الاقتصاد العالمي في 2026: نموٌّ يَصمُدُ فوق أرضٍ هشّة

رُغمَ استمرار النمو العالمي، تكشف اضطرابات الطاقة والتجارة وارتفاع الديون عن تفاوت متزايد في قدرة الاقتصادات على مواجهة الأزمات. وتُظهر التجربة العربية أنَّ امتلاك الموارد الطبيعية أو تحقيق معدلات نمو إيجابية لا يكفيان لضمان الاستقرار، ما لم يقترنا بتنوُّع الإنتاج ومرونة البنية التحتية وسلامة الأوضاع المالية.

الملك محمد السادس يتوسط أعضاء الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، التي ستواجه تحدّيات تعزيز النمو وتنويع مصادر الإنتاج، في ظلّ اضطرابات التجارة والطاقة العالمية وضغوط التمويل.

هاني مكارم*

يدخل الاقتصاد العالمي الربع الأخير من عام 2026 وسط مفارقة اقتصادية لافتة: فالنشاط الاقتصادي يواصل التوسُّع رُغم الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية وارتفاع تكاليف الطاقة، لكنَّ العوامل التي سمحت له بالصمود لا تعني بالضرورة أنَّ أسس النمو أصبحت أكثر متانة. فارتفاع مستويات الدين العام، واستمرار الضغوط التضخّمية، وتفاوت القدرة على الاستفادة من الاستثمارات التكنولوجية، كلها عوامل تجعل استمرار التعافي مرهونًا بظروف قد تتغير سريعًا، وتحدُّ في الوقت نفسه من قدرة الحكومات والبنوك المركزية على التدخُّل إذا تعرّض الاقتصاد العالمي لصدمات إضافية.

تبرز هذه المفارقة في التحديث الذي أصدره معهد بروكينغز، بالتعاون مع صحيفة “فايننشال تايمز”، في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، لمؤشرات تتبُّع التعافي الاقتصادي العالمي المعروفة باسم “تايغر” (TIGER). فقد أظهرت المؤشرات استمرار الزخم الاقتصادي في عددٍ من الاقتصادات المتقدّمة والناشئة، لكنها كشفت أيضًا عن ضغوطٍ متواصلة ناجمة عن التضخم والديون والتوترات التجارية والجيوسياسية. وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تُميّز بين قدرة الاقتصادات على المحافظة على النمو في الظروف الراهنة وبين قدرتها على الاستمرار فيه عندما تتعرَّض مصادر الطلب والاستثمار والتمويل لاضطرابات جديدة.

تعزز توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في تشرين الأول (أكتوبر) هذه القراءة، إذ تشير إلى نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% في 2026 و3.4% في 2027. غير أنَّ هذه المعدلات الإجمالية تخفي تفاوتًا واضحًا بين الاقتصادات التي تستفيد من التوسع في الاستثمارات التكنولوجية أو من قوة الطلب الداخلي، وتلك التي تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل أو ضعف القدرة التنافسية. كما أنَّ استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة نسبيًا يجعل السياسات النقدية أقل قدرة على دعم النمو من دون المخاطرة بإعادة تنشيط الضغوط السعرية.

لذلك، فإنَّ السؤال الاقتصادي الأساسي لم يعد يقتصر على حجم النمو المتوقع، بل أصبح يتعلق بمصادر هذا النمو ومدى قابليتها للاستمرار. فالتوسع الناتج من تحسُّن الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية يختلف في آثاره طويلة الأجل عن النمو الذي يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض أو الإنفاق الحكومي أو ارتفاع تقييمات الأصول المالية. وإذا كانت السنوات الماضية قد أثبتت قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات متلاحقة، فإنها أظهرت أيضًا أنَّ هذه القدرة ليست موزَّعة بالتساوي بين الدول، وأنَّ استمرار استخدامها قد يأتي على حساب الموارد اللازمة لمواجهة الأزمات المقبلة.

