مصر بين أعباء الاقتصاد ورهانات الاستقرار الإقليمي
تواجه مصر تحدّيات اقتصادية ومالية تتجاوز تداعياتها حدودها الوطنية، نظرًا إلى ثقلها الاستراتيجي في المنطقة. فهل تنجح في تحويل الدعم الخليجي والاستثمارات الخارجية إلى نموٍّ مُستدام يعزّز استقرارها الداخلي ودورها الإقليمي؟

هدى أحمد*
تحتلّ مصر موقعًا استثنائيًا في معادلة الأمن العربي والإقليمي، لا تفسّره قوتها العسكرية وحدها، ولا حجم سكانها أو موقعها الجغرافي فحسب، بل شبكة المصالح والتوازنات التي تربط استقرارها بمستقبل الشرق الأوسط بأسره. فمن قناة السويس والبحر الأحمر إلى قطاع غزة وشرق المتوسط، ومن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة إلى شراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج، تظلّ القاهرة طرفًا يصعب تجاوزه في أيِّ تصوُّرٍ جاد لاستقرار المنطقة. غير أنَّ هذا الثقل السياسي والاستراتيجي يتعايش مع تحدّيات اقتصادية ومالية عميقة، تطرح سؤالًا يتجاوز قدرة الحكومة المصرية على إدارة أزمة ظرفية: كيف تستطيع دولة ذات مسؤوليات إقليمية كبيرة الحفاظ على فاعلية دورها الخارجي، إذا ظلّ اقتصادها عُرضةً لضغوط الدين والتمويل والطاقة والتقلّبات الإقليمية؟
لا يعني طرح هذا السؤال أنَّ مصر تقف على حافة انهيار، أو التقليل من قدرتها على تجاوز الأزمات التي واجهتها مرارًا خلال تاريخها الحديث. فالدولة المصرية تمتلك مؤسسات عريقة، وقاعدة بشرية واقتصادية واسعة، وأهمية جيوسياسية تمنحها قدرة على استقطاب الاستثمارات والشراكات الدولية. لكنَّ هذه المقوّمات، على أهميتها، لا تُغني عن بناء اقتصاد قادر على توليد النمو وفرص العمل والعملات الأجنبية بصورة مستدامة. فالاستقرار السياسي يمكن أن يمنح الإصلاح الاقتصادي الوقت اللازم للنجاح، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا منه.
خلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد المصري ضغوطًا متراكمة، شملت ارتفاع كلفة خدمة الدين، ونقص العملات الأجنبية في مراحل مختلفة، وتراجُع قيمة الجنيه، وتأثير التضخّم في القدرة الشرائية للأسر. وتفاقمت هذه الضغوط بفعل عوامل خارجية، من ارتفاع كلفة التمويل العالمي إلى تداعيات الحروب والتوتّرات الإقليمية، ولا سيما اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وما ترتّب عليه من خسائر في إيرادات قناة السويس، أحد المصادر الأساسية للعملات الأجنبية. وفي المقابل، شهدت مصر تدفّقات استثمارية وتمويلية مهمة، واتخذت إجراءات نقدية ومالية أسهمت في تحسين بعض المؤشرات وإعادة قدر من الثقة إلى الأسواق.
بين مؤشّرات التعافي وتحدّيات الإصلاح
تكشف أحدث مراجعات صندوق النقد الدولي عن هذه الصورة المزدوجة بوضوح. فقد أشار الصندوق، في تموز (يوليو) 2026، إلى أنَّ النمو الاقتصادي المصري بلغ نحو 5.2 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025-2026، فيما تراجع معدّل التضخّم السنوي إلى 14.3 في المئة في حزيران (يونيو). وهي مؤشرات تعكس تحسّنًا مقارنة بمراحل سابقة من الاضطراب النقدي. لكنَّ الصندوق حذّر في الوقت نفسه من استمرار ارتفاع احتياجات التمويل وإعادة تمويل الديون، ومن بطء التقدّم في تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي وفتح المجال أمام القطاع الخاص. وهكذا، فإنَّ السؤال لم يعد ما إذا كانت مصر قادرة على تحقيق تحسّن اقتصادي مرحلي، بل ما إذا كانت تستطيع تحويل هذا التحسّن إلى مسارِ نموٍّ أقلّ اعتمادًا على الاقتراض والتدفّقات المالية الاستثنائية.
تزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى بنية الإنفاق العام وأولويات الاستثمار. فقد شهدت مصر خلال العقد الماضي توسّعًا كبيرًا في مشروعات الطرق والموانئ والمدن الجديدة والبنية التحتية، وهي مشروعات يمكن أن تسهم في تحسين البيئة الاقتصادية وجذب الاستثمارات على المدى الطويل. غير أنَّ حجم الإنفاق الرأسمالي وكلفة تمويله يثيران تساؤلات مشروعة بشأن ترتيب الأولويات والعائد الاقتصادي الفعلي، ولا سيما في بلد يحتاج إلى استثمارات متواصلة في التعليم والصحة والصناعة والتكنولوجيا. كما أنَّ الدور الواسع للمؤسسات الحكومية والعسكرية في قطاعات اقتصادية مختلفة يطرح تحدّيًا يتعلّق بالمنافسة وتكافؤ الفرص. فالمطلوب ليس إضعاف الدولة أو تجاهل دورها التنموي، وإنما تحديد المجالات التي ينبغي أن تقودها، وتلك التي يستطيع القطاع الخاص أن يعمل فيها بكفاءة أكبر ضمن قواعد واضحة وشفافة.
ولا تقتصر آثار هذه الاختلالات على المؤشرات المالية، بل تمتدّ إلى الحياة اليومية للمصريين. فالتضخّم، حتى عندما تتراجع وتيرته، لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل استمرار ارتفاعها بمعدّلات أقلّ. وهذا فارق بالغ الأهمية بالنسبة إلى الأسر التي تآكلت قدرتها الشرائية خلال سنوات من الضغوط الاقتصادية. كما أنَّ صعوبة توفير فرص عمل منتجة للشباب، والضغوط الواقعة على الطبقة الوسطى، واتساع الحاجة إلى الحماية الاجتماعية، تجعل نجاح الإصلاح الاقتصادي مرتبطًا بقدرته على تحسين مستويات المعيشة، لا بمجرد استعادة ثقة الأسواق المالية. فالإصلاح الذي يحقّق الاستقرار النقدي من دون أن ينعكس تدريجيًا على دخل المواطنين وفرصهم الاقتصادية قد ينجح في معالجة جانب من الأزمة، لكنه يترك جانبًا آخر مفتوحًا.
تحوّل الشراكة الخليجية–المصرية
في هذا السياق، تكتسب العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول الخليج أهمية خاصة. فقد ظلّت العواصم الخليجية تنظر إلى استقرار مصر باعتباره مصلحة عربية واستراتيجية، وقدّمت لها أشكالًا مختلفة من الدعم المالي والاستثماري في مراحل متعاقبة. غير أنَّ طبيعة هذه العلاقة تشهد تحوّلًا ملحوظًا، مع تزايد التركيز على الاستثمارات المباشرة والمشروعات التجارية طويلة الأجل، بدلًا من الاعتماد على الودائع والمساعدات المالية وحدها. ويُعدّ مشروع رأس الحكمة، الذي أُعلن عنه بين مصر ودولة الإمارات في شباط (فبراير) 2024، مثالًا بارزًا على هذا الاتجاه. فقد بلغت قيمة الاتفاق 35 مليار دولار، منها 24 مليار دولار من التمويل الجديد، إضافة إلى تحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية القائمة لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات. وقد ساعد الاتفاق على تخفيف الضغوط النقدية التي واجهتها مصر، فيما أتاح للإمارات فرصة استثمارية واسعة في منطقة ساحلية ذات إمكانات اقتصادية وسياحية مهمة.
