الصين في البحر الأحمر: حين يتحوَّلُ النفوذُ الاقتصادي إلى حضورٍ أمني

يتحوّل الحضور الصيني في البحر الأحمر تدريجيًا من شبكةٍ من المصالح التجارية والاستثمارات إلى حضورٍ يحمل أبعادًا أمنية واستخبارية متزايدة. وبين قناة السويس وباب المندب، يطرح هذا التحوُّل سؤالًا أوسع حول مستقبل الممر ودور الدول العربية في تحديد شروط المنافسة الدولية داخله.

الرئيسان عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ: توسّع الشراكة المصرية-الصينية من الاقتصاد إلى الأمن.

محمد سليم*

لم يعد البحر الأحمر بالنسبة إلى الصين مجرّد ممرٍّ تعبره التجارة في الطريق بين آسيا وأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. فما يجري على امتداد هذا الشريان، من قناة السويس شمالًا إلى باب المندب وخليج عدن جنوبًا، يُشيرُ إلى تحوُّل أكثر هدوءًا وأعمق دلالة: بكين تبني تدريجيًا الأدوات التي تسمح لها بحماية مصالحها ومراقبة البيئة المحيطة بها والعمل فيها، بحيث لا تبقى مصالح اقتصادية هائلة رهينة ترتيبات أمنية يصنعها ويحميها الآخرون.

تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بعدما تحوّل البحر الأحمر نفسه إلى مصدرٍ للمخاطر الاقتصادية. فقد أظهرت الهجمات على السفن منذ أواخر 2023 مدى السرعة التي يمكن بها لاضطرابٍ أمني عند باب المندب أن ينتقل إلى كلفة الشحن والتأمين، وحركة قناة السويس، وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا. وبعد نحو عامين من الاضطراب، بدأت مؤشرات التعافي تظهر تدريجيًا؛ إذ أعلنت هيئة قناة السويس أنَّ النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 شهد زيادة بنسبة 5.8 في المئة في أعداد السفن العابرة، و16 في المئة في الحمولات الصافية، و18.5 في المئة في الإيرادات مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة. ولا تعكس هذه الأرقام أهمية القناة لمصر وحدها، بل تكشف مقدار الحساسية الاقتصادية لأيِّ تغيُّر في مستوى الأمن بين باب المندب والسويس.

بالنسبة إلى الصين، يصعب فصل أمن هذا الممر عن أمن مصالحها الخارجية. فقد بلغت تجارتها مع أفريقيا مستوى قياسيًا قدره 348 مليار دولار في 2025، فيما تمتد استثماراتها ومشروعاتها ومصالحها عبر الشرق الأوسط والقارة الأفريقية. وكلما اتسعت هذه الشبكة، ازدادت كلفة الاعتماد الكامل على دول أخرى لحماية الطرق التي تربط أجزاءها بعضها ببعض.

لا يعني ذلك أنَّ بكين تستعدُّ لإحلال نظام أمني صيني محل الوجود الأميركي والغربي، أو أنَّ الموانئ والاستثمارات الصينية المنتشرة حول البحر الأحمر ينبغي النظر إليها تلقائيًا بوصفها أصولًا عسكرية مقنّعة. الصورة أكثر تعقيدًا؛ إذ يبدو أنَّ الصين تبني قدرة متدرّجة على الاتصال والمراقبة وجمع المعلومات والإسناد والانتشار العسكري المحدود وحماية المصالح، بالتوازي مع توسيع علاقاتها الدفاعية مع دول المنطقة. ولا تكمن دلالة التحوُّل في كلِّ عنصرٍ مُنفردًا، بل في تراكُم هذه العناصر بما يؤسّس لحضورٍ أمني أكثر استدامة.

أحدث المؤشرات جاء من جيبوتي. ففي 17 أيلول (سبتمبر)، كشفَ تحليلٌ لصور الأقمار الاصطناعية أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن عن إضافات مهمة إلى قاعدة جيش التحرير الشعبي الصيني في “دوراليه”، تشمل هوائيات للاتصالات عالية التردد، وأنظمة للاتصال بالأقمار الاصطناعية، وأبراجًا يُرَجَّح أنها مُخَصَّصة لشبكات الجيل الخامس، ومعدات تعزز قدرات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.

