الصحراء الغربية أمام مرحلة جديدة: واشنطن تنتقل من تثبيت الاعتراف إلى ديبلوماسية التسوية

من اعتراف الرئيس دونالد ترامب بالسيادة المغربية إلى القرار الأممي 2797 والمفاوضات الأميركية الأخيرة، يكتسب مقترح الحكم الذاتي موقعًا متقدمًا في الجهود الدولية لإنهاء النزاع. وبين المكاسب التي حققتها الرباط والعقبات التي لا تزال تعترض التسوية، تدخل القضية مرحلة قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل الاستقرار والتعاون الإقليمي في شمال أفريقيا.

خريطة الصحراء الغربية تُبرز مناطق السيطرة الميدانية في ظل الجهود الدولية للتوصل إلى تسوية سياسية.

سمير الحلو من الرباط، ومحمد زين الدين من واشنطن*

لم يعد السؤال المطروح في واشنطن يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف بسيادة المغرب على الصحراء، فقد حسمت هذا الموقف منذ كانون الأول (ديسمبر) 2020، وأعادت تأكيده في مناسبات لاحقة. السؤال الذي بات يشغل الديبلوماسية الأميركية اليوم أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحويل هذا الاعتراف إلى قوة دفع سياسية تساعد على إنهاء نزاع مستمر منذ نحو نصف قرن، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون الاقتصادي في شمال أفريقيا؟

هذا التحوُّل في طبيعة الاهتمام الأميركي يُفسّر جانبًا مهمًا من التحرّكات الديبلوماسية التي شهدها ملف الصحراء الغربية خلال الأشهر الأخيرة. فبينما يواصل كبار المسؤولين الأميركيين تأكيد دعمهم للسيادة المغربية ولمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط، تتكثف الاتصالات مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، وتتزايد الجهود الرامية إلى تجاوز حالة الجمود والانتقال نحو تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.

وقد أثار الجمع بين هذين المسارين تساؤلات بشأن حقيقة السياسة الأميركية، خصوصًا بعدما أقر مسؤولون في إدارة الرئيس دونالد ترامب بأنَّ الحلَّ النهائي ليس وشيكًا، وأنَّ استمرار الوضع الراهن لم يعد مقبولًا. غير أنَّ قراءة هذه التصريحات في سياقها السياسي والأممي تشير إلى أنَّ واشنطن لا تُعيدُ النظر في اعترافها بالسيادة المغربية، بل تُحاول البناء عليه ضمن عملية تفاوضية أكثر نشاطًا.

بالنسبة إلى المغرب، يمثل هذا التطوُُّر فرصة ديبلوماسية مهمة. فالرباط تدخل المرحلة الحالية مستندة إلى اعترافٍ أميركي واضح، وإلى تحوُّلٍ لافت في صياغة قرارات مجلس الأمن، وإلى اتساع التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي. لكن الاستفادة من هذه العناصر تتطلب الانتقال من تثبيت المكاسب السياسية إلى توظيفها في مسار تفاوضي يستطيع التعامل مع العقبات التي حالت دون إنهاء النزاع طوال العقود الماضية.

                                                   من الاعتراف الأميركي إلى التحوّل الأممي

شكّل الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على الصحراء، الذي أعلنه ترامب في 10 كانون الأول (ديسمبر) 2020، نقطة تحول رئيسية في مسار القضية. فلم تكتفِ واشنطن آنذاك بدعم مبادرة الحكم الذاتي، بل اعترفت صراحة بالسيادة المغربية على الإقليم، واعتبرت أنَّ الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمثل الحل العملي للنزاع.

كانت أهمية الإعلان تتجاوز العلاقات الثنائية بين الرباط وواشنطن. فقد جاء في سياق إعادة ترتيب بعض العلاقات الإقليمية، بالتزامن مع استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل، لكنه منح الموقف المغربي دعمًا سياسيًا أميركيًا مباشرًا لم يكن متوافرًا بهذه الصيغة من قبل.

بذلك، انتقلت الولايات المتحدة من دعم مقترح الحكم الذاتي بوصفه مبادرة جدية وذات مصداقية إلى الاعتراف بالسيادة المغربية نفسها. وهو فارقٌ جوهري في السياسة الخارجية، لأنَّ الاعتراف يتعلّق بموقف الدولة من الوضع السياسي للإقليم، بينما يتعلّق دعم المبادرة التفاوضية بالطريقة التي يمكن من خلالها إنهاء النزاع.

وقد أعاد ترامب تأكيد هذا الموقف في رسالة إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش عام 2026، شدد فيها على اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء، ودعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لحلٍّ عادل ودائم. وحملت الرسالة دلالة سياسية واضحة، إذ أكدت أنَّ الاعتراف الأميركي لم يبقَ مجرّد إعلانٍ ارتبط بظروف نهاية الولاية الرئاسية الأولى لترامب، بل أصبح أحد مرتكزات السياسة الأميركية تجاه المغرب.

غير أنَّ التطور الأبرز لم يأتِ من واشنطن وحدها. ففي 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797، الذي منح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعًا أكثر تقدُّمًا في العملية السياسية الأممية.

فقد دعا القرار إلى إجراء المفاوضات على أساس المقترح المغربي، بهدف التوصُّل إلى حلٍّ سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين، يتيح ممارسة حق تقرير المصير، مع الإشارة إلى أنَّ الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثّل نتيجةً قابلة للتحقيق.

تكمن أهمية هذه الصياغة في أنها جعلت المبادرة المغربية أساسًا صريحًا للمناقشات التي يدعمها مجلس الأمن، بدل الاكتفاء بالإشارة إليها ضمن المبادرات المطروحة. وهي خطوة مهمة بالنسبة إلى الرباط، التي تسعى منذ تقديم مبادرتها عام 2007 إلى ترسيخ الحكم الذاتي بوصفه الإطار السياسي الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.

هذا لا يعني أنَّ الأمم المتحدة اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء، أو أنَّ القرار أنهى النزاع قانونيًا وسياسيًا. فالعملية الأممية لا تزال تقوم على التفاوض للوصول إلى تسوية مقبولة للأطراف المعنية. لكن القرار منح المقترح المغربي مكانة أكثر مركزية، وفتح المجال أمام الانتقال من مناقشة المبادئ العامة إلى البحث في الترتيبات العملية التي يمكن أن تقوم عليها التسوية.

وهنا يبرز التقاطع بين المقاربتين الأميركية والأممية. فالولايات المتحدة تتبنّى موقفًا واضحًا بشأن السيادة المغربية، وتعتبر الحكم الذاتي الأساس الوحيد للحل، بينما يوفر مجلس الأمن إطارًا دوليًا للمفاوضات يستند إلى المبادرة المغربية، من دون أن يلغي الحاجة إلى اتفاقٍ سياسي نهائي.

بالنسبة إلى المغرب، يتيح هذا التقاطع فرصة لتعزيز موقعه الديبلوماسي. فالمبادرة التي ظلت لسنوات موضوعًا للنقاش أصبحت مرجعًا أساسيًا في مسارٍ تفاوضي تدعمه واشنطن والأمم المتحدة، وهو تطوُّر يمكن أن يُغيّر طبيعة المفاوضات إذا نجحت الأطراف في الانتقال إلى مناقشة التفاصيل العملية.

واشنطن تختبر طريق التسوية

لم تقتصر المقاربة الأميركية الجديدة على إصدار البيانات أو تجديد الاعتراف. فقد شهد مطلع عام 2026 تحركات تفاوضية مباشرة شاركت فيها الأطراف الرئيسية المعنية بالنزاع، في محاولة لإعادة تنشيط العملية السياسية بعد سنوات من الجمود.

فخلال كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير)، عُقدت ثلاث جولات من المحادثات جمعت ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، في واشنطن ومدريد، بمشاركة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، وبدعم من مسعد بولس، مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية.

واكتسبت هذه الاجتماعات أهميتها من كونها أعادت جمع الأطراف الأربعة في محادثات مباشرة للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات. كما عكست استعداد الولايات المتحدة للانخراط في العملية التفاوضية بصورة أكثر مباشرة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

لكن انعقاد الاجتماعات لم يكن كافيًا لتحقيق اختراق جوهري. فالمغرب ظل متمسّكًا بالحكم الذاتي تحت سيادته، فيما واصلت جبهة البوليساريو المطالبة بتسوية تستجيب لتصوّرها لحق تقرير المصير. وبقيت الخلافات بين الأطراف عائقًا أمام تحقيق تقدُّم حاسم، رغم استئناف الحوار المباشر.

يساعد هذا الواقع على فهم التصريحات التي صدرت عن مسؤولين أميركيين في أواخر أيلول (سبتمبر). ففي 25 من الشهر نفسه، أكد نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو، عقب محادثات مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة في نيويورك، التزام واشنطن بتطوير التعاون مع المغرب في الصحراء تحت السيادة المغربية، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة العمل مع الأطراف المعنية لإنهاء النزاع بصورة نهائية.

وأشار لانداو إلى أنَّ استمرار الخلاف طوال أكثر من خمسين عامًا يجعل الإبقاء على الوضع القائم أمرًا غير مقبول. ولم يتضمّن هذا الموقف أي إشارة إلى مراجعة الاعتراف الأميركي، بل جمع بين تأكيد السيادة المغربية والدعوة إلى تكثيف الجهود السياسية.

في السياق نفسه، أكد مسعد بولس ثبات الموقف الأميركي الداعم للسيادة المغربية ولمقترح الحكم الذاتي، لكنه أقرَّ بأنَّ التوصُّل إلى تسوية نهائية لا يبدو وشيكًا. وقد تبدو هذه التصريحات متحفّظة مقارنة باللغة الحاسمة التي استخدمها ترامب في إعلان الاعتراف، لكنها تتناول مسألتين مختلفتين: الموقف الأميركي من السيادة، والعقبات التي لا تزال تعترض إنهاء النزاع.

فالاعتراف قرارٌ سياسي اتخذته واشنطن وتُواصل التمسُّك به، أما التسوية فتحتاج إلى مفاوضات تتعامل مع مواقف الأطراف الأخرى، وتبحث في الضمانات والترتيبات التي يمكن أن تجعل أيَّ اتفاقٍ قابلًا للتنفيذ والاستمرار.

لذا، فإنَّ تكثيف الاتصالات الأميركية لا يعكس بالضرورة تراجعًا عن دعم الرباط، بل إدراكًا بأنَّ تثبيت الموقف السياسي لا يكفي وحده لإنهاء نزاع تتداخل فيه اعتبارات السيادة والأمن والتنافس الإقليمي.

ويساعد هذا المنطق أيضًا على تفسير استمرار التواصل الأميركي مع الجزائر. فالأخيرة طرفٌ إقليمي رئيسي في المعادلة المحيطة بالنزاع، وتؤثر علاقاتها المتوترة مع المغرب في فرص الوصول إلى تسوية مستقرة. كما أنَّ دعمها لجبهة البوليساريو يجعل موقفها عنصرًا مهمًا في أيِّ جهدٍ ديبلوماسي يسعى إلى تجاوز الجمود.

لا يعني انفتاح واشنطن على الجزائر أنها تتجه إلى تبنّي موقفها من الصحراء، أو أنها تضع الاعتراف بالسيادة المغربية موضع تفاوض. بل يعكس هذا التواصل إدراكًا لطبيعة النزاع، الذي لا يمكن فصله عن البيئة الأمنية والسياسية الأوسع في منطقة المغرب العربي.

فالتنافس المغربي – الجزائري يتجاوز قضية الصحراء، ويشمل ملفات الحدود والتعاون الأمني والتوازنات الإقليمية والعلاقات مع القوى الدولية. لذلك، فإنَّ أيَّ تسوية سياسية تحتاج إلى التعامل مع هذه البيئة، حتى لو ظل جوهر المقاربة الأميركية قائمًا على دعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وتواجه واشنطن هنا معادلة دقيقة: المحافظة على شراكتها الاستراتيجية مع الرباط، وتشجيع الجزائر على الانخراط في مسار سياسي يمكن أن يسهم في تخفيف التوتر الإقليمي. ولا تبدو الضغوط وحدها كافية لتحقيق هذه الغاية؛ فقد تحتاج الديبلوماسية الأميركية إلى الجمع بين الحوافز السياسية والاقتصادية والأمنية، وإيجاد مساحة تسمح بمناقشة المخاوف الإقليمية من دون تحويل المفاوضات إلى إعادة نظر مفتوحة في الموقف الأميركي من السيادة.

أما جبهة البوليساريو، فلا يزال موقفها من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل إحدى العقبات الأساسية أمام التسوية. لذلك، فإنَّ أيَّ جهد أميركي يرمي إلى تحقيق تقدم فعلي يحتاج إلى التعامل مع هذه العقبة مباشرة، بدل الاكتفاء بتكرار المواقف المعلنة.

تكمن إحدى نقاط القوة في المبادرة المغربية في أنها تُقدّم إطارًا يمكن من خلاله مناقشة توزيع الصلاحيات وإدارة الشؤون المحلية والضمانات المؤسسية. لكن تحويل هذا الإطار إلى اتفاق يتطلب استعدادًا تفاوضيًا من الأطراف المعنية، وقدرة على معالجة الخلافات التي لا تزال تحول دون التوصُّل إلى تسوية.

المغرب أمام فرصة ديبلوماسية جديدة

بالنسبة إلى الرباط، تأتي هذه التطورات في مرحلة شهد فيها الموقف الدولي من مبادرة الحكم الذاتي تحوّلات مهمة. فالاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية، والموقع الذي منحه مجلس الأمن للمبادرة في القرار 2797، يتيحان للمغرب الدخول إلى المفاوضات من موقع سياسي مختلف عن المراحل السابقة.

لكن أهمية هذه المكاسب لا تكمن فقط في قيمتها الرمزية أو الديبلوماسية، بل في قدرتها على تعزيز فرص الانتقال إلى نقاشٍ عملي بشأن التسوية.

فمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة عام 2007 تقوم على تصوُّرٍ يمنح سكان الإقليم صلاحيات في إدارة شؤونهم المحلية، مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصات السيادة الأساسية. ومع تقدُّم العملية السياسية، يمكن أن تكتسب التفاصيل المؤسسية للمبادرة أهمية متزايدة، بما يشمل توزيع الصلاحيات بين المؤسسات المحلية والسلطات المركزية، والضمانات المرتبطة بممارسة الحكم الذاتي، وآليات تمثيل السكان وإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية.

لا ينبغي النظر إلى هذه المسائل بوصفها إعادة فتح لمبدأ السيادة في الموقف المغربي، بل باعتبارها جوانب عملية تتطلّبها أيّ تسوية قائمة على الحكم الذاتي. فكلما أصبحت الترتيبات المقترحة أكثر وضوحًا، أمكن مناقشتها بصورة أكثر تحديدًا ضمن العملية التفاوضية، وتقييم مدى قدرتها على توفير إدارة محلية فاعلة وضمانات مؤسسية مستدامة.

وقد أظهر تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، المؤرخ في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2026، أنَّ النقاشات بدأت بالفعل تتجاوز المواقف العامة نحو البحث في بعض الجوانب العملية للتسوية.

فبحسب التقرير، قدم المغرب في كانون الثاني (يناير) 2026 مشروعًا مفصَّلًا لنظام الحكم الذاتي، يطور المبادرة التي طرحها عام 2007. وقد سُلّم المشروع إلى المبعوث الأممي والولايات المتحدة والأطراف المشاركة في المفاوضات، بوصفه وثيقة مخصصة للنقاش، لا اتفاقًا نهائيًا.

كما تناولت المحادثات أفكارًا تتعلق بترتيبات انتقالية وضمانات وآليات مؤسسية محتملة، في إطار البحث عن صيغة سياسية قابلة للتطبيق. وأشار غوتيريش إلى أنَّ القرار 2797 منح العملية السياسية زخمًا جديدًا، رغم استمرار انعدام الثقة والتوترات الميدانية بين الأطراف.

تكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تشير إلى انتقالٍ تدريجي من مناقشة المبادئ إلى بحث مضمون الحكم الذاتي وآليات تنفيذه. وهي مرحلة تختلف عن سنوات الجمود التي ظلت فيها المفاوضات تدور حول مواقف سياسية متباعدة من دون التقدم إلى التفاصيل العملية.

مع ذلك، فإنَّ الاقتراب من هذه التفاصيل لا يجعل التسوية تلقائية أو سهلة. فالمفاوضات بشأن الصلاحيات والضمانات والمرحلة الانتقالية قد تثير خلافات جديدة، لأنها تنتقل من مستوى المبادئ إلى مستوى الالتزامات العملية. لكن هذه الصعوبات تختلف عن الجمود الذي ينشأ عندما ترفض الأطراف أصلًا مناقشة الخيارات المطروحة.

ولا يمكن تحميل المغرب وحده مسؤولية نجاح المفاوضات. فالتوصل إلى اتفاق يتطلب أيضًا استعداد الأطراف الأخرى للتعامل بجدية مع المبادرة المغربية، والانتقال من المواقف المبدئية إلى مناقشة ترتيبات سياسية محددة.

من هذه الزاوية، تمثل المرحلة الحالية فرصة للرباط للبناء على المكاسب التي حققتها خلال السنوات الماضية، مع المحافظة على المبادرة السياسية والديبلوماسية في ملفٍّ أصبح يحظى باهتمام أميركي ودولي متزايد.

من الاستقرار السياسي إلى الفرص الاقتصادية

لا تقتصر أهمية التسوية المحتملة على الجوانب السياسية والأمنية. فاستمرار النزاع، إلى جانب التوتر المغربي – الجزائري، يفرض كلفة اقتصادية على منطقة المغرب العربي، التي لا تزال أقل تكاملًا مما تسمح به إمكاناتها الجغرافية والبشرية والاقتصادية.

فإغلاق الحدود البرية بين المغرب والجزائر، وضعف المبادلات المباشرة بين البلدين، ومحدودية المشاريع الإقليمية المشتركة، كلها عوامل تعكس حجم الفرص التي لم تتحوّل إلى واقعٍ اقتصادي.

ومن شأن تخفيف التوترات وتهيئة ظروف تسوية مستقرّة أن يفتح مجالًا أوسع للتعاون في قطاعات النقل والطاقة والتجارة والاستثمار، وأن يعزز فرص الربط بين شمال أفريقيا وعمقها الأفريقي.

بالنسبة إلى المغرب، يرتبط هذا الاحتمال أيضًا بمشاريع التنمية والبنية التحتية التي يسعى إلى تطويرها في أقاليمه الجنوبية، وبطموحه إلى تعزيز موقعه بوصفه حلقة وصل اقتصادية ولوجستية بين أوروبا وأفريقيا والمجال الأطلسي.

وقد اكتسب هذا التوجه بُعدًا إضافيًا مع المبادرات المغربية الرامية إلى تعزيز وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وتطوير البنية التحتية والموانئ وشبكات النقل والطاقة. فالمغرب ينظر إلى أقاليمه الجنوبية بوصفها جزءًا من مشروع تنموي أوسع، يربط التنمية المحلية بالاندماج الاقتصادي الأفريقي.

لكن المكاسب الاقتصادية المحتملة لأيِّ تسوية لا تتحقق تلقائيًا بمجرّد تقدُّم المفاوضات. فهي تحتاج إلى استقرارٍ سياسي، وترتيبات أمنية قابلة للاستمرار، ومناخ إقليمي يسمح بتطوير التعاون الاقتصادي.

من هذه الزاوية، فإنَّ الاهتمام الأميركي بإنهاء النزاع يتصل أيضًا باعتبارات استراتيجية أوسع، تشمل الاستقرار في شمال أفريقيا، وتوسيع فرص الاستثمار، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية في منطقة تكتسب أهمية متزايدة في العلاقات الدولية.

وتحمل التطورات الأخيرة دلالات بالنسبة إلى إسرائيل، التي أصبحت علاقاتها بالمغرب جزءًا من شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية منذ استئناف العلاقات الرسمية بين البلدين في إطار “اتفاقيات أبراهام”.

فالولايات المتحدة وإسرائيل تتبنيان موقفًا داعمًا للسيادة المغربية على الصحراء، لكن التحرك الأميركي يوضّح أنَّ الاعتراف السياسي، مهما بلغت أهميته، لا ينهي تلقائيًا النزاعات الإقليمية.

وهذه مسألة تتجاوز الحالة المغربية. فالإعلانات الديبلوماسية تستطيع تغيير موازين الدعم السياسي وتعزيز مواقع الحلفاء، لكنها تحتاج إلى ترتيبات عملية كي تتحوّل إلى استقرارٍ طويل الأمد.

لا ينبغي تفسير استمرار الوساطة الأميركية بوصفه تراجعًا عن الاعتراف بالموقف المغربي. فواشنطن تميز بين قرار سياسي اتخذته بالفعل، وبين عملية تفاوضية تسعى إلى استكمالها. وبالنسبة إلى الرباط، فإنَّ هذا التمييز يحافظ على جوهر المكسب الذي تحقق في العلاقات مع الولايات المتحدة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسار سياسي يهدف إلى معالجة العقبات التي لا تزال تحول دون إنهاء النزاع.

ومع اقتراب انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو” في 31 تشرين الأول (أكتوبر)، يستعد مجلس الأمن لمناقشة تطورات الملف والنظر في تجديد التفويض.

ويأتي هذا الاستحقاق بعد عام من اعتماد القرار 2797، وفي ظلِّ تحرّكات أميركية نشطة لم تُحقّق حتى الآن اختراقًا حاسمًا في مواقف الأطراف. وسيكون النقاش الأممي مناسبة لتقييم ما تحقق منذ اعتماد القرار، ومدى قدرة المفاوضات على الانتقال من إعادة عرض المواقف إلى بحث ترتيبات سياسية أكثر تحديدًا.

كما سيختبر قدرة واشنطن على المحافظة على الزخم الذي ساهمت في إطلاقه، وعلى تنسيق تحركاتها مع المبعوث الأممي والأطراف الإقليمية المعنية، من دون الإضرار بعلاقاتها ومصالحها الأوسع في شمال أفريقيا.

لكن أهمية المرحلة لا تقاس بموعد تجديد التفويض وحده. فالمسألة الأساسية تتعلق بما إذا كانت الجهود الحالية قادرة على فتح مسار تفاوضي مستمر، يستند إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، ويتيح معالجة الخلافات التي عطلت التسوية طوال عقود.

تكشف التطورات الأخيرة أنَّ قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة ديبلوماسية مختلفة، لا لأن الولايات المتحدة غيّرت موقفها من السيادة، بل لأنها باتت تسعى إلى توظيف هذا الموقف في عملية سياسية أكثر نشاطًا.

فالاعتراف الأميركي الذي أعلنه ترامب في 2020 وأعادت إدارته تأكيده في 2026 منح المغرب مكسبًا استراتيجيًا واضحًا. وجاء القرار 2797 ليُعزّز موقع مقترح الحكم الذاتي في العملية الأممية، فيما أظهرت جولات التفاوض أنَّ واشنطن مستعدة للانخراط المباشر في محاولة تجاوز الجمود.

مع ذلك، فإنَّ الانتقال من الاعتراف إلى التسوية لا يزال يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها تباعد مواقف الأطراف، والتوتر المغربي الجزائري، وصعوبة الاتفاق على ترتيبات سياسية قابلة للتنفيذ.

بالنسبة إلى المغرب، لا تبدو المرحلة الحالية اختبارًا لقيمة الاعتراف الأميركي بقدر ما تمثل فرصة للبناء عليه. فالموقف الأميركي من السيادة واضح، والمبادرة المغربية أصبحت مرجعًا أساسيًا للمفاوضات الأممية، بينما يبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى تقدم سياسي مستدام.

لقد حسم ترامب موقف واشنطن من السيادة على الصحراء المغربية، لكن الديبلوماسية الأميركية تواجه اليوم سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحويل هذا الاعتراف، وما رافقه من تطورات أممية، إلى مسارٍ تفاوضي يفضي إلى تسوية قابلة للاستمرار؟

إنَّ ما يجري اليوم ليس عودة إلى مناقشة الاعتراف الأميركي، بل اختبار للقدرة على البناء عليه. وبين المكسب السياسي الذي حققه المغرب والتسوية التي لا تزال قيد التفاوض، تتحدد ملامح المرحلة الجديدة من قضية الصحراء.

↑
Exit mobile version