أكثر انكشافًا في الصراع بين إسرائيل وإيران، ويضع بغداد أمام عواقب قرارات لا تملك السيطرة عليها.

بدأ الجدل إثر انفجارٍ وقعَ في 17 تشرين الأول (أكتوبر) داخل منشأة تابعة للحشد الشعبي شرقي بغداد، وأسفر، وفق بيانات الهيئة، عن إصابة خمسة من عناصرها بجروح طفيفة. وأشارت نتائج التحقيقات الأولية التي أعلنتها الهيئة إلى خللٍ داخلي، من دون مؤشرات إلى هجومٍ خارجي. لكنَّ تقريرًا نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية بعد أسبوع نَقَلَ عن مصادر عراقية وجود شبهات بشأن غارات استهدفت موقعين لفصائل مسلحة يُعتَقَد أنهما يحتويان على منظومات دفاع جوي صينية الصنع. ولم تتوافر أدلة مستقلة تثبت هذه الرواية، أو تؤكد ارتباط الانفجار بالغارات المزعومة.

تزامنت هذه الشبهات مع معلومات نشرتها “رويترز” في تموز (يوليو) عن اتفاقٍ محتمل لشراء إيران ما بين 300 و400 منظومة دفاع جوي صينية محمولة على الكتف، من طرازَي “كيو دبليو-12″ و”أف أن-16”. ونقلت الوكالة التفاصيل عن مصادر مطلعة، بينما نفت بكين صحة التقرير. ولم يتأكد بصورة مستقلة تنفيذ الصفقة أو تسليم المنظومات، فضلًا عن انتقالها إلى العراق. لكنَّ الاحتمال وحده يثير سؤالًا حساسًا: ماذا يحدث إذا امتلكت فصائل مسلحة أسلحة دفاع جوي متطورة نسبيًا، من دون أن تكون قرارات استخدامها خاضعة بصورة كاملة للسلطة المركزية؟

صواريخ محدودة التأثير… ومخاطر تتجاوز الميدان

من الناحية العسكرية، لا ينبغي المبالغة في تقدير تأثير هذه الصواريخ. فالمنظومات المحمولة على الكتف مُصَمَّمة أساسًا لاستهداف الطائرات التي تعمل على ارتفاعاتٍ منخفضة، ولا تُشكّل عادةً تهديدًا مباشرًا للمقاتلات التي تُنفّذ عملياتها على ارتفاعات عالية. لكنها قد تزيد المخاطر التي تواجه المروحيات وبعض المسيّرات والطائرات التي تضطر إلى خفض ارتفاعها. وبذلك، فإنَّ وصولها المحتمل لن يلغي التفوُّق الجوي الإسرائيلي، لكنه قد يرفع كلفة بعض العمليات ويُعقّد حساباتها. والمفارقة أنَّ تأثيرًا عسكريًا محدودًا نسبيًا قد تكون له تداعيات سياسية واسعة إذا استُخدِم لتبرير ضربات داخل الأراضي العراقية.

هنا تبدأ المُعضلة الحقيقية لبغداد. فالحشد الشعبي جُزءٌ من المنظومة الأمنية الرسمية بموجب القانون، ويتلقّى تمويلًا من الدولة، لكنَّ بعض الفصائل المرتبطة به تحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران، وبهامشٍ من الاستقلال في قراراتها وتحركاتها. وهذا التداخل بين الصفة الرسمية والاستقلال الفعلي يضع الحكومة أمام مسؤوليات قد تتجاوز قدرتها على التحكُّم بالأحداث. فهي مطالبة بحماية السيادة العراقية ومنع الاعتداءات الخارجية، لكنها قد تجد نفسها مضطرّة إلى تحمُّل تبعات أنشطة عسكرية لم تُقرّرها. وإذا دخلت أسلحة نوعية إلى شبكات تسليح لا تخضع لرقابة حكومية فعالة، فإنَّ خطورتها ستتحدّد بالجهة التي تتحكّم بها، لا ببلد تصنيعها وحده.

بالنسبة إلى إيران، قد يشكل تعزيز القدرات الدفاعية لدى حلفائها وسيلة لزيادة كلفة العمليات الإسرائيلية وتوسيع نطاق الردع خارج حدودها. فمنطق المواجهة غير المباشرة يقوم على توزيع مصادر الضغط العسكري بين ساحات متعددة، بدل حصرها في جبهة واحدة. غير أنَّ ما قد يمنح طهران هامشًا إضافيًا للمناورة يمكن أن يُضيّق هامش الحركة أمام بغداد. فالعراق يرتبط بإيران بعلاقات جغرافية واقتصادية وسياسية عميقة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى تجنُّب التحوُّل إلى امتدادٍ عسكري لصراعاتها. وأيُّ اختلالٍ في هذا التوازن قد يجعل مصالح الدولة العراقية رهينة حسابات إقليمية متعارضة.

أما إسرائيل، فقد تنظر إلى ظهور منظومات دفاع جوي أكثر تطوُّرًا لدى الفصائل العراقية، إذا ثبت، باعتباره تهديدًا يستدعي المراقبة وربما الرد. لكنَّ استهداف مواقع داخل العراق ينطوي على مخاطر تتجاوز النتائج العسكرية المباشرة. فهو يمسُّ سيادة دولة لم تعلن الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وقد يضعف موقع الحكومة أمام الرأي العام، ويمنح الفصائل المسلحة مبررات إضافية للتصعيد. كما أنَّ أي ضربة قد تستدعي ردودًا متبادلة يصعب احتواؤها، فتتحول محاولة إزالة تهديد محدود إلى أزمة إقليمية أوسع. وليس مضمونًا أن يؤدي استخدام القوة إلى تقليص المخاطر التي استُخدمت ذريعة له.