لكنَّ التحوّل من الدعم إلى الاستثمار لا ينبغي اختزاله في حسابات الربح والخسارة وحدها. فدول الخليج تدرك أنَّ الاستقرار المصري عنصر أساسي في التوازن العربي، وأنَّ أيَّ اضطراب اقتصادي واسع في مصر ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. وفي الوقت نفسه، باتت الاستثمارات الخليجية ترتبط بصورة أوثق باستراتيجيات التنويع الاقتصادي وتعظيم العوائد وإدارة المخاطر. لذلك، فإنَّ نجاح الشراكة الخليجية–المصرية لا يتوقّف على حجم الأموال المستثمرة فحسب، بل على طبيعة القطاعات التي تتوجّه إليها، وقدرتها على توسيع الإنتاج والتصدير، وخلق فرص عمل مستدامة، ونقل الخبرات والتكنولوجيا. فالمشروعات العقارية والسياحية الكبرى تستطيع توفير سيولة ونشاط اقتصادي مهمَّين، لكنها لا تُغني عن تطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية أكثر تنوّعًا، تقلّل حاجة الاقتصاد إلى التمويل الخارجي المتكرّر.
الأمن الإقليمي يبدأ من متانة الاقتصاد
تبرز الطاقة بوصفها مثالًا آخر على تداخل الاقتصاد بالأمن القومي. فمصر، التي تمتلك بنية تحتية مهمة لإنتاج الغاز ونقله وإسالته، واجهت خلال السنوات الأخيرة تحدّيات مرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب الداخلي، ما زاد حاجتها إلى الواردات وإلى تنويع مصادر الإمداد. وتشكّل واردات الغاز من إسرائيل جزءًا من هذه المعادلة، إلى جانب واردات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية. وقد أظهرت اضطرابات الإمداد المرتبطة بالتوتّرات الإقليمية مدى حساسية القطاعات الصناعية والكهربائية لأيِّ انقطاعٍ مفاجئ، وأهمية الاستثمار في الإنتاج المحلي والبنية التحتية والبدائل المتاحة.
غير أنَّ الاعتماد الاقتصادي المتبادل لا يعني بالضرورة خضوع القرار السياسي المصري لحسابات الطاقة. فسياسة القاهرة تجاه إسرائيل وقطاع غزة تتأثّر بعوامل أكثر تعقيدًا، تشمل الأمن القومي، والتزامات معاهدة السلام، والاعتبارات الداخلية، ودورها في الوساطة، ورفضها تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. كما أنَّ مصر ليست مجرّد مستورد للطاقة أو شريك في الترتيبات الحدودية، بل دولة تمتلك مصالحها الخاصة وهامشًا ديبلوماسيًا تسعى إلى الحفاظ عليه. ومن هنا، فإنَّ القراءة المتوازنة للعلاقة المصرية–الإسرائيلية تقتضي الاعتراف بالمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، من دون المبالغة في قدرتها على تفسير مجمل المواقف السياسية.
وتتجلّى أهمية مصر الإقليمية بصورةٍ أوضح في الأزمات المحيطة بها. فالقاهرة تؤدّي دورًا رئيسيًا في جهود الوساطة المرتبطة بغزة، وفي الترتيبات الأمنية في سيناء، وفي المساعي الرامية إلى منع اتساع النزاعات. كما أنَّ أمن البحر الأحمر وقناة السويس يرتبط مباشرة بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، مثلما يرتبط بالتجارة العالمية وأمن الطاقة. وقد أظهرت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر مدى قدرة النزاعات الإقليمية على التأثير في الاقتصاد المصري، حتى عندما لا تكون مصر طرفًا مباشرًا فيها. ووفق بيانات أوردها صندوق النقد الدولي، انخفضت إيرادات قناة السويس بنحو ستة مليارات دولار في عام 2024 مقارنة بعام 2023، فيما أشار الصندوق، في أيلول (سبتمبر) 2026، إلى تعافٍ تدريجي في نشاط القناة، من دون أن يعني ذلك استعادة مستوياتها السابقة للأزمة. وهذه التجربة تؤكد أنَّ متانة الاقتصاد المصري لا تتوقّف على السياسات الداخلية وحدها، بل تتأثّر أيضًا بدرجة الاستقرار في محيطه الجغرافي.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع مصر من خلال معادلة تجمع بين أهمية معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية، والتعاون العسكري، وأمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، إلى جانب الخلافات المتكرّرة بشأن الحكم وحقوق الإنسان. وقد حافظت المساعدات العسكرية الأميركية على موقع مهم في هذه العلاقة، لكنَّ اختزال قيمة مصر بالنسبة إلى واشنطن في دورها المتعلّق بأمن إسرائيل يتجاهل أبعادًا أوسع، تشمل قناة السويس والتوازنات العربية والديبلوماسية الإقليمية. وفي المقابل، فإنَّ التعاون الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يستطيع وحده معالجة التحدّيات الاقتصادية والمؤسسية التي قد تؤثّر على المدى الطويل في قدرة مصر على أداء أدوارها الخارجية.