لا تثبت صور الأقمار الاصطناعية أنَّ الصين تستخدم هذه المعدات بالفعل لجمع استخبارات الإشارات، ولا ينبغي تحويل القدرة المحتملة إلى حقيقة مثبتة. لكنها تشير إلى أنَّ الجيش الصيني بات يمتلك بُنية اتصالات أكثر تطوّرًا لدعم السفن والطائرات العاملة بعيدًا من الأراضي الصينية، مع إمكانية استخدامها أيضًا في جمع المعلومات ومراقبة النشاط العسكري في منطقة شديدة الحساسية.

تكمن أهمية التطور في الموقع بقدر ما تكمن في التكنولوجيا. فجيبوتي تطلُّ على خليج عدن وباب المندب، فيما تقع منشآت عسكرية أميركية وفرنسية ويابانية وإيطالية على مسافات محدودة من القاعدة الصينية. وهذا يمنح “دوراليه” قيمة تتجاوز إسناد السفن الصينية، إذ تقع وسط بيئة تتحرك فيها قوات عدد من أهم القوى العسكرية في العالم، وعلى مقربة من ممرٍّ يُشكّل حلقة أساسية في التجارة بين آسيا وأوروبا.

من مكافحة القرصنة إلى حضور أمني دائم

لم يبدأ الحضور العسكري الصيني في المنطقة مع إنشاء قاعدة جيبوتي عام 2017. فمنذ عام 2008، أرسلت البحرية الصينية مجموعات بحرية بصورة منتظمة إلى خليج عدن والمياه المحيطة بالصومال في إطار عمليات مكافحة القرصنة، وهو ما منحها خبرة في الانتشار بعيدًا من القواعد الوطنية، والإمداد في البحار البعيدة، ومرافقة السفن وحماية خطوط التجارة.

مع اتساع المصالح الصينية خارج البلاد، اتسعت الوظائف الأمنية بدورها. أصبحت جيبوتي قاعدة إسناد دائمة، وأُنشئ فيها رصيف قادر على خدمة سفن البحرية الصينية، واستخدمت المنشأة لدعم العمليات البحرية ومهام الإجلاء وحفظ السلام وحماية المصالح الصينية في أفريقيا والشرق الأوسط. أما التجهيزات الجديدة فتضيف عنصرًا آخر إلى هذه السلسلة: قدرة أكبر على الاتصال بالقوات المنتشرة عبر مسافات بعيدة، وعلى تكوين صورة أوضح عن البيئة العسكرية المحيطة بها.

لهذا يبدو النقاش التقليدي حول ما إذا كان ميناء تديره أو تموله شركة صينية يمكن أن يتحوّل يومًا إلى “قاعدة صينية” أضيق من التحول الجاري. فالقوة لا تُنتَجُ من القواعد وحدها، وإنما من تراكم وظائف لوجستية واتصالاتية واستخبارية وديبلوماسية وعسكرية تمنح الدولة قدرة أكبر على معرفة ما يجري والعمل عند الضرورة.

يظهر هنا مسار متدرج: بدأت الصين بالمشاركة في حماية التجارة من القرصنة، ثم بنت قدرة على الانتشار المستمر، وبعدها أنشأت قاعدة إسناد، وهي تُطوِّرُ اليوم بُنية الاتصالات والمراقبة المرتبطة بهذا الحضور. ولا يعني ذلك أنَّ كل خطوة كانت جزءًا من خطة عسكرية موحدة وُضعت منذ البداية، لكنه يُبيِّن كيف تستطيع المصالح التجارية المتنامية أن تولِّد، بمرور الوقت، احتياجات أمنية تتطلب أدوات عسكرية واستخبارية أكثر تقدُّمًا.

عند الطرف الآخر من البحر الأحمر، تُقدّمُ مصر صورة مختلفة ولكنها مكمّلة لهذا التحوُّل. فأهمية العلاقة الصينية ـ المصرية لا تنبع من التعاون العسكري وحده؛ مصر تتحكم في قناة السويس، فيما أصبح الاستثمار الصيني جُزءًا ملموسًا من البيئة الصناعية المحيطة بالقناة. وتشير بيانات صينية منشورة في 2026 إلى أنَّ منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية ـ المصرية “تيدا” في العين السخنة استقطبت أكثر من 200 شركة باستثمارات تقارب 3.8 مليارات دولار، ووفّرت أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل محلية. كما واصلت الشركات الصينية إطلاق مشروعات صناعية جديدة في المنطقة الاقتصادية للقناة خلال 2025، شملت الطاقة الشمسية والكيماويات والإلكترونيات والمنسوجات.

فوق هذه القاعدة الاقتصادية، بدأ البُعدُ الأمني يكتسب وزنًا أكبر. ففي مطلع أيلول (سبتمبر)، اختتم البلدان النسخة الثانية من مناورات “نسور الحضارة 2026″، التي شملت تدريبات على القتال الجوي والدفاع عن أهداف حيوية والتزود بالوقود جوًا وإدارة عمليات مشتركة. ولا تجعل هذه المناورات من مصر حليفًا عسكريًا للصين، كما لا تعني أنَّ القاهرة تستبدل علاقاتها الدفاعية التقليدية بعلاقة جديدة مع بكين، لكنها تضيف بُعدًا عسكريًا إلى علاقة كانت التجارة والاستثمار والبنية التحتية عناصرها الأكثر وضوحًا.

وقد جاءت المناورات في سياقٍ سياسي أوسع. ففي الشهر نفسه، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ مصر والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، واتفق البلدان على توسيع التعاون في مجالات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية، فيما تضمن الخطاب الصيني دعوة إلى بناء إطار أمني في الشرق الأوسط يقوم على مفهوم “الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام”.

تكشف هذه العلاقة إحدى السمات الأساسية للمقاربة الصينية. فبكين لم تدخل البحر الأحمر من الباب العسكري ثم تبحث عن مصالح اقتصادية تبرر حضورها؛ العكس أقرب إلى الواقع. التجارة والاستثمار والبنية التحتية جاءت أولًا، ثم بدأت المصالح المتراكمة تولّد علاقات ووظائف أمنية أوسع.

لا يعني وجود قاعدة صينية في جيبوتي جنوبًا وعلاقة اقتصادية وعسكرية متنامية مع مصر شمالًا أنَّ الصين باتت تسيطر على طرفي البحر الأحمر. مثل هذا الاستنتاج يتجاوز الأدلة. لكنه يعني أنَّ بكين أصبحت تمتلك عند نقطتين بالغتي الأهمية من الممر شبكة متزايدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية يصعب التعامل معها بوصفها أحداثًا منفصلة.

ساعد اضطراب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 على إظهار أهمية هذا التحوّل. فقد دفعت الهجمات على السفن شركات شحن إلى إعادة توجيه رحلات حول رأس الرجاء الصالح، ورفعت كلفة النقل والتأمين، وأثّرت بصورة حادة في حركة قناة السويس. وحتى مع بدء التعافي النسبي في أواخر 2025 ومطلع 2026، بقي الدرس الاستراتيجي قائمًا: يمكن لاضطرابٍ أمني في نقطة جغرافية محدودة أن يعيد تشكيل طرق التجارة على امتداد آلاف الكيلومترات.

بالنسبة إلى الصين، لا تتعلق المسألة بحرية الملاحة كمبدأ مجرّد. اتساع تجارتها واستثماراتها الخارجية يعني أنَّ اضطراب الممرات البحرية يمكن أن ينتقل إلى الشركات والمصانع وأسواق الطاقة وسلاسل التوريد، فيما تجعل المنافسة مع الولايات المتحدة الاعتماد الكامل على نظام بحري تؤدي واشنطن دورًا مركزيًا في حمايته مسألة أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية.

لا توجد مؤشرات إلى أنَّ بكين تريد تحمُّل كلفة حماية البحر الأحمر كله. الأقرب أنها تسعى إلى امتلاك قدرة أكبر على حماية سفنها ومواطنيها ومصالحها، وإسناد قواتها، وجمع معلوماتها، والمحافظة على وجود بحري بعيد، من دون الاعتماد الكامل على قدرات توفّرها دول أخرى. من هنا يمكن فهم جيبوتي باعتبارها جزءًا من مسعى إلى زيادة الاستقلال العملياتي، أكثر من كونها بداية لنظام أمني صيني بديل.