يضيف العامل الصيني تعقيدًا آخر إلى المشهد، لكنه يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة. فوجود سلاح صيني الصنع، إن ثبت، لا يعني بالضرورة أنَّ الحكومة الصينية وافقت على وصوله إلى فصائل عراقية، أو شاركت في قرار نقله. فالأسلحة قد تنتقل عبر وسطاء أو صفقات إعادة بيع أو شبكات تهريب، من دون علم الدولة المصنّعة أو موافقتها. لذلك، لا يصحُّ تحويل الشبهات المتعلقة بمنشأ المعدات إلى اتهامٍ سياسي لبكين من دون أدلة. والصين، التي ترتبط بمصالح واسعة في قطاع الطاقة العراقي وبعلاقات تجارية متنامية مع دول المنطقة، لديها أسباب اقتصادية تدفعها إلى تفضيل الاستقرار على اضطراب قد يهدد إمدادات النفط ومشروعات الاستثمار.

سيادة العراق على المحك… والاقتصاد يدفع الثمن

تزداد أهمية هذه التطورات مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق في 30 أيلول (سبتمبر)، وانتقال المسؤولية الأمنية الأساسية إلى المؤسسات العراقية. ولا يعني ذلك انقطاع التعاون الأمني والاستخباراتي مع واشنطن، إذ يستمر ضمن ترتيبات ثنائية وإقليمية مختلفة. لكنه يضع بغداد أمام اختبارٍ أكثر مباشرة لقدرتها على ضبط الحدود ومراقبة حركة السلاح ومنع استخدام أراضيها في صراعات خارجية. فالحكومة تحتاج إلى علاقة مستقرة مع الولايات المتحدة، مثلما لا تستطيع تجاهل ثقل إيران ونفوذها. وأيُّ تصعيدٍ إسرائيلي ضد فصائل عراقية قد يجعل إدارة هاتين العلاقتين أكثر صعوبة.

غير أنَّ التداعيات المحتملة لا تتوقف عند حدود الأمن والسياسة؛ فالعراق يحاول جذب الاستثمارات وتطوير قطاع الطاقة وتحديث البنية التحتية وتنويع اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية. وهذه الأهداف تحتاج إلى استقرار طويل الأمد وثقة بقدرة الدولة على حماية المشروعات والمرافق الحيوية. ولا تنتظر الأسواق اندلاع حرب شاملة كي تعيد تقييم المخاطر؛ فمجرد ارتفاع احتمالات الضربات الجوية والردود المسلحة قد يزيد تكاليف التأمين والتمويل، ويؤخر قرارات الاستثمار، ويُضعف شهية الشركات الأجنبية للدخول في التزامات طويلة الأجل. وهكذا قد تتحوّل أزمة أمنية محدودة إلى عبء اقتصادي مستمر يدفع ثمنه المجتمع العراقي بأكمله.

تكشف هذه الاحتمالات مفارقة أساسية: فالسلاح الذي يُقدَّم بوصفه وسيلة لحماية الفصائل من الهجمات الجوية قد يجعل الدولة التي توجد فيها أكثر عُرضةً للاستهداف. والردع لا يُعزّز الأمن الوطني بالضرورة عندما تتوزع قرارات استخدام القوة بين جهات متعددة، لكلٍّ منها حساباتها وارتباطاتها. بل قد يصبح مصدرًا لاستدراج المواجهة، خصوصًا إذا لم تستطع الحكومة ضمان ألّا تُستخدم أراضيها في عمليات تستفز أطرافًا إقليمية أخرى. إنَّ الأمن لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، وإنما أيضًا بوحدة القرار الذي يحكم استخدامها.

لا يعني ذلك مطالبة بغداد بالانحياز إلى إسرائيل ضد إيران، أو التضحية بعلاقاتها مع طهران إرضاءً لواشنطن. فالمسألة تتعلق بمبدأ أكثر جوهرية: أن يكون قرار الحرب والسلم، واستخدام القوة على الأراضي العراقية، حصرًا بيد المؤسسات الدستورية. ويتطلب ذلك رقابة فعلية على مخازن الأسلحة وحركة نقلها، وتحقيقات شفافة في الحوادث الأمنية، وقدرة سياسية على منع أي جهة مسلحة من فرض أمر واقع على الدولة. كما يتطلب احترام الأطراف الخارجية للسيادة العراقية، وعدم تحويل المعلومات غير المؤكدة إلى مبررات لعمليات عسكرية قد تشعل مواجهة أوسع.

قد يتبين في النهاية أنَّ التقارير عن الصواريخ الصينية كانت مبالغًا فيها، أو أنَّ هذه المنظومات لم تصل أصلًا إلى العراق. لكنَّ الجدل الذي أثارته يكشف مشكلة أعمق من صحة خبر بعينه: دولة تسعى إلى ترسيخ استقرارها، فيما تتقاطع على أرضها مصالح قوى إقليمية ودولية لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها الوطنية. لذلك، فإنَّ الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة بغداد على تأكيد التقارير أو نفيها، بل في قدرتها على فرض قاعدة واضحة تمنع تحويل العراق إلى ساحةٍ لتصفية حسابات الآخرين.

قد تكون الصواريخ الصينية، إذا وصلت إلى العراق، قادرة على تهديد بعض الطائرات الإسرائيلية. لكنَّ الخطر الأكبر لا يكمن في قدرتها على إسقاط طائرة، بل في قدرتها على جرّ دولة بأكملها إلى حرب لم تتخذ قرار خوضها.

↑
Exit mobile version