النمو العالمي بين ضغوط الديون ورهانات التكنولوجيا

تستند قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود إلى محرّكات مُتعدِّدة، تختلف طبيعتها من اقتصادٍ إلى آخر. فالولايات المتحدة تواصل الاستفادة من قوة الاستهلاك والاستثمار في التكنولوجيا، بينما تحقق الهند نموًّا مرتفعًا مدعومًا بالطلب الداخلي والنشاط الصناعي. في المقابل، تواجه منطقة اليورو ضعفًا في قطاعات صناعية رئيسية وارتفاعًا في تكاليف الطاقة، فيما يستمر الاقتصاد الصيني في الاعتماد على الصادرات لتعويض محدودية نمو الطلب المحلي.

لكنَّ استمرار هذه المحركات لا يلغي القيود المالية التي تواجه الاقتصادات الكبرى. فارتفاع الدين العام يؤدي إلى زيادة الموارد المخصَّصة لخدمة الالتزامات القائمة، ويحدُّ من قدرة الحكومات على توسيع الإنفاق الاستثماري أو استخدام الموازنات العامة لتحفيز النشاط عند الضرورة. كما أنَّ ارتفاع عوائد السندات الحكومية ينعكس على تكلفة التمويل في القطاع الخاص، لأنَّ الشركات والأسر تواجه بدورها شروط اقتراض أكثر تشدُّدًا، ما قد يؤدي إلى تأجيل الاستثمارات وتراجع الطلب على الائتمان.

وتزداد صعوبة إدارة هذه الأوضاع عندما يتزامن تباطؤ النشاط مع ارتفاع الأسعار. ففي حالات الركود الناجم عن ضعف الطلب، تستطيع البنوك المركزية عادةً خفض أسعار الفائدة لتحفيز الاستهلاك والاستثمار. أما عندما تنشأ الضغوط التضخمية من اضطرابات إمدادات الطاقة أو ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، فإنَّ خفض الفائدة لا يعالج السبب المباشر لارتفاع الأسعار، وقد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية إذا حفّز الطلب في وقت تبقى فيه الإمدادات مقيدة.

وهذه إحدى المشكلات التي تسلّط عليها دراسة بروكينغز الضوء، إذ تشير إلى أنَّ ضيق هامش المناورة المالية والنقدية يجعل الاقتصادات أكثر اعتمادًا على الإصلاحات التي ترفع الإنتاجية وتُحسِّن كفاءة أسواق العمل والسلع والخدمات والتمويل. فمثل هذه الإصلاحات تستطيع دعم النمو من خلال زيادة القدرة الإنتاجية، بدل الاعتماد المستمر على توسيع الاقتراض والإنفاق العام.

في هذا السياق، أصبحت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر التفاؤل بشأن آفاق الاقتصاد العالمي. فقد أدى التوسع في بناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية إلى زيادة الإنفاق الرأسمالي لدى الشركات الكبرى، ودعم النشاط في قطاعات الطاقة والإنشاءات والمعدات الصناعية والخدمات التقنية.

وتقوم الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات على توقعات بتحقيق زيادات كبيرة في الإنتاجية، من خلال أتمتة بعض المهام وتحسين عمليات الإنتاج والإدارة وتطوير منتجات وخدمات جديدة. وإذا تحققت هذه المكاسب على نطاق واسع، فقد تساعد الاقتصادات على زيادة الناتج من دون ارتفاعٍ مُماثل في تكاليف العمل والموارد، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على الأرباح والأجور والإيرادات الضريبية.

غير أنَّ العلاقة بين الإنفاق التكنولوجي وتحقيق مكاسب إنتاجية مستدامة ليست تلقائية. فالاستثمار في المعدات ومراكز البيانات يظهر سريعًا في الحسابات الاقتصادية، بينما يحتاج تحويل التكنولوجيا إلى تحسين فعلي في الإنتاجية إلى إعادة تنظيم عمليات المؤسسات وتطوير مهارات العاملين وتعديل نماذج الأعمال. وقد تستغرق هذه التحولات سنوات قبل أن تظهر آثارها بوضوح في الإنتاجية الكلية للاقتصاد.

