
هنري زغيب*
في الميثولوجيا اليونانية، وتحديدًا في “أُوديسَّة” هوميروس، أَنَّ هِلِن ولدَت من بيضةٍ بزواج كبير الآلهة زوس من ليدا ملكة سْبارطة. نشأَت هِلِن في سْبارطة، واشتُهرت بأَنها أَجمل امرأَة في الكَون. يُعزى إِليها نُشُوب حرب طروادة الأُسطورية التاريخية بين الإِغريق (الآخيين) وشعب طروادة (حاليًّا: الأَناضول التركية).
الحلقة السابقة كانت مقدمةً للموضوع، وهنا ما جرى بسبب بارِس.
الخيارات الثلاثة
عن الروايات اليونانية أَن لـحرب طروادة مناسبة خاصة. فيوم زواج بيليه وتيتيس، قامت إِيريس إِلهة الأَزمات بتقديم تفاحة ذهبية إِلى أَجمل نساء الأُولمب. وقام زوس بدعوة پارِس، وسيم طروادة وأَميرها (وله اسم آخر: أَلكسندر) ليختار بين ثلاث: أَثينا، أَو هيرا، أَو أَفروديت. تلقَّى بارِس وعودًا من الثلاث: أَثينا وعدَتْه بمنحه القوة والوسامة والانتصار في كل معركة. هيرا وعدَتُه بإِهدائه مناطق من آسيا وثروةً لا تُحصى. وأَفروديت وعدَتْه بأَجمل نساء الكون: هِلِن زوجة مينيلاس ملك سبارطة. اختار پارِس وعد أَفروديت، وتحقَّق له وعدُها حين أرسله الطرواديون في مهمة دبلوماسية لـزيارة مينيلاس في بيته. اندلع شغف عظيم بين هِلِن وپارِس، فانطلقا بعيدًا إِلى طروادة، وسُمّيَت “هِلِن سْبارطة” من يومها “هِلِن طروادة”. ومع أَن هِلِن تخلَّت عن أَولادها، بقيَت معها خادمتُها إِثْرا. وفي طريق العودة من سبارطة إِلى طروادة، توقَّف پارِس في صيدون الفينيقية، واستولى على كنوزٍ حملها معه عائدًا إِلى طروادة.
رواية هيرودوت
للمؤَرخ الإِغريقي هيرودوت (القرن الخامس قبل الميلاد) في كتابه “التواريخ” صيغة أُخرى للحدَث: يؤَكِّد أَن المصريين قالوا له شخصيًّا إِن پارِس وهِلِن واجها في طريقهما عواصف عاتية، فاتجها إِلى مصر لا إِلى طروادة. ولدى ترجُّلهما خانهما رجاله ووَشَيَا به لدى الكهَّان المحليين هناك، بأَن پارِس خطف هِلِن يوم زار زوجها في سبارطة، وهو عمل غير شرعي ومُدان في التقاليد الإِغريقية. وكان پارِس حمل معه سبيًّا سبارطيًّا. علم بذلك پروتيه، ملك ممفيس، فاعتقل پارِس واحتفظ بِـهِلِن والمسبيّ كي يعيدهما لاحقًا إِلى الأَغارقة في سبارطة. ويؤَكِّد هيرودوت بأَن كُتَّابًا آخرين مثل هوميروس يعرفون هذه الصيغة للحدَث، لكنهم سردوا بقصةٍ أَكثرَ ملحميَّةً وغرابةً نسجوها حول مدينة طروادة وحرب طويلة.
الحصار
الجامع المشترك بين الصيغتين أَن هيرودوت أَكمل سرده بأَن قادة الأُسطول اليوناني السبارطي الذين لحقوا بـهِلِن ليستردُّوها، التقوا بالمصريين إِنما لم يظنوا أَنها غير مستعادة بعد إلى طروادة فحاصروا المدينة. وحين اكتشفوا أَنها كانت في مصر منذ البداية، أَبحر مينيلاس إِلى ممفيس واستعاد زوجته. وإِلى هذه التفاصيل، يذكر هيرودوت وجود معبد على اسم “أَفروديتٍ غريبة” في ممفيس شُيِّدَ لتخليد هِلِن.
مشاهد الفخاريات
مهما اختلفت التفاصيل حول وصول (أَو عدم وصول) هِلِن إِلى طروادة، يبقى السؤَال العصي على الإِجابة إِن كانت هِلِن ذهبت إِلى طروادة مخطوفة أَو بإِرادتها. وفي مشاهد محفورة على بعض الفخاريات القديمة تَظهر هِلِن مسحورة بـپارس، وعلى فخاريات أُخرى يَظهر پارس يشدُّها من ذراعها. وفي فخاريات سواها يَظهر مينيلاس شاهرًا سيفه مستعيدًا هِلِن وهي لم تكن تريد العودة إِلى زوجها، بينما في مشاهد أُخرى يظهر مينيلاس مُرخيًا سيفه إِشارة الصفح عن زوجته هِلِن حين رآها بعد اختطافها.
الحلقة الثالثة: … واندلَعَت حرب طروادة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
