تركيا بين واشنطن وأوروبا وإسرائيل… قوّة لا تُريدُ الوصاية

تركيا لم تعد ذلك الحليف الذي يكتفي بموقعه داخل المنظومة الغربية، بل باتت تسعى إلى توسيع هامش قرارها وصناعة أدوات قوتها. وبين واشنطن وأوروبا وإسرائيل، تختبر أنقرة حدود شراكاتها وحدود استقلالها في آنٍ واحد.

أحمد داود أوغلو: “تركيا ترى نفسها من أوروبا وإن لم تنغمس جغرافيًا فيها بصورةٍ كاملة”.

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، أسقطت مقاتلة تركية من طراز”أف-16″ (F-16) قاذفة روسية اخترقت المجال الجوي التركي لدقائق. انتظرت أنقرة يومها تضامن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكن ما حدث ترك أثرًا عميقًا في حساباتها الأمنية. سحبت واشنطن وبرلين بطاريات “باتريوت”، واكتفى الأمين العام للحلف آنذاك ينس ستولتنبرغ بالتأكيد أنَّ الحادثة لا تستدعي تفعيل المادة الخامسة. وبعد أربع سنوات، كانت تركيا، العضو في “الناتو”، تشتري منظومة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة”أس-400” (S-400).

يمكن النظر إلى تلك اللحظة باعتبارها واحدة من العلامات المُبكرة على التحوُّل الذي طرأ على موقع تركيا داخل المنظومة الغربية. لم تغادر أنقرة الغرب، ولم تتحوّل إلى حليف استراتيجي لروسيا، لكنها بدأت تبحث عن هامشٍ أوسع للحركة وعن أدوات تُقلّل اعتمادها على حلفائها التقليديين. ومن هنا يمكن فهم علاقاتها المتشابكة اليوم مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، وكذلك احتدام تنافسها مع إسرائيل.

يُفرِّقُ منظّر العلاقات الدولية ستيفن والت بين التقارب الاستراتيجي طويل المدى والصفقة التكتيكية قصيرة المدى. ووفق هذا التمييز، تبقى علاقة تركيا بالغرب استراتيجية، تُجسّدها عضويتها في “الناتو”، وقاعدة “إنجرليك”، والتبادل التجاري، والتداخل الأمني والاقتصادي الواسع. أما علاقتها بروسيا، فعلى الرُغم من أهميتها، فقد أدت في جانب منها وظيفة ملء الفراغات التي تركها الغرب. احتاجت تركيا إلى الغاز الروسي، وإلى مساحة للحركة في سوريا بعدما دعمت واشنطن “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لحزب العمال الكردستاني. وفي هذا السياق جاءت منظومة “أس-400″، ومشروع أكويو النووي، و”تُرك ستريم”، من دون أن يعني ذلك تبدُّل الهوية الاستراتيجية لتركيا.

لكن المشكلة الأعمق في العلاقة مع واشنطن تتجاوز روسيا. فقد باتت تركيا قوة إقليمية يصعب الاستغناء عنها، وفي الوقت نفسه يصعب على الولايات المتحدة التعامل معها بالطريقة التي تعاملت بها مع حليف يعتمد عليها بصورة شبه كاملة.

في البحر الأسود، تُمسِكُ أنقرة بمفتاح المضائق من خلال اتفاقية مونترو، وتملك القدرة على التواصل مع موسكو وكييف، كما ظهر في ملفات الحبوب وتبادل الأسرى. وفي سوريا، توسَّعَ دورها بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، فيما دخل حزب العمال الكردستاني، وفق المعطيات التي تنطلق منها أنقرة، مرحلة جديدة بعد إعلان حل نفسه والتوجُّه إلى مسارٍ سياسي. وفي غزة، تحاول تركيا أن تثبت حضورها كوسيط وطرف قادر على التواصل مع حركة “حماس” ومع القوى الغربية في آن واحد.

هذه القوة مفيدة لواشنطن، لكنها تطرح عليها أيضًا مُعضِلة قديمة عبّر عنها مستشار الأمن القومي الأميركي للرئيس جيمي كارتر زبيغنيو بريجينسكي في مقاربته لأوراسيا: الولايات المتحدة تحتاج إلى حلفاء أقوياء، لكنها تتحفّظ على تحوُّل هؤلاء الحلفاء إلى قوى قادرة على فرض أجنداتها المستقلة.