وتلفت دراسة بروكينغز إلى أنَّ التفاؤل المرتبط بالذكاء الاصطناعي ساهم في دعم تقييمات الأسهم، لكنَّ تأثير هذه الطفرة على التوظيف ودخول العاملين لا يزال غير محسوم. فمن الممكن أن ترتفع أرباح الشركات نتيجة زيادة الكفاءة، من دون أن تنعكس المكاسب بالقدر نفسه على الأجور أو فرص العمل، خصوصًا إذا تركزت الاستثمارات في عدد محدود من الشركات والقطاعات.

لهذا ينبغي التمييز بين الزيادة المباشرة في الاستثمار، والتحسُّن اللاحق في إنتاجية المؤسسات، وانتقال المكاسب إلى الاقتصاد الأوسع من خلال الأجور والأسعار وفرص العمل. وقد يتحقق الأثر الأول بسرعة، بينما يتطلب الأثران الآخران وقتًا أطول وإصلاحات مكملة. كما أنَّ ارتفاع تقييمات الشركات استنادًا إلى توقعات كبيرة بشأن الأرباح المستقبلية يجعل الأسواق المالية عُرضةً لتصحيحات إذا تأخرت تلك الأرباح عن التحقق.

وتتضح أهمية هذه الفوارق عند النظر إلى الاقتصادات الكبرى. فالولايات المتحدة تستفيد من توسع الاستثمار التكنولوجي، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالعجز المالي والدين العام. أما أوروبا، فإنَّ ضعف الإنتاجية وارتفاع تكاليف الطاقة والتأخر النسبي في بعض القطاعات التكنولوجية تحدُّ من قدرتها على تحقيق نمو قوي، فيما يواجه الاقتصاد الصيني اختلالًا بين قدراته الإنتاجية الكبيرة وضعف الطلب المحلي، ما يزيد اعتماده على الأسواق الخارجية في وقتٍ تتصاعد فيه القيود التجارية.

في المقابل، تبرز الهند باعتبارها أحد الاقتصادات الكبرى الأكثر ديناميكية، إذ أشارت دراسة بروكينغز إلى اقتراب نمو ناتجها المحلي الحقيقي من 8% خلال النصف الأول من 2026، مدعومًا بالإنتاج الصناعي والاستهلاك والصادرات. غير أنَّ هذا الأداء لا يجعلها بمنأى عن ارتفاع أسعار النفط وتقلبات الأسواق المالية، بل يوضّح أنَّ قوة الطلب الداخلي وتنوُّع مصادر النشاط يمكن أن يخففا أثر الصدمات الخارجية من دون إلغائها.

تكشف هذه الصورة عن اقتصادٍ عالمي تتباعد فيه مسارات النمو، ليس فقط بين الدول المتقدمة والناشئة، بل أيضًا بين الاقتصادات التي تمتلك مصادر إنتاجية جديدة وتلك التي تعتمد على قطاعات تقليدية أو تواجه قيودًا مالية وهيكلية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح القدرة على جذب الاستثمار ورفع الإنتاجية وتنويع مصادر الطلب أكثر أهمية من مجرد المحافظة على معدل نمو إيجابي خلال سنة معينة.

اقتصادات الخليج: اختلاف مصادر القوة ومواطن الهشاشة

تُقدِّم التطورات الاقتصادية في منطقة الخليج خلال 2026 مثالًا واضحًا على أنَّ أثر الصدمات العالمية لا يتحدّد بحركة أسعار السلع الأساسية وحدها، بل يرتبط أيضًا بكميات الإنتاج والتصدير ومرونة البنية التحتية وقدرة القطاعات غير النفطية على مواصلة النشاط.

