أوباما وإسرائيل: حين صارَ التأسيسُ مَوضِعَ اتهام

البروفِسور بيار الخوري*

بِلفاست مدينة تَعرفُ معنى الأرض المُتنازَع عليها. وإليها عاد باراك أوباما مساء الثالث عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، بعد ثلاثة عشر عامًا على زيارته الأولى، وقد جعل اتفاق الجمعة العظيمة في خطابه الجامعي مثالًا ساطعًا على ما يمكن أن يحدث حين يختار الناس السلام على الصراع. وفي المساء، أمام آلاف الحاضرين، سألته الصحافة عن الشرق الأوسط. بدأ من حيث يبدأ كل سياسي أميركي: اضطهاد اليهود عبر القرون، ومسؤولية أوروبا عن معظمه، ومشروعية بحثهم عن ملجأ. ثم توقف قليلًا وأضاف ما لم يقله رئيس أميركي من قبل: إنَّ ما لا يُنكَرُ أيضًا أنهم “أخذوا أرضًا من الناس وكانوا مُفرِطين”، وإنَّ أصحابَ تلك الأرض قالوا، ولهم في ذلك ما يُفهَم، إنه ظلمٌ ويريدون أرضهم.

الفاعل في الجملة هم اليهود الباحثون عن ملجأ، وليس الدولة. ولما نسب عنوان “جِيروزاليم بوست” الكلام إلى إسرائيل وتناقلته الصحف العربية على هذا الأساس، صارت الجملة انتقادًا لسياسة قائمة بعد أن كانت حُكمًا على لحظة التأسيس، فخسرت أثقل ما فيها. أما فقدان الأرضية الأخلاقية فجاء بصيغة الشرط: إن كان أمن إسرائيل في نظرها أن تأخذ ما تريد بلا تنازلات لأنها الأقوى، فقد تخلّت عن تلك الأرضية، وقد ينجح ذلك في المدى القصير. ثم خاطب الإسرائيليين مباشرة: هل سيعيش أبناؤكم وأحفادكم خلف الجدران، أم ستجدون طريقة عادلة للدفاع عن أنفسكم؟

فهل عبر الرجل في تلك الليلة الحدّ الذي وقف عنده الخطاب الرئاسي الأميركي ثمانية عقود، أم أنه قال ما صار قابلًا للقول؟

لا يُعرَفُ وزن الكلام إلّا بمقارنته بما قيل قبله. في القاهرة، يوم الرابع من حزيران (يونيو) 2009، وقف باراك أوباما، في الأشهر الأولى من رئاسته، مخاطبًا العالم الإسلامي، وأعلن أنَّ الولايات المتحدة لا تقبل شرعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية، مطالبًا بوقف بنائها. فقوبل المطلب الأميركي بتحفُّظٍ إسرائيلي، وأثار غضب أوساط المستوطنين. وبعد سبع سنوات، في الأيام الأخيرة من ولايته، امتنعت إدارته عن استخدام حق النقض في مجلس الأمن، فصدر القرار 2334 في الثالث والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2016، مؤكدًا عدم شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. وبعد خمسة أيام، ترك أوباما لوزير خارجيته جون كيري أن يلقي خطابًا بدا أشبه بوصيةٍ ديبلوماسية أخيرة. وقبل أن يبدأ كيري، كان بنيامين نتنياهو قد شكر علنًا الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على صداقته ودعمه لإسرائيل، وكأنه ينتظر انتهاء العهد. وفي ذلك الخطاب، يوم الثامن والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2016، قال كيري عبارته الشهيرة: “إذا كان الخيار هو الدولة الواحدة، فإما أن تكون إسرائيل يهودية أو ديموقراطية؛ ولا يمكنها أن تكون الأمرين معًا”. كان ذلك الحدَّ الذي بلغته الديبلوماسية الأميركية في نقد الاحتلال: التحذير من تحوّله إلى واقعٍ دائم يُقوّض حل الدولتين، مع إبقاء خطوط عام 1967 أساسًا للتسوية السياسية.

قبل ذلك بعشر سنوات، كان جيمي كارتر قد ذهب أبعد من هذا الحد. فالرجل الذي رعى اتفاقات “كامب ديفيد” اختار لكتابه، الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، عنوانًا صادمًا: “فلسطين: سلام لا فصل عنصري”. ولم يكن يجهل وقع الكلمة؛ فقد أقرّ بأنه اختارها عمدًا لإثارة النقاش حول ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقوبل الكتاب بحملة انتقادات حادة، ونشرت “رابطة مكافحة التشهير” إعلانات في الصحف الأميركية الكبرى تهاجمه، فيما استقال باحثون ومستشارون مرتبطون بمركز كارتر احتجاجًا عليه. ودفع الرئيس الأسبق ثمن اختياره للكلمة، إذ وجد نفسه مُتَّهمًا بمعاداة السامية، بعدما أمضى عقودًا يدافع عن السلام بين العرب وإسرائيل.