وتظهر هذه المعضلة بوضوح في ملف مقاتلات “أف-35″ (F-35). فتركيا لم تكن مجرّد مُشترٍ للطائرة، بل شريكًا صناعيًا في برنامجها، قبل أن تستبعدها واشنطن على خلفية شراء صواريخ”أس-400″. وتداخل الملف لاحقًا مع اعتبارات التفوُّق العسكري النوعي الإسرائيلي، ومع التحوّلات في شرق المتوسط، حيث تعزز التعاون الأميركي مع اليونان وقبرص وإسرائيل، بينما توسَّع الوجود العسكري الأميركي في جزيرة كريت. وفي الوقت نفسه اتجهت اليونان إلى الحصول على”أف-35”.

كان الرد التركي محاولة تقليل الاعتماد على مصدر واحد للقوة. انتقلت أنقرة من التركيز على استعادة “أف-35” إلى استراتيجية متعددة المسارات: تحديث”أف-16″، والتوجه إلى مقاتلات “يوروفايتر”، وقبل كل شيء تطوير المقاتلة الوطنية “قآن”، التي تراهن تركيا على إدخالها الخدمة في العقد المقبل. وبذلك لم تعد القضية مجرد شراء طائرة، بل امتلاك القدرة على صناعة أداة القوة نفسها.

أوروبا تعيد اكتشاف حاجتها إلى تركيا

إذا كانت واشنطن تُواجه مُعضِلة كيفية التعامل مع تركيا القوية، فإنَّ أوروبا تواجه مفارقة أخرى: كيف تستفيد من القوة التركية من دون أن تفتح أمام أنقرة الباب الذي ظلت تُغلِقه لعقود؟

كتب رئيس وزراء تركيا الأسبق أحمد داود أوغلو في “العمق الاستراتيجي” أنَّ تركيا ترى نفسها من أوروبا وإن لم تنغمس جغرافيًا فيها بصورةٍ كاملة، فيما يرى الأوروبيون أنها ليست فيها وإن كانت منها. تختصر هذه العبارة مأزق علاقة امتدت عقودًا ولم تستطع مفاوضات العضوية حسمه.

حتى وقتٍ قريب، غلب التوتر على هذه العلاقة. فرضت أوروبا عقوبات على خلفية التحرّكات التركية في سوريا، وتصاعدت الخلافات مع فرنسا واليونان وقبرص، وجُمّد عمليًا مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منذ 2019. لكن الحرب في أوكرانيا أعادت الأمن إلى صدارة الأولويات الأوروبية، فيما أضاف تراجع اليقين بالمظلّة الأميركية ضغطًا جديدًا على القارة لكي تتحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعها.

عند هذه النقطة استعادت تركيا قيمتها الاستراتيجية بصورةٍ يصعب تجاهلها: ثاني أكبر جيش في “الناتو”، وموقع يتحكّم في مدخل البحر الأسود، وصناعة دفاعية متنامية، وجغرافيا تصل أوروبا بالقوقاز والشرق الأوسط والبحر المتوسط.

لهذا فإنَّ الاستدارة الأوروبية نحو أنقرة لا تعني بالضرورة تغيُّرًا جذريًا في نظرة أوروبا إلى تركيا، بقدر ما تعكس تغيُّرًا في حاجة أوروبا إليها.

ومع اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى إنفاق مبالغ ضخمة على إعادة بناء قدراته الدفاعية، وجدت الصناعات التركية مجالًا جديدًا للحركة. توسعت صادرات المسيّرات، وظهرت شراكات مع شركات أوروبية بينها “ليوناردو” الإيطالية، وتقدمت محادثات “يوروفايتر”، فيما تسعى أنقرة إلى تحديث الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي بما يتيح لها تحويل التقارب الأمني إلى مكاسب اقتصادية أوسع.

لكن لهذه الشراكة سقفًا واضحًا. فمسار العضوية لا يزال مُثقَلًا بمعايير كوبنهاغن والخلافات السياسية وقضية قبرص وشرق المتوسط، فضلًا عن السؤال الهويّاتي الذي رافق النقاش الأوروبي حول تركيا منذ البداية. فدخول دولة مسلمة كبيرة السكان لا يمثل توسُّعًا جغرافيًا عاديًا للاتحاد، بل سيُغيّر موازين داخل مؤسساته وبرلمانه.

لذلك تستطيع أوروبا أن ترى في تركيا شريكًا دفاعيًا مهمًّا، من دون أن تراها بالضرورة عضوًا كاملًا في مشروعها السياسي. وتستطيع تركيا، في المقابل، أن تستفيد من حاجات أوروبا الأمنية والاقتصادية من دون أن تبني استراتيجيتها كلها على وعد عضوية طال انتظاره.