يضع هذا الواقع القاهرة أمام خيارات اقتصادية واستراتيجية مترابطة. فمن جهة، تحتاج إلى مواصلة خفض أعباء الدين وتعزيز الاستقرار النقدي والمالي، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى تسريع الإصلاحات التي ترفع الإنتاجية وتوسّع مشاركة القطاع الخاص وتحسّن مناخ الاستثمار. لكنَّ النجاح في هذين المسارين يتطلّب أيضًا الحفاظ على قدر مناسب من الإنفاق الاجتماعي، وتطوير التعليم والتدريب، وتحسين الخدمات العامة، لأنَّ رأس المال البشري يمثّل أحد أهم مصادر القوة المصرية على المدى الطويل. كما أنَّ تعزيز الشفافية والمساءلة الاقتصادية ليس مسألة إدارية ثانوية، بل شرط أساسي لبناء الثقة وتشجيع الاستثمار المنتج.
بالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ المصلحة الاستراتيجية الأبعد مدى لا تتمثّل في استمرار توفير التمويل لمصر كلما واجهت أزمة سيولة، بل في المساهمة في بناء شراكات اقتصادية تساعدها على تقليل الحاجة إلى هذا التمويل مستقبلًا. ويمكن للاستثمارات المشتركة في الصناعة والطاقة المتجدّدة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والأمن الغذائي أن تؤسّس لعلاقة أكثر استدامة، إذا اقترنت بسياسات مصرية تضمن المنافسة العادلة وتشجّع الإنتاج والتصدير. كما أنَّ التعاون في أمن البحر الأحمر والممرّات البحرية يمنح هذه الشراكة بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز المصالح التجارية المباشرة، لأنَّ استقرار طرق التجارة والطاقة بات جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي للمنطقة.
ليس مستقبل مصر محكومًا بالسيناريوهات المتشائمة، كما لا يمكن ضمانه بالاعتماد على ثقلها التاريخي والجغرافي أو على استعداد شركائها لتقديم الدعم عند الحاجة. فالمؤشرات الإيجابية التي ظهرت خلال عام 2026 تمنح القاهرة فرصة لتعزيز التعافي، لكنها لا تُلغي التحدّيات المرتبطة بالدين والإنتاجية والمنافسة والعدالة الاجتماعية. وسيكون المعيار الحقيقي للنجاح هو قدرة الاقتصاد المصري على الانتقال من إدارة الضغوط المتكرّرة إلى بناء مصادر أكثر استدامة للنمو، ومن الاعتماد على التدفقات المالية الاستثنائية إلى جذب استثمارات منتجة تولّد فرص العمل وتعزّز الصادرات.
وفي منطقة تتشابك فيها الأزمات الاقتصادية مع الصراعات الأمنية والتحوّلات الجيوسياسية، لا يمكن النظر إلى استقرار مصر باعتباره شأنًا داخليًا فحسب. فمصر الأكثر قدرة على تمويل احتياجاتها، وتنمية مواردها، وتوسيع فرص مواطنيها، ستكون أيضًا أكثر قدرة على أداء دورها العربي والإقليمي باستقلالية وفاعلية. من هنا، فإنَّ الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم المساعدات أو الاستثمارات التي تستطيع القاهرة استقطابها، بل في قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى قاعدة إنتاجية ومؤسسية متينة. فأمن مصر لا ينفصل عن قوة اقتصادها، واستقرار المنطقة العربية لا ينفصل عن قدرة مصر على الحفاظ على قوتها وتجديد مصادرها.
- هدى أحمد هي مراسلة “أسواق العرب” في القاهرة.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.