ثم جاء السيناتور بيرني ساندرز، الذي كان قد أبدى انزعاجه من مصطلح “الإبادة الجماعية” حين طالبه محتجّون، خلال محاضرة في دبلن في شباط (فبراير) 2024، باستخدامه لوصف ما يجري في غزة. لكنه في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) 2025 تجاوز تحفّظه السابق، ونشر على موقعه الرسمي مقالًا بعنوان “إنها إبادة جماعية”، كتب فيه: “النية واضحة، والاستنتاج لا مفر منه: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة”. فكان أول عضو في مجلس الشيوخ الأميركي يُعلن ذلك صراحة. وبعد خمسة أيام، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منبر الأمم المتحدة في نيويورك، وأعلن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين، وسط تصفيق حار من الحاضرين، مذكّرًا بأنَّ الوعد بإقامة دولة عربية، الذي تضمّنه قرار تقسيم فلسطين عام 1947، لم يتحقّق حتى ذلك اليوم.

صعد الأربعة السلّم، وتوقف كلٌّ منهم عند درجة. انتقد أوباما الرئيس الاستيطان، وأخذ كارتر من جنوب أفريقيا تسميتها، وحاكم ساندرز الحرب بأشد المصطلحات القانونية، واقترب ماكرون من عام 1947 بوصفه وعدًا ناقصًا. لم يتناول أيٌّ منهم لحظة التأسيس بوصفها فعلًا له ضحايا.

في بِلفاست فعل أوباما ذلك. جعل جيل التأسيس فاعلًا، والأرض مفعولًا به، والإفراط صفة الفعل، ومطالبة الفلسطينيين بأرضهم شعورًا مفهومًا. بلغ بذلك عتبة الدرجة الأخيرة ووقف عندها: لم يصف الهجرة اليهودية بأنها غير مشروعة، ولم ينكر تاريخ الاضطهاد، ولم يستخدم كلمة الإبادة في وصف ما يجري في غزة. كان أجرأ من ساندرز في مساءلة الماضي، وأكثر تحفُّظًا منه في وصف الحاضر.

ولا تكفي هذه الجرأة، وحدها، لإثبات تحوّل في قناعاته. ففي مذكراته الصادرة عام 2020، قدّم رواية مقتضبة لقيام إسرائيل، اتهمه بعض منتقديها بأنها تعيد كتابة التاريخ. لكن ما تغيّر بوضوح هو الجمهور الذي يخاطبه. ففي شباط (فبراير) 2026، تقدّم المتعاطفون مع الفلسطينيين عدديًا في استطلاع “غالوب” للمرة الأولى منذ بدء قياسه عام 2001، بنسبة واحد وأربعين في المئة مقابل ستة وثلاثين، وإن كان الفارق ضمن هامش الخطأ الإحصائي. وبلغت النسبة بين الديموقراطيين خمسة وستين في المئة مقابل سبعة عشر. وحتى الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، الذي جمعته بنتنياهو علاقة سياسية وثيقة، تجنّب إعلان تأييده لإعادة انتخابه قبل الاقتراع الإسرائيلي المقرر في السابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر)، وحين سُئل عن موقفه قال إنه لا يثق بأحد في عالم السياسة. هكذا، لم تعد اللغة التي أثارت عاصفة حول كارتر قبل عشرين عامًا معزولة عن تحوّل أوسع في النقاش الأميركي، وإن ظلّ التعاطف مع الفلسطينيين مختلفًا عن تبنّي توصيف قانوني محدد لما يتعرّضون له.

لم يكن التوازن الذي حرص عليه أوباما للزينة. فقد دعا الفلسطينيين إلى إدراك عجزهم عن التفوق في القتل أو التسلح، وإلى انتهاج اللاعنف، وأكد أنَّ سبعة ملايين منهم باقون في أرضهم. بهذا تتحول عبارة “أريدُ أرضي” من مطلبٍ باستعادة الأرض إلى ألمٍ يُعالَج بالتعايش. الاعتراف في البداية جذري، والخلاصة في النهاية معتدلة.

لذلك تباينت القراءات الإعلامية لتصريحات أوباما. فقد رأت منظمة “أونست ريبورتينغ” (HonestReporting)، المعنية بمراقبة التغطية الإعلامية لإسرائيل، أنَّ روايته أغفلت الصلة التاريخية لليهود بأرضهم الممتدة آلاف السنين. وذكّر موقع “جويش إنسايدر” (Jewish Insider) الإخباري الأميركي بأنَّ جانبًا من الاستيطان اليهودي المبكر قام على أراضٍ اشتُريت بصورة قانونية. في المقابل، قرأت صحيفة “بالستاين كرونيكل” (The Palestine Chronicle) الإلكترونية كلامه بوصفه إقرارًا بانتزاع أراضي الفلسطينيين وتهجيرهم، لكنها ذكّرت بالتناقض بين هذا الإقرار وسياسات إدارته، التي وقّعت في أيلول (سبتمبر) 2016 مذكرة تفاهم لتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة ثمانية وثلاثين مليار دولار على مدى عشر سنوات. أما على المستوى الرسمي، فلم تبرز، حتى وقت إعداد المقال، ردود معلنة من الحكومة الإسرائيلية أو السلطة الفلسطينية أو قيادتي الحزبين الأميركيين تتناول تصريحات أوباما مباشرة.

يراه بعضهم اعترافًا جاء متأخرًا، ويراه آخرون تشويهًا لحق تاريخي، ويراه فريق ثالث (ومنهم كاتب هذه السطور) شجاعة لم تظهر إلّا بعد مغادرة السلطة. والجملة نفسها تكشف حدودها: الرئيس السابق قالها، والرجل نفسه لم يقلها حين كان رئيسًا.

  • البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى