لم تَعُد المنافسة العالمية على البطاريات تدور حول مَن يملك الليثيوم، ولا حتى حول مَن يستطيع بناء أكبر عدد من المصانع. خلف السيارة الكهربائية ومراكز البيانات وشبكات الطاقة تتشكّل منظومة صناعية جديدة، تتحكّم الصين في أكثر حلقاتها حساسية، فيما تنفق الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا مليارات الدولارات بحثًا عن بدائل. وبين المواد الخام والمصانع والكيميائيات الجديدة ونقل التكنولوجيا، بدأت خريطة جديدة للقوة الصناعية بالظهور، تفتح بدورها نافذة أمام دول تقع خارج المراكز التقليدية للصناعة، ومن بينها المغرب.
هاني مكارم*
قد تبدو البطارية صندوقًا أسود بسيطًا موضوعًا أسفل أرضية سيارة كهربائية. لكن تفكيك هذا الصندوق يكشف إحدى أكثر شبكات الاعتماد الصناعي تعقيدًا في الاقتصاد العالمي.
فالليثيوم قد يأتي من أوستراليا أو أميركا الجنوبية، والنيكل من إندونيسيا، والكوبالت من الكونغو الديموقراطية، والغرافيت من الصين أو دول أخرى. بعدها تبدأ رحلة المعالجة والتنقية وتحويل المعادن إلى مواد كيميائية، ثم إلى مواد فعّالة للكاثود والأنود، قبل تصنيع الخلية وتجميعها في وحدات وحزمها وإدخالها في سيارة أو شبكة كهرباء أو مركز بيانات.
وهنا تظهر المفارقة: الدول التي تستخرج المواد ليست بالضرورة الدول التي تملك الصناعة.
لم تعد البطارية مرتبطة بالسيارة الكهربائية وحدها أيضًا. ففي 2025 تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا 20 مليون سيارة، أي نحو ربع السيارات الجديدة المباعة، فيما بلغ نشر بطاريات السيارات الكهربائية وحدها 1.2 تيراواط/ساعة، بزيادة تقارب 30 في المئة خلال عام. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية اقتراب الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية من ثلاثة تيراواط/ساعة بحلول 2030.
في الوقت نفسه، تتزايد الحاجة إلى البطاريات لتخزين الكهرباء المُتجدّدة، وموازنة الشبكات، وتشغيل البنية الرقمية ومراكز البيانات، فضلًا عن استخدامات الطيران والاتصالات والدفاع. لذلك لم تعد البطارية سلعة مرتبطة بالتحوُّل الأخضر فحسب، بل أصبحت جُزءًا من البنية التحتية للقوة الاقتصادية والتكنولوجية.
وتكفي نظرة إلى الصين لفهم سبب انتقال الملف من وزارات الطاقة والصناعة إلى دوائر الأمن الاقتصادي والاستراتيجي. فبكين لا تسيطر على كلِّ مناجم العالم، لكنها بنت المنظومة التي تمرُّ عبرها نسبة كبيرة من القيمة المضافة بعد خروج المعدن من الأرض. وفي 2025 كانت الصين تستحوذ على أكثر من 80 في المئة من القدرة العالمية لتصنيع بطاريات الليثيوم-أيون، فيما لم تتجاوز حصة الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة 6 إلى 7 في المئة لكلٍّ منهما.
دراسة حديثة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بعنوان “Battery Ecosystems: A Comparative Analysis of Lithium-Ion Tech Policy” تضع هذا التفوُّق في سياقه الأوسع. فالصين، بحسب الدراسة، لم تبنِ مصانع منفردة، بل أقامت خلال عقدين منظومة شديدة التكامل تجمع السوق والمواد والبحث والتطوير والمورّدين والسياسة الصناعية والتوسّع التجاري. وتشير بيانات الدراسة إلى أنَّ قدرتها التشغيلية لإنتاج الخلايا تجاوزت 2000 غيغاواط/ساعة في 2025، فيما استحوذت شركتا “CATL”، أكبر مُصنّعي البطاريات الصينيين، و”BYD”، عملاق السيارات الكهربائية والبطاريات، معًا على 65 في المئة من الإنتاج المحلي.
الصين لا تملك المناجم فقط… بل مفاتيح الصناعة
كان النقاش حول أمن البطاريات قبل سنوات يتركّز على سؤالٍ مألوف: هل يوجد ما يكفي من الليثيوم والنيكل والكوبالت؟
لكن السؤال تغيّر. فالمشكلة لا تكمن فقط في استخراج المعدن، وإنما في القدرة على تحويله إلى مادة تستطيع البطارية استخدامها. وقد تكون حلقات المعالجة وإنتاج المواد الوسيطة أكثر حساسية من المنجم نفسه.
وهذا ما يجعل الغرافيت، على سبيل المثال، نقطة ضعف استراتيجية، فهو مادة أساسية في الأنود المستخدم في معظم بطاريات الليثيوم-أيون الحالية، فيما تتمتع الصين بموقع بالغ القوة في معالجته وإنتاج مواد الأنود. وتظهر دراسة أخرى ل”كارنيغي” حول جغرافيا البطاريات أنَّ الاعتماد على الصين في الأنود شديد إلى درجة أنها تقترح التعامل مع المشاريع المشتركة ونقل المعرفة في هذه الحلقة باعتبارهما أولوية، بدل التركيز فقط على إنشاء المزيد من مصانع الخلايا.
وهكذا يُمكن لمصنعٍ أميركي أو أوروبي يحمل لافتة “صُنِعَ محليًا” أن يبقى معتمدًا في عمق إنتاجه على مواد أو مكوّنات أو معدات صينية.
لكن بناء المصنع نفسه لا يحلُّ المشكلة. فقد تجاوزت القدرة الاسمية العالمية لتصنيع بطاريات الليثيوم-أيون أربعة تيراواط/ساعة في نهاية 2025، بزيادة تقارب 30 في المئة خلال عام. والمثير أنَّ القدرة ارتفعت في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بنحو 50 في المئة، أي بوتيرة أسرع من الصين. ومع ذلك بقيت الصين مهيمنة على الصناعة.
السبب أن المصنع ليس مجرّد مبنى وآلات.
إنتاج ملايين الخلايا المتطابقة، بأقل نسبة ممكنة من العيوب وبأعلى سرعة وأدنى تكلفة، يحتاج إلى معرفة صناعية متراكمة. وتقول وكالة الطاقة الدولية إنَّ المصنع الجديد قد يحتاج إلى أكثر من خمس سنوات منذ بدء تشغيله حتى يقترب من طاقته الاسمية.
وهنا تظهر الفجوة بين امتلاك “قدرة إنتاجية” على الورق وامتلاك صناعة تنافسية فعلًا. فالتنافس يدور حول سرعة خطوط الإنتاج، ونسب الهدر، وجودة الطلاء والتجفيف، وإدارة الحرارة، وكفاءة استخدام المواد، والأتمتة، وشبكة المورّدين، والقدرة على اكتشاف العيوب قبل أن تتحوّل إلى خسائر كبيرة.
وتلفت دراسة كارنيغي الأولى إلى أنَّ الشركات الناشئة الأميركية والأوروبية تواجه تحديدًا صعوبة الانتقال من التكنولوجيا الواعدة إلى الإنتاج على مستوى الغيغاواط/ساعة، وتقترح لهذا السبب شراكات مع شركات آسيوية تملك خبرة التوسُّع الصناعي.
تُقدم بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، المعروفة ب”LFP”، المثال الأوضح على أنَّ التفوّق الصناعي لا يتطلّب دائمًا السيطرة على معدنٍ نادر.
لفترةٍ طويلة فضلت شركات السيارات الغربية والكورية واليابانية البطاريات الغنية بالنيكل بسبب كثافة الطاقة الأعلى. أما “LFP”، التي لا تستخدم النيكل أو الكوبالت، فاعتُبِرَت أقل جاذبية لبعض السيارات بسبب انخفاض كثافة الطاقة فيها. لكن الشركات الصينية واصلت تطوير التقنية وخفض تكلفتها وتحسين أدائها، حتى تحوّلت إلى أحد أهم أنواع البطاريات في العالم.
لم يكن التفوُّق نتيجة امتلاك الصين للحديد أو الفوسفات، بل نتيجة امتلاك العملية الصناعية: المعرفة، والمعدات، والمواد، وسلاسل المورّدين، والحجم، والسوق التي تسمح بخفض الكلفة باستمرار.
وهذا يغيّر حتى تعريف “المادة الحرجة”. فقد لا تكون نقطة الاختناق هي العنصر النادر جيولوجيًا، بل العملية الصناعية التي لا يعرف إلّا عددٍ محدود من المنتجين تنفيذها بالجودة والكلفة والحجم المطلوب.
هنا تواجه أوروبا مُعضِلتها. يُمكن لبروكسل حماية منتجيها برسوم جمركية، ويمكنها دعم بناء المصانع، لكنها لا تستطيع بتعرفة جمركية أن تُنشئ خبرة صناعية أو شبكة مورّدين بين ليلة وضحاها.
وتُظهر دراسة “كارنيغي” المُقارِنة حجم الفجوة. ففي نهاية 2025 كان لدى أوروبا نحو 305 غيغاواط/ساعة من القدرة المركبة لإنتاج الخلايا، لكن الإنتاج الفعلي بلغ نحو 140 غيغاواط/ساعة فقط، مقابل طلب أوروبي يقارب 327 غيغاواط/ساعة. والأكثر دلالة أنَّ المصانع المملوكة لشركات أوروبية لم تُنتج سوى نحو 10 غيغاواط/ساعة، مقابل نحو 130 غيغاواط/ساعة أنتجتها داخل أوروبا شركات غير أوروبية، وخصوصًا كورية جنوبية وصينية.
وهذا يطرح سؤالًا يتجاوز البطاريات: ماذا تعني “الصناعة المحلية” في عصر سلاسل القيمة العالمية؟ هل يكفي وجود المصنع داخل أوروبا، أم يجب أن تكون التكنولوجيا والمواد والمورّدون والمُلكية الفكرية محلّية أيضًا؟
السؤال نفسه يواجه الولايات المتحدة، التي نجحت الحوافز الحكومية فيها في جذب موجة كبيرة من استثمارات البطاريات، لكنها تعتمد بدورها على شركات آسيوية وشراكات مع منتجين كوريين ويابانيين، فيما يبقى بعضُ حلقات المواد مرتبطًا بالصين.
لهذا بدأ مفهوم خفض المخاطر يحلُّ محل فكرة الانفصال الكامل. حتى دراستا “كارنيغي” لا تدعوان إلى إخراج الصين من منظومة البطاريات، بل إلى بناء بدائل كافية لمنع اعتمادٍ أحادي عليها، واستخدام السوق الغربية أداة تفاوض تسمح بالمشاريع المشتركة ونقل التكنولوجيا في المجالات التي يصعب إيجاد بديل صيني لها.
المفارقة أنَّ الشركات الصينية نفسها تتكيّف مع هذه السياسة، فلا تكتفي بالتصدير من الصين، بل تدخل المصانع والأسواق التي تريد تقليل اعتمادها عليها. ففي أيلول (سبتمبر) 2026 أعلنتشركة “غوشون هاي-تاك” (Gotion High-Tech) الصينية استثمار 1.1 مليار يورو للحصول على حصة 49 في المئة في مصنع بطاريات تابع لفولكسفاغن في فالنسيا، بينما تستثمر “باوَركو” (PowerCo) التابعة لفولكسفاغن بدورها في مشاريع لـ”غوشون” في سلوفاكيا والمغرب.
وهكذا يصبح نقل المصنع جُزءًا من لعبة القوة نفسها: الصين تريد الاحتفاظ بالسوق، وأوروبا تريد الصناعة والمعرفة، والشركات تريد خفض الكلفة والوصول إلى المستهلك.
خريطة صناعية جديدة… والمغرب يدخل السباق
هذا التحوّل يفتح الباب أمام دول لم تكن تاريخيًا قوى في صناعة البطاريات. والمغرب مثال لافت، ليس بسبب قربه من أوروبا فحسب، بل لأنه يملك صناعة سيارات قائمة وبُنية تصديرية مرتبطة بالسوق الأوروبية، فيما بدأت الاستثمارات الجديدة تستهدف حلقات أعمق من سلسلة البطارية.
في تموز (يوليو) 2026 وافق البنك الأفريقي للتنمية على قرض بقيمة 100 مليون يورو لدعم مشروع ” Gotion High-Tech” لإنشاء أول مصنع ضخم للبطاريات في أفريقيا، باستثمار أولي يقارب 1.3 مليار دولار. والمهم أنَّ المشروع لا يقتصر على تجميع البطاريات، بل يشمل بطاريات ” LFP” ومكوّنات مثل الكاثود والأنود، مع توجيه جزء مهم من الإنتاج نحو أوروبا.
كما ترصد دراسة “كارنيغي” مشروعات لإنتاج مواد الكاثود الفعالة الخاصة بـ”LFP” في المغرب وألمانيا، وتلفت تحديدًا إلى أهميتهما الجغرافية في الوصول إلى السوق الأوروبية.
وهذا تطوُّر أهم مما توحي به أرقام الاستثمار وحدها.
فإذا تحوّلت صناعة البطاريات العالمية تدريجًا من نموذج “إصنع في الصين وصدّر إلى العالم” إلى نموذج تصنيع أقرب إلى الأسواق النهائية، فإنَّ الدول الواقعة على أطراف المراكز الصناعية الكبرى تستطيع اقتناص أجزاء من سلسلة القيمة.
بالنسبة إلى المغرب، يمكن أن تبدأ المسألة بمواد الكاثود والأنود والخلايا، ثم تتوسع إلى المورّدين المحليين، والخدمات الهندسية، والاختبارات، وإعادة التدوير، والبحث والتطوير.
لكن هناك فارقًا جوهريًا بين استضافة مصنع وامتلاك صناعة.
إذا جاءت المواد والتكنولوجيا والآلات والخبراء من الخارج، ثم خرج المنتج النهائي إلى أوروبا، تكون الدولة قد كسبت استثمارًا ووظائف وصادرات، لكنها لم تصبح بالضرورة لاعبًا تكنولوجيًا. أما إذا ارتبط الاستثمار بتدريب المهندسين، وتطوير الموردين المحليين، ونقل المعرفة، وربط الشركات بالجامعات ومراكز البحث، فإنَّ المصنع يمكن أن يصبح نواة لمنظومة صناعية جديدة.
وهذا ربما يكون أهم درس تُقدّمه التجارب التي تُقارنها دراسة “كارنيغي”. فالصين وكوريا الجنوبية لم تبنيا قطاع البطاريات بمصنع منفرد، بل بربط الصناعة بالسيارات والمواد والبحث والأسواق. وفي المقابل، امتلكت اليابان موقعًا تكنولوجيًا مُتقدِّمًا في البداية ثم فقدت جُزءًا كبيرًا من موقعها عندما تغيرت ديناميات السوق والتوسُّع الصناعي، بينما استطاعت كوريا الجنوبية أن تُحوّل شركاتها الكبرى إلى لاعبين عالميين عبر التوسُّع الخارجي والشراكات.
وتُظهر التجربة الأوروبية بدورها أنَّ الإنفاق العام واللوائح والبحث العلمي لا تضمن وحدها قيام شركات قادرة على المنافسة بالحجم والكلفة الآسيويين. لذلك فإنَّ الفرصة المتاحة لدولة صاعدة ليست في تكرار ما فعله الآخرون حرفيًا، وإنما في تحديد الحلقة التي تستطيع أن تصبح فيها جزءًا يصعب الاستغناء عنه.
والمغرب، في هذا السياق، يمتلك ميزة القرب من أوروبا ومن صناعة سيارات قائمة. لكن الاختبار الحقيقي سيكون مقدار القيمة والمعرفة اللتين تبقيان داخله عندما تبدأ المصانع بالإنتاج.
البطارية المقبلة قد تغيّر قواعد اللعبة
في الوقت الذي تنفق فيه الحكومات والشركات مليارات الدولارات للحاق ببطارية اليوم، قد تُغيّر بطارية الغد الحسابات مجددًا.
الصوديوم-أيون أبرز الأمثلة.
فالصوديوم أكثر وفرة من الليثيوم، ويمكن لهذه البطاريات أن تُقلّل الاعتماد على بعض المعادن الحساسة، كما أنها مناسبة بصورة خاصة لتخزين الكهرباء وبعض المركبات والتطبيقات التي لا تحتاج إلى أعلى كثافة للطاقة.
لكن المفارقة أنَّ الصين تتقدّم أيضًا في تحويل هذه التقنية إلى صناعة. وترصد دراسة “كارنيغي” المُقارِنة 15 منشأة للصوديوم-أيون في الصين وصلت أو اقتربت من المستوى التجاري، بطاقة إنتاجية مخططة تقترب مجتمعة من 100 غيغاواط/ساعة.
هنا قد يتكرّر درس “LFP”: تكون التكنولوجيا متاحة عالميًا في بداياتها، لكن الدولة التي تنجح أولًا في نقلها من المختبر إلى المصنع ثم إلى السوق تكتسب أفضلية يصعب اللحاق بها.
لهذا تعتبر دراسة “كارنيغي” الأولى الصوديوم-أيون أولوية ملحّة للدول الصناعية المنافسة للصين، لأنَّ التقنية يمكن أن تخفف بعض مخاطر المعادن، كما يمكن إدخال أجزاء منها إلى بنية إنتاج قائمة بدل إنشاء منظومة صناعية كاملة من الصفر.
لكن الصوديوم ليس التقنية الوحيدة. فهناك الأنودات الغنية بالسيليكون والليثيوم المعدني وبطاريات الحالة الصلبة، وهي مجالات لا تزال فيها الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا واليابان تمتلك شركات ومعرفة وفرصًا للمنافسة. وبعض هذه التقنيات يمكن أن يقلل الطلب المستقبلي على الغرافيت والكوبالت، وإن كان لا يلغي نقاط الضعف الحالية.
هذا يعني أنَّ الدول تُواجه مُعضِلة مزدوجة: عليها أن تبني سلسلة توريد لبطارية اليوم، من دون أن تُنفِق كل مواردها على تكنولوجيا قد تتغير خلال العقد المقبل.
وتزداد المفارقة لأنَّ العالم لا يُعاني أصلًا نقصًا في القدرة الاسمية على تصنيع البطاريات. فهناك أكثر من أربعة تيراواط/ساعة من القدرة العالمية القائمة، في وقت يقل فيه الطلب الفعلي عن ذلك بكثير.
كيف يمكن، إذًا، أن يوجد فائض في المصانع ونقص في الأمن في الوقت نفسه؟
لأنَّ الأمن لا يتعلق بعدد الخلايا التي يستطيع العالم إنتاجها في الظروف الطبيعية، بل بما يحدث إذا تعطّلت حلقة لا توجد لها بدائل كافية.
قد توجد عشرات المصانع، لكن إذا كانت تعتمد جميعًا على مادة أنود أو معدات أو مادة كيميائية تأتي من مصدر واحد، فإنَّ طاقتها النظرية تصبح أقل أهمية عند حدوث أزمة تجارية أو سياسية.
وهذه هي النقطة التي تنقل البطاريات من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية.
لذلك قد يكون تشبيه البطارية بـ”النفط الجديد” جذابًا، لكنه غير دقيق تمامًا. قوة النفط تبدأ من الجيولوجيا: إما أن يكون الحقل تحت أرض الدولة أو لا يكون. أما قوة البطارية فيمكن بناؤها.
دولة لا تملك منجم ليثيوم كبيرًا تستطيع أن تصبح قوة في البطاريات إذا امتلكت الكيمياء والهندسة والمواد والمعدات والمصانع والسوق. وفي المقابل، تستطيع دولة غنية بالمعادن أن تبقى في أسفل سلسلة القيمة إذا اكتفت باستخراج الخام وتصديره.
لهذا تبدو البطاريات أقرب في منطقها الاستراتيجي إلى أشباه الموصلات منها إلى النفط.
الصين بنت منظومة تربط المواد بالمعدات والمصانع والسوق والابتكار. كوريا الجنوبية واليابان لا تزالان تمتلكان شركات وخبرة مهمة. الولايات المتحدة تملك البحث العلمي ورأس المال وسوقًا ضخمة، وأوروبا تملك قاعدة صناعية وتنظيمية كبيرة. وفي اللحظة التي تعيد فيها هذه القوى توزيع سلاسل الإنتاج، تحصل دول أخرى، من بينها المغرب، على فرصة للدخول إلى منظومة كانت قبل سنوات قليلة بعيدة عنها.
ولا ترى دراسة “كارنيغي” الأولى أنَّ السباق قد حُسِم بالكامل. فهي تضع احتمالين أمام السنوات المقبلة: إما استمرار تشتت السياسات الصناعية خارج الصين بما يسمح لها بتوسيع تفوّقها، أو نشوء تعاون تنافسي تستطيع فيه الولايات المتحدة وأوروبا وكوريا واليابان وشركاؤها الاحتفاظ بحصص وتقنيات وحلقات استراتيجية تمنع تحوُّل التفوق الصيني إلى احتكار فعلي.
الهدف الواقعي، بهذا المعنى، ليس إخراج الصين من صناعة البطاريات، ولا استبدال سلسلة توريد صينية بسلسلة وطنية مكتفية بذاتها. كلا الأمرين شديد الكلفة وصعب التحقيق. المطلوب هو ألّا تصبح تقنية يعتمد عليها النقل والكهرباء والصناعة الرقمية والدفاع مرتبطة بمصدر واحد لا بديل له.
وهنا تتجاوز المعركة سؤال مَن ينتج البطارية الأرخص.
فالقوة الحقيقية ستكون لمَن يستطيع الانتقال من المادة الخام إلى المادة الفعالة، ومنها إلى الخلية، ثم إلى المصنع الكفء، ومن المصنع إلى الابتكار التالي، مع الاحتفاظ بالمعرفة والمهارات وسلسلة الموردين داخل منظومته.
قبل سنوات كان السؤال الذي يشغل الحكومات: أين سنجد ما يكفي من الليثيوم؟
أما السؤال الذي سيُحدّد خريطة الصناعة في العقد المقبل فهو أصعب بكثير: مَن يستطيع تحويل المادة إلى معرفة، والمعرفة إلى مصنع، والمصنع إلى منظومة صناعية تستطيع البقاء عندما تتغير التكنولوجيا أو السياسة أو التجارة؟
هناك، وليس في المنجم وحده، ستُرسَم خريطة القوة الجديدة.
- هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.