ففي الظروف المعتادة، يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة إيرادات الدول المنتجة، بينما يرفع أعباء الاستيراد على الاقتصادات المستهلكة. غير أنَّ هذه العلاقة تتغير عندما يرتبط ارتفاع الأسعار بتعطُّل الإنتاج أو اضطراب طرق التصدير، إذ قد يؤدي انخفاض الكميات المُباعة إلى تراجع الإيرادات حتى في ظلِّ ارتفاع الأسعار العالمية. وتزداد الخسائر عندما تمتد الاضطرابات إلى النقل البحري والطيران والسياحة والخدمات اللوجستية، بما يؤثر في قطاعات لا ترتبط مباشرة بإنتاج الطاقة.

وقد أبرز تقرير البنك الدولي الصادر في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 هذه المفارقة، إذ أشار إلى أنَّ اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أدت إلى انخفاض إنتاج النفط وصادراته في عدد من الاقتصادات الخليجية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطُّل أنشطة تجارية وخدمية. وبحسب تقديراته، يُتوقع انكماش اقتصادات مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% في المتوسط خلال 2026، رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

غير أنَّ هذا المتوسط يخفي اختلافات مهمة بين الدول الخليجية. ففي السعودية، أظهرت بيانات البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 0.9% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، نتيجة تراجع النشاط النفطي بنسبة 11.4%، في حين نما النشاط غير النفطي بنسبة 1.7%. ويتوقع البنك انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 2% خلال العام، مع تراجع النشاط النفطي بنسبة 17.7%، رغم مساهمة خط الأنابيب شرق–غرب في تحويل جانب من الصادرات نحو البحر الأحمر.

توضِّح هذه النتائج أنَّ وجود مسارات بديلة لتصدير النفط يساعد على الحد من الخسائر، لكنه لا يلغي أثر تراجع الإنتاج أو اضطراب النشاط الاقتصادي المرتبط بالطاقة. كما أنَّ استمرار النمو غير النفطي، وإن كان عامل دعم مهمًا، لا يكفي بالضرورة لتعويض انخفاض النشاط النفطي عندما تكون الصدمة كبيرة. ويتوقع البنك الدولي ارتفاع عجز الموازنة السعودية إلى 6.6% من الناتج المحلي في 2026، مع زيادة الدين العام إلى 34.4% من الناتج، مقارنة بـ31.8% في 2025، ما يبرز أهمية إدارة العلاقة بين الإنفاق الاستثماري والموارد المالية المتاحة.

أما دولة الإمارات، فتقدم صورة مختلفة نسبيًا، إذ يتيح تنوع قاعدتها الاقتصادية ووجود احتياطيات مالية كبيرة قدرة أكبر على امتصاص بعض آثار الاضطرابات. فقد نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 3% في الربع الأول من 2026، مدعومًا بارتفاع النشاط غير النفطي بنسبة 4.8%، بينما انكمش النشاط النفطي بنسبة 3.5%. لكنَّ القطاعات المرتبطة بحركة التجارة والسفر تعرضت لضغوط واضحة، إذ تراجع نشاط الإقامة بنسبة 5.8% والنقل بنسبة 2.2% والصناعة التحويلية بنسبة 3% خلال الفترة نفسها.

ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الإماراتي بنسبة 1.6% في 2026، مع استمرار فائض الموازنة عند 4.2% من الناتج المحلي وفائض الحساب الجاري عند 8.2%. وتشير بياناته أيضًا إلى ارتفاع التجارة غير النفطية بنسبة 13.1% خلال النصف الأول من العام، والصادرات غير النفطية بنسبة 23.9%. وتكشف هذه المؤشرات عن قدرة الاقتصاد الإماراتي على المحافظة على بعض مصادر النشاط التجاري والمالي، لكنها تظهر في الوقت نفسه أنَّ الانفتاح الاقتصادي الواسع ينقل اضطرابات النقل والتجارة الدولية بسرعة إلى القطاعات غير النفطية.