هذه البراغماتية تظهر بوضوح في البحر الأسود. لا تريد أنقرة هزيمة أوكرانيا بما يسمح بتمدد النفوذ الروسي، لكنها لا تريد أيضًا حربًا صفرية مع موسكو أو توسُّعًا في حضور “الناتو” عبر رومانيا وبلغاريا ينتقص من الدور التركي. إنها تحاول أن تكون طرفًا في صناعة التوازن، لا مجرّد دولة تنفذ التوازن الذي يصنعه الآخرون.

إسرائيل… من الشراكة إلى صراع النفوذ

لكن اختبار استقلال القوة التركية يصبح أكثر تعقيدًا عندما تصل المسألة إلى إسرائيل.

قبل أسبوعين فقط من “طوفان الأقصى”، في أيلول (سبتمبر) 2023، التقى الرئيس رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك، وتحدث الجانبان عن التطبيع والطاقة. وبعد أقل من عامين، كانت العلاقة تتحرّك في اتجاهٍ مُعاكس تمامًا، وصولًا إلى الحديث عن تضارب مباشر في المصالح الأمنية، وخصوصًا في سوريا.

والواقع أنَّ العلاقات التركية ــ الإسرائيلية لم تكن يومًا خطًّا مستقيمًا. كانت تركيا في 1949 أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل، ثم تطوّرت العلاقات وفق موقع أنقرة داخل المنظومة الغربية وظروف المنطقة. اقترب البلدان عسكريًا واستخباريًا في التسعينيات، قبل أن يبدأ التراجع مع صعود حزب العدالة والتنمية، ثم جاءت حرب غزة عام 2008 ومواجهة دافوس وحادثة “مافي مرمرة” عام 2010. وبعد محاولات الترميم في 2016 و2022، جاءت حرب غزة الأخيرة لتُعيد العلاقة إلى مستوى جديد من الصدام السياسي.

غير أنَّ غزة وحدها لا تُفسّر التحوُّل. فالقراءة التركية لما حدث بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر) تتعلق أيضًا بتغيُّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فإسرائيل التي اعتمدت طويلًا على الردع والاحتواء باتت أكثر ميلًا، في نظر أنقرة، إلى منع التهديد قبل اكتماله، وإلى استخدام القوة خارج حدودها بصورة أوسع. وعندما انتقلت المواجهة إلى إيران، أصبح السؤال التركي أبعد من غزة: إذا أصبحت مواجهة دولة إقليمية كبيرة مباشرة أمرًا ممكنًا، فما الذي يمنع انتقال المنطق نفسه إلى ساحات يتصادم فيها النفوذان التركي والإسرائيلي؟

هنا تتحوّل المسألة من خلاف بين أردوغان ونتنياهو إلى تنافس بين دولتين.

تركيا قوة سكانية وجغرافية وعسكرية كبيرة، تملك ثاني أكبر جيش في “لناتو”، وصناعة دفاعية تتوسع، ونفوذًا في سوريا والعراق وليبيا والصومال، وعلاقات متنامية مع الخليج ومصر وآسيا الوسطى. وإسرائيل، في المقابل، تملك تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، وشبكة علاقات وثيقة في واشنطن، وتحالفات متنامية في شرق المتوسط.

وتظهر نقاط الاحتكاك على الخريطة. ففي بحر إيجة وشرق المتوسط، تعزز إسرائيل علاقاتها العسكرية مع اليونان وقبرص، بينما ترى أنقرة أن ترتيبات ترسيم الحدود والتحالفات الإقليمية يمكن أن تُستخدَم لتطويقها وحصر مجالها البحري. وقد اكتسب التعاون الإسرائيلي ــ اليوناني أبعادًا عسكرية متزايدة، في وقتٍ تتمسك فيه تركيا باتفاقها البحري مع ليبيا باعتباره أداة لمواجهة التصوّرات المنافسة لترسيم الحدود.

أما سوريا فقد تكون المسرح الأكثر حساسية. تريد أنقرة دولة سورية مستقرة تستطيع التأثير فيها أمنيًا وسياسيًا، وتريد المشاركة في تدريب الجيش السوري وتعزيز قدراته. أما إسرائيل فتنظر بقلق إلى أيِّ بُنيةٍ عسكرية قد تحدُّ من حرية حركتها الجوية في سوريا أو تجعل النفوذ التركي عنصرًا دائمًا في المعادلة السورية. ومن هنا يصبح أي وجود دفاعي تركي محتمل أكثر من مجرد تعاون مع دمشق؛ فقد يتحول إلى قيد على حرية العمليات الإسرائيلية.

لذلك لا يمكن فصل التوتر التركي ــ الإسرائيلي عن العلاقة التركية ــ الأميركية. واشنطن لا تستطيع إقصاء أنقرة، وتحتاج إليها في البحر الأسود وسوريا وملفات إقليمية أخرى، لكنها ملتزمة في الوقت نفسه بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي. وبين الحاجتين تحاول الإدارة الأميركية إبقاء التنافس تحت سقفٍ لا يتحوَّل إلى مواجهة مفتوحة.

أنقرة تبحث عن القوة بلا وصاية

تبدو العلاقات التركية مع واشنطن وأوروبا وإسرائيل، للوهلة الأولى، ملفات مختلفة. لكنها تلتقي عند سؤال واحد: ما مقدار القوة المستقلة الذي يستطيع الغرب أن يقبله لتركيا؟

واشنطن تريد حليفًا تركيًا قادرًا على إدارة أزمات يصعب عليها إدارتها منفردة، لكنها لا تريد قوة إقليمية تفرض حلولها عليها. أوروبا تحتاج إلى الجيش التركي وصناعته الدفاعية وموقعه الجغرافي أكثر مما كانت تحتاج إليه قبل حرب أوكرانيا، لكنها لا تزال مُتردّدة في قبول تركيا داخل الاتحاد. وإسرائيل تستطيع التعامل مع تركيا شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا، لكنها تنظر بقلق متزايد إلى تحولها إلى قوة قادرة على تقييد حركتها في سوريا وشرق المتوسط.

أما أنقرة، فقد تَغيَّرَ السؤال لديها أيضًا.

لم تعد المسألة أن تختار بين الغرب وروسيا، أو بين أوروبا وآسيا، أو حتى بين “الناتو” والاستقلال. الرهان التركي هو الاحتفاظ بكل هذه الدوائر معًا، واستخدام كل واحدة منها لتقليل الاعتماد المفرط على الأخرى. لهذا تتقدّم في وقتٍ واحد على مساراتٍ تبدو متناقضة: تفاهمات مع واشنطن، تعاون دفاعي مع أوروبا، علاقة عملية مع روسيا، تمدُّد في آسيا الوسطى، حضور في العالم الإسلامي، وبناء صناعة دفاعية وطنية تُقلّل حاجتها إلى الجميع. وهذه الحركة المتوازية هي التي تظهر أيضًا في قراءتها الجديدة لعلاقاتها الإقليمية.

من هنا تكتسب “قآن” دلالة تتجاوز كونها مقاتلة من الجيل الجديد. إنها تعبير عن الدرس الذي استخلصته تركيا من “باتريوت” و”أس-400″ و”أف-35″: مَن لا يمتلك أدوات قوته يبقى استقلال قراره محدودًا بقرار مَن يملك تلك الأدوات.

لا يعني ذلك أنَّ تركيا أصبحت مستقلة عن الغرب، ولا أنَّ بوسعها الاستغناء عنه. اقتصادها وأمنها وتجارتها ومؤسساتها الدفاعية لا تزال مرتبطة به ارتباطًا عميقًا. كما أنَّ قدرتها على المناورة ليست بلا حدود، سواء أمام الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا أو إسرائيل.

لكن تركيا اليوم ليست تركيا التي انتظرت في 2015 أن يأتيها الرد من الحلفاء بعد إسقاط الطائرة الروسية.

لقد انتقلت، خلال عقد، من دولةٍ تسأل عن حدود الحماية التي يُقدّمها الآخرون إلى دولةٍ تحاول تحديد حدود القوة التي تستطيع امتلاكها بنفسها. لهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت تركيا ستبقى مع الغرب أم ستبتعد عنه. السؤال هو: أيّ تركيا يستطيع الغرب أن يتعايش معها — تركيا الحليف الذي يحتاج إليه، أم تركيا القوة التي لم تعد تقبل أن تُدار من الخارج؟

وهذه، في النهاية، هي المفارقة التي تحكم علاقات أنقرة بالجميع: تركيا لا تريد مغادرة التحالفات التي صنعت جانبًا من قوتها، لكنها لم تعد تريد أن تكون قوتها مشروطة بها.

↑
Exit mobile version