ويتسع هذا المسار إلى شرق أفريقيا. ففي منتدى الصين وأفريقيا الرابع للسلام والأمن، الذي عقد في بكين في 17 أيلول (سبتمبر)، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جون إلى تعزيز “التنسيق الاستراتيجي”، وتطوير آليات التعاون الدفاعي، وتعميق التعاون الإقليمي في الأمن البحري، وبناء القدرات الدفاعية في المجالات الناشئة. وشارك في المنتدى ممثلون عن الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية.

لا يُشكّل ذلك إعلانًا عن كتلة عسكرية صينية ـ أفريقية. فالدول الأفريقية تعمل مع مجموعة واسعة من الشركاء، وتحاول كثير منها استخدام تعدُّد العلاقات لتوسيع خياراتها بدل الدخول في اصطفاف حصري. لكن حجم العلاقة الاقتصادية يجعل التطوُّر الأمني أكثر أهمية؛ فالصين هي أكبر شريك تجاري لأفريقيا، ووصول التجارة الثنائية إلى 348 مليار دولار في 2025 يعني أنَّ الأمن البحري أصبح مرتبطًا بشبكة اقتصادية هائلة تربط الصين بالقارة السمراء.

جيبوتي هي المثال الأوضح على تعقيد هذه البيئة. فهي تستضيف قوات لدول تتنافس استراتيجيًا في ما بينها، واستطاعت تحويل موقعها الجغرافي إلى مورد سياسي واقتصادي وأمني. وتوضح حالتها أنَّ توسُّعَ الحضور الصيني لا يجري في مساحة فارغة، بل داخل نظام أصبح أكثر تعدُّدًا، تتداخل فيه مصالح القوى الخارجية مع حسابات الدول الواقعة على ضفتي البحر.

حين تكتسب البنية الاقتصادية قيمة أمنية

تطرح هذه البيئة سؤالًا أكثر تعقيدًا حول العلاقة بين الاستثمار والأمن. فالخطأ هو افتراض أنَّ كلَّ ميناء أو شبكة اتصالات أو منطقة صناعية تموّلها أو تديرها جهة صينية مشروع عسكري ينتظر لحظة استخدامه. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأنَّ الأصلَ التجاري لا يمكن أن تكون له قيمة أمنية.

الميناء يبقى ميناءً تجاريًا، لكنه قد يوفر قدرة لوجستية في وقت الأزمة. وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات تخدم الاقتصاد المدني، لكنها قد تكتسب قيمة استراتيجية عندما تكون المعلومات والاتصال عنصرَين في إدارة العمليات. والمنطقة الصناعية أو اللوجستية لا تتحوّل تلقائيًا إلى منشأة عسكرية، لكنها تبني علاقات ومصالح وبنية مادية تجعل الدولة صاحبة الاستثمار أكثر ارتباطًا بأمن المكان الذي تعمل فيه.

بهذا المعنى، لا يتحوّل الاقتصادي إلى عسكري بصورة آلية؛ بل تنشأ بينهما منطقة متداخلة كلما ازدادت المصالح واتسعت الحاجة إلى حمايتها. وهذه ربما تكون أهم دلالة في تطور الحضور الصيني حول البحر الأحمر: فالبنية الاقتصادية لا تحتاج إلى أن تصبح عسكرية حتى تؤثر في الحسابات الأمنية.

تهمُّ هذه المسألة الاقتصادات العربية مباشرة، لأنَّ البحر الأحمر شريان اقتصادي عربي قبل أن يكون ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى. تعتمد مصر على قناة السويس بوصفها أصلًا استراتيجيًا ومصدرًا للعملة الأجنبية، فيما أصبح الساحل الغربي للسعودية جزءًا رئيسيًا من مشاريع التحول الاقتصادي والسياحي واللوجستي، إلى جانب أهميته في تنويع طرق تصدير الطاقة بعيدًا من مضيق هرمز. وتمتلك الإمارات بدورها مصالح تجارية ولوجستية ومينائية واسعة حول البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي.