في قطر، تبدو آثار الأزمة أكثر حدة بسبب ارتباط جزء كبير من النشاط الاقتصادي بصادرات الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية اللازمة لإنتاجه ونقله. فبحسب البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 7% في الربع الأول من 2026، نتيجة تراجع النشاط الهيدروكربوني بنسبة 25.8%، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت إنتاج الغاز وتعطل عمليات التصدير. كما تشير تقديراته إلى انخفاض القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال بنحو 17%، وتراجع إيرادات الحكومة بنسبة 41.9% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 20.9% في 2026، مع تسجيل عجز مالي يعادل 7.1% من الناتج المحلي. وتوضح هذه الأرقام أنَّ امتلاك احتياطيات مالية وأصول سيادية كبيرة يوفر قدرة على تمويل الاستجابة للأزمات، لكنه لا يستطيع تعويض خسائر الإنتاج الفعلي عندما تتعرض البنية التحتية الاستراتيجية للتعطيل.

وتكشف المقارنة بين الاقتصادات الخليجية الثلاثة أنَّ تنويع الاقتصاد لا ينبغي قياسه فقط بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، بل بمدى قدرتها على توليد إيرادات وصادرات وفرص عمل مستقلة عن دورة الطاقة والإنفاق الحكومي المرتبط بها. كما أنَّ مرونة طرق التصدير والنقل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تقييم القدرة الاقتصادية على مواجهة المخاطر، لأنَّ الموارد الطبيعية لا تتحول إلى إيرادات مستقرة إذا تعذر إنتاجها أو إيصالها إلى الأسواق.

ويُظهر الرسم التالي حجم التفاوت بين الاقتصادات العربية الخمسة التي يتناولها المقال، وفق تقديرات البنك الدولي للنمو الحقيقي في 2026:

ولا تعكس الفوارق التي يوضحها الرسم حجم الصدمات الخارجية وحده، بل تكشف أيضًا اختلاف مصادر النمو ومدى تعرُّض كل اقتصاد للمخاطر. ففي الاقتصادات الخليجية الثلاثة، كان لتعطُّل إنتاج الطاقة أو تصديرها أثر مباشر في الناتج المحلي، بينما استمرت محركات الطلب والإنتاج المحلي في دعم النمو بمصر والمغرب، وإن بقي البلدان مُعرَّضَين لضغوط التمويل والطاقة والتجارة.

في هذا السياق، تكتسب الاستثمارات الخليجية في التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والصناعات المتقدمة أهمية تتجاوز هدف تنويع الناتج المحلي. فهذه الاستثمارات يمكن أن تساعد على بناء مصادر جديدة للإنتاجية والتصدير، لكنها تحتاج إلى روابط أقوى بالاقتصاد المحلي، وإلى تطوير المهارات والبحث العلمي والقدرة التنافسية للقطاع الخاص، حتى لا يبقى توسُّعها معتمدًا بصورة أساسية على الإنفاق العام.

الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة: النمو تحت ضغط التمويل والتجارة

تواجه الاقتصادات العربية المستوردة للطاقة مجموعة مختلفة من المخاطر، تتعلق بارتفاع تكاليف الواردات والتمويل والضغوط على الموازنات العامة والقدرة الشرائية للأسر. غير أنَّ تأثير هذه العوامل لا يتخذ الشكل نفسه في جميع الدول، لأنَّ قدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمات تتحدد بهيكل إنتاجه وصادراته ومستوى مديونيته ومصادر الطلب المحلي.

وتظهر هذه الفوارق بوضوح عند المقارنة بين مصر والمغرب. ففي مصر، سجل الاقتصاد نموًا حقيقيًا بنسبة 5.1% خلال السنة المالية 2025/2026، مدعومًا بالاستهلاك والاستثمار الخاصين، والصناعة التحويلية غير النفطية، والسياحة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويعكس هذا الأداء تحسنًا في بعض محركات النشاط الاقتصادي، لكنه ترافق مع استمرار ضغوط مالية ونقدية تحد من قدرة النمو على الانعكاس سريعًا على مستويات المعيشة.

