هِلِن طروادة: الحورية والأُسطورة (4 من 5)

هِلِن ومينيلاس في طريق العودة إِلى سپارطة

هنري زغيب*

في الميثولوجيا اليونانية، وتحديدًا في “أُوديسَّة” هوميروس، أَنَّ هِلِن ولدَت من بيضةٍ بزواج كبير الآلهة زوس من ليدا ملكة سْبارطة. نشأَت هِلِن في سْبارطة، واشتُهرت بأَنها أَجمل امرأَة في الكَون. يُعزى إِليها نُشُوب حرب طروادة الأُسطورية التاريخية بين الإِغريق (الآخيين) وشعب طروادة (حاليًّا: الأَناضول التركية).

في الحلَقَات الثلاث السابقة مهَّدتُ للموضوع وما جرى من ظروف سبَّبَت الحرب.

في هذه الحلقة أَسرد كيف مينيلاس استردَّ زوجته هِلِن.

هِلِن ومينيلاس في صيدا فينيقيا

مينيلاس يستعيد زوجته

عن بعض المؤَرخين أَن الملك السپارطي مينيلاس، كي يستعيد زوجته هِلِن، بدا في بعض الرسوم شاهرًا سيفه عليها. لكنه في لحظة استخدامه انبهر بجمالها، فعانقها، وعانقها من دون أَن يؤْذيها. وأَكثر: جاء في صيغة أَحد المؤَرخين الأَغارقة أَن مينيلاس، في تلك اللحظة، بدا عاشقًا شَغوفًا موَلَّهًا أَمام حبيبته المخطوفة، مدهوشًا بأَنها ما زالت على جمالها كما كان قبل اختطافها ووضْعها قسْرًا في الأَسر.

وأَيًّا يكن تعدُّد الروايات والصيَغ التاريخية، يبقى أَن جمال هِلِن الاستثنائي كان سببًا في خطفها لكنه أَيضًا بَهَرَ زوجها كأَنْ للمرة الأُولى، فعفا عنها ولم يعاقبْها على هربها من البيت الزوجي مع غريمه پارِس.

فرح الوصول إِلى سپارطة

محطات في الطريق

بدأَ مينيلاس وزوجته هِلِن رحلة العودة إِلى البيت الزوجي في سپارطة. لكنهما، في طريق العودة، تَوَقَّفا عند أَكثر من محطة. تلك الوقفات ذكرها هوميروس في ملحمته “الأُوديسة”. منها، وفْق هوميروس، اصطدام مركبهما بصخورٍ عالية مقابل جزيرة كْريت إِبَّان عاصفة مرعبة. أَكملا إلى مصر، وأَمضيا فيها عددًا من السنوات، التقى مينيلاس خلالها، كما روى هوميروس، پروتيه ملك مصر، لا الملِك بل إِله البحر، ولقبُه “سيِّد البحار”. وحين باشر مينيلاس طريق العودة، عادت العواصف هائلة من جديد، فلجأَ فترة إِلى جزيرة قبرص، ومنها انتقل بزوجته إِلى مدينة صيدا في فينيقيا، وهي منطقة غنية بالأَنسجة والمجوهرات، مما كان مينيلاس قبلًا يتلقَّاهُ كهدايا. انتقلا بعدذاك إِلى أَفريقيا الشمالية فحطَّا في ليبيا، وهي أَرض واسعة وغنية، ثم إِلى أَثيوبيا غانمًا مينيلاس منها كنوزًا زادت من ثروته.

بلوغ البيت في سپارطة

تلك المحطات المتوسطية، إِلى ما جاء سواها في الرواية عن پارِس عائدًا إِلى طروادة، تفسّر بوضوحٍ ميثولوجي أَوضاع التجارة إِبان العصر الذهبي بين اليونان الميسينية وفينيقيا ومصر، وما نتج عن ذلك من غنى الأفكار في الفنون والفخاريات.

أَخيرًا، بعد وقفات متعددة في طريق العودة، وما لاقى الزوجان من صعوبات وعوائق ومخاطر، وصلا إِلى سبارطة، فالتقيا ابنتَهما هيرميون زوجة أُورِست ابن أَغاممنون. وهذا ما يفسِّر كيف ملِكٌ واحد كان حاكمًا ميسينا وسپارطة معًا.

أُلوهة هِلِن

إِلى جانب مكانة هِلِن في الأَدب اليوناني، كانت معبودةً كإِلهةٍ في بعض الطقوس الإِغريقية القديمة. ويُجمع الخبراء والمؤَرخون على أَنها كانت أَولًا إِلهةً ثم استحالت إِلى صيغة بشرية نصف إِلهية. ولعل الأَساطير حول خطْفها تفسِّر غيابها الموَقَّت عن أَماكن عبادتها في بعض المواقع، كما في جزيرة رودُس وشبه جزيرة الأَتيك في اليونان الوُسطى.

سوى أَن مكان شعبيتها الكبرى كان في سپارطة كحضور ديني، حيث كان اعتبارها رمزَ الانتقال من صبيّة مراهقة إِلى امرأَةٍ زوجة. من هنا اعتبارُها المرأَة الناضجة المتزوِّجة وفي الوقت ذاته الصبية الولهى. وفي جزيرة رودس كانت معتَبَرَةً إِلهة الخصوبة وإِلهة الأَشجار والمزروعات، بينما كانت في سپارطة معتَبَرَةً رمزَ الشهوة العاصفة والجمال الخارق العادة، القريب نوعًا من جمال أَفروديت.

الحلقة الخامسة والأَخيرة: هِلِن في الفنون والآداب.

↑
Exit mobile version