لذلك لا يبدو السؤال الأكثر فائدة هو ما إذا كان على هذه الدول أن تختار بين الصين والولايات المتحدة. مثل هذا الاختيار الثنائي لا يعكس الطريقة التي تتصرّف بها معظم دول المنطقة أصلًا. الولايات المتحدة لا تزال توفر قدرات أمنية وعسكرية وشبكة شراكات لا تضاهيها الصين في المنطقة، فيما أصبحت بكين شريكًا تجاريًا واستثماريًا وتكنولوجيًا يصعب تجاهل ثقله.

يمكن لهذا التعدّد أن يخدم المصالح العربية؛ فكلما اتسع عدد الشركاء، تقلصت الحاجة إلى الاعتماد الحصري على طرف واحد، واتسعت الخيارات في التمويل والاستثمار والتكنولوجيا والتسليح والبنية التحتية. لكن اتساع الخيارات لا يعني تلقائيًا اتساع الاستقلال.

عندما تزداد القيمة الاستراتيجية للموانئ وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات والمنشآت اللوجستية والقواعد الواقعة حول البحر الأحمر، تدخل هذه الأصول بدرجة أكبر في حسابات القوى الدولية. وهنا يصبح التحدي بالنسبة إلى الدولة المضيفة مزدوجًا: الاستفادة من رأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالقدرة على تحديد الشروط التي تستخدم بموجبها الأصول الواقعة على أراضيها.

حضور أمني يتسع من دون مظلة بديلة

لا تزال الفجوة بين الحضورَين الأميركي والصيني في المنطقة كبيرة. فالولايات المتحدة تمتلك شبكة أوسع من القواعد والشراكات الدفاعية، وقدرات على القيادة والانتشار والعمليات المشتركة، كما تتحمل كلفة أمنية وسياسية لا توجد مؤشرات حتى الآن إلى أنَّ بكين تريد تحمُّل مثيل لها.

لكن قياس صعود الدور الصيني بمقدار اقترابه من النموذج الأميركي قد يحجب التحوُّل الأهم. فالصين لا تحتاج إلى أن تصبح “أميركا الجديدة” في البحر الأحمر حتى تصبح لاعبًا أمنيًا ذا وزن. يكفي أن تستطيع مراقبة البيئة المحيطة بمصالحها، والاتصال بقواتها وإسنادها، والمحافظة على انتشار بحري، وإجلاء مواطنيها عند الضرورة، وتوسيع علاقاتها الدفاعية، واستخدام ثقلها الاقتصادي والديبلوماسي للتأثير في البيئة الأمنية الإقليمية.

وهذا ما يجعل التطورات الأخيرة في جيبوتي أكثر أهمية من مجرد تحديث تقني لقاعدة عسكرية بعيدة. فهي جزء من انتقالٍ تدريجي من اقتصادٍ عالمي اعتمد طويلًا على أمنٍ توفّره قوى أخرى إلى قوة عالمية تريد امتلاك قدر أكبر من الأدوات اللازمة لحماية اقتصادها ومصالحها بنفسها.

بالنسبة إلى الدول العربية المطلة على البحر الأحمر أو المرتبطة اقتصاديًا به، يمكن لهذا التحوّل أن يوسّع هامش الحركة ويزيد عدد الشركاء المتاحين، لكنه يرفع أيضًا القيمة الاستراتيجية للموانئ والقواعد والشبكات والبنية التحتية الواقعة تحت سيادتها، ويجعلها أكثر حضورًا في حسابات المنافسة الدولية.

لذلك قد لا يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل البحر الأحمر هو ما إذا كانت الصين ستزيح الولايات المتحدة، ولا أي قوة ستصبح صاحبة الحضور الأكبر فيه، بل مَن يستطيع تحديد الشروط التي تعمل بموجبها القوى الخارجية داخل هذا الممر. فكلما اتسعت خيارات دول المنطقة، ازدادت قدرتها المحتملة على المناورة، لكن الاستقلال الاستراتيجي لا يقاس بعدد الشركاء وحده، بل بقدرة الدولة على الاستفادة منهم من دون أن تتحوّل موانئها وقواعدها وشبكاتها وبنيتها التحتية إلى أدوات تستخدمها القوى الكبرى في منافسات لم تبدأها دول البحر الأحمر نفسها.

↑
Exit mobile version