وبحسب البنك الدولي، بلغ متوسط التضخم في مصر 13.3% خلال السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ20.9% في السنة السابقة، وهو انخفاض مهم، لكنه يعني أنَّ الأسعار واصلت الارتفاع بوتيرة تؤثر في القوة الشرائية للأسر وتكاليف الشركات. كما بلغ عجز الحساب الجاري نحو 4.7% من الناتج المحلي، فيما قُدّر عجز الموازنة بنسبة 6.8% والدين العام بنسبة 79.2% من الناتج. وبلغ إجمالي الدين الخارجي، العام والخاص، نحو 42% من الناتج المحلي المقدّر بنهاية آذار (مارس) 2026.

وتشير هذه الأرقام إلى أنَّ التحدي المصري لا يتمثل في استعادة النمو وحده، بل في المحافظة عليه بالتزامن مع خفض التضخم وتكاليف التمويل وتحسين المركز الخارجي. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والشحن يزيد فاتورة الواردات، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة الاقتراض إلى تقليص الموارد المتاحة للاستثمار العام والخاص. وإذا لم يترافق تحسُّن النمو مع زيادة الصادرات والإنتاجية وتدفقات الاستثمار المباشر، فقد تبقى الحاجة إلى التمويل الخارجي مصدرًا مستمرًّا للضغوط.

أما المغرب، فيظهر وضعًا أكثر توازنًا من حيث التضخم والمالية العامة، لكنه يظل مُعرَّضًا لتقلبات أسعار الطاقة والطلب الأوروبي والظروف المناخية. ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.4% في 2026، مدعومًا بانتعاش النشاط الزراعي بنسبة 12%، في مقابل تباطؤ نمو الأنشطة غير الزراعية إلى 3.5%.

توضح هذه الفجوة أنَّ التحسُّن في النمو الإجمالي يرتبط بدرجة مهمة بتعافي الإنتاج الزراعي، وهو ما يستدعي التمييز بين النمو الناتج من ظروف مناخية مواتية والتحسن المستدام في إنتاجية القطاعات الصناعية والخدمية. فاعتماد جزء من الأداء الاقتصادي على تقلبات الإنتاج الزراعي يجعل معدلات النمو السنوية عرضة للتغير، حتى عندما تحافظ القطاعات الأخرى على نشاط مستقر نسبيًا.

ويتوقع البنك الدولي أن يبلغ التضخم في المغرب 1.2% خلال 2026، وأن يستقر عجز الموازنة عند 3.5% من الناتج المحلي، مع دين عام يعادل 65.6%. غير أنَّ عجز الحساب الجاري مرشَّح للاتساع إلى 3.6% من الناتج، نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة. كما أنَّ ارتباط جزء مهم من الصادرات الصناعية والخدمات والسياحة بالأسواق الأوروبية يجعل الاقتصاد حساسًا تجاه تباطؤ الطلب في تلك الأسواق.

تكشف المقارنة بين مصر والمغرب أنَّ الاقتصادات المستوردة للطاقة لا تتأثر بالصدمات الخارجية بصورة متماثلة. فمصر تواجه ضغوطًا أكبر مرتبطة بالتضخم وخدمة الدين والاحتياجات التمويلية، بينما يتمثل جانب مهم من التحدي المغربي في تقليل حساسية النمو للتقلبات المناخية ورفع إنتاجية الأنشطة غير الزراعية والمحافظة على القدرة التنافسية للصادرات.

ولا تعني هذه الفوارق أنَّ الاقتصادات المستوردة للطاقة تفتقر إلى فرص النمو. فإعادة تنظيم سلاسل الإمداد العالمية قد تتيح فرصًا جديدة للصناعات التصديرية والخدمات اللوجستية، كما أنَّ التحول الرقمي يمكن أن يساعد على تحسين إنتاجية المؤسسات وخفض تكاليف التشغيل. غير أنَّ الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تحسين مناخ الأعمال وتطوير المهارات وتعزيز قدرة الشركات المحلية على الاندماج في الأسواق الخارجية.

وفي هذا الإطار، تكتسب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة بالنسبة إلى المنطقة العربية، ليس فقط من حيث بناء مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، بل من حيث قدرتها على تحسين الإنتاجية في القطاعات التي تواجه قيودًا هيكلية. فالتطبيقات التي تساعد على إدارة الطاقة والمياه، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والمالية، قد تحقق مكاسب اقتصادية واسعة إذا أصبحت متاحة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وللقطاعات العامة والخاصة.

لكنَّ تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج فعلية يتطلب معالجة الفجوات في المهارات والبيانات والبنية التحتية الرقمية، فضلًا عن تطوير تطبيقات تتلاءم مع اللغة العربية واحتياجات المؤسسات المحلية. فالتكنولوجيا لا ترفع الإنتاجية بصورة تلقائية، وإنما من خلال قدرة المؤسسات والعاملين على استخدامها لتغيير أساليب الإنتاج والإدارة وتقديم الخدمات.

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أنَّ التحدي الاقتصادي العربي لا يقتصر على الحد من آثار ارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف التمويل، بل يتعلق ببناء مصادر نمو أقل اعتمادًا على الظروف الخارجية. فالدول المصدّرة للطاقة تحتاج إلى تعزيز مرونة الإنتاج والتصدير وتطوير قطاعات غير نفطية قادرة على المنافسة بصورة مستقلة، بينما تحتاج الدول المستوردة إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد وتوسيع صادراتها وتقليل هشاشتها التمويلية.

وفي الحالتين، تصبح الإنتاجية العامل الحاسم في تحويل الاستثمار إلى نموٍّ مستدام. فالاقتصادات التي تستطيع زيادة إنتاجها من خلال تحسين الكفاءة والتكنولوجيا والمهارات تكون أقدر على المحافظة على النمو من دون زيادة مماثلة في استهلاك الموارد أو تراكم الديون. كما أنَّ وجود قاعدة إنتاجية متنوعة وقطاع خاص قادر على المنافسة يخفف من انتقال الصدمات الخارجية إلى المالية العامة وفرص العمل ومستويات المعيشة.

تؤكد تجربة 2026 أنَّ استمرار النمو العالمي لا ينبغي اعتباره دليلًا كافيًا على تجاوز الاختلالات الاقتصادية المتراكمة. فالاقتصادات الكبرى تواصل التوسع رغم ارتفاع الديون والضغوط التضخمية، والاستثمارات التكنولوجية توفر مصادر جديدة للنشاط من دون أن تكون مكاسبها الإنتاجية والاجتماعية قد اتضحت بالكامل، فيما تكشف اضطرابات الطاقة والتجارة أنَّ امتلاك الموارد الطبيعية لا يوفر حماية تلقائية من الخسائر الاقتصادية.

وعليه، فإنَّ استدامة التعافي العالمي ستعتمد بصورة متزايدة على قدرة الاقتصادات على معالجة الاختلالات المالية، وتنويع مصادر الإنتاج، وتحويل الاستثمارات التكنولوجية إلى مكاسب إنتاجية واسعة. وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإنَّ نجاح هذه العملية سيحدد مدى قدرتها على الاستفادة من مواردها الطبيعية والبشرية والمالية لبناء اقتصادات أكثر تنوعًا وأقل تعرضًا للتقلبات الخارجية.

فالمعيار الأهم لمتانة الاقتصاد لا يتمثل في مقدار النمو الذي يحققه عندما تكون الظروف مواتية، بل في قدرته على المحافظة على الاستثمار والإنتاج وفرص العمل عندما تتغير تلك الظروف. ومن هذه الزاوية، فإنَّ الصمود الذي أظهره الاقتصاد العالمي خلال 2026 يمثل إنجازًا لا يمكن تجاهله، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى إصلاحات تجعل النمو أقل اعتمادًا على الظروف الاستثنائية وأكثر استنادًا إلى الإنتاجية والاستثمار المستدام والاستقرار المالي.

  • هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى