
هنري زغيب*
كان ذلك صباح السبت 5 آب/أغسطس سنة 1876 – الموافق 15 رجب الفرد سنة 1393 … وظهر في المكتبات ومع الباعة في شوارع الإِسكندرية العددُ الأَول من جريدةٍ جديدة: “الأَهرام”. على جبينه كلمة “الأَهرام” بين هرَميَن، وفي الزاوية اليُسرى العليا أَنَّ “جميع المكاتبات يجب أَن تكون خالصة الأُجرة باسم سليم أَفندي تقْلا محرر الأَهرام، ومحل إدارتها على شارع البورس (البورصة) أَمام بنك الرهونات”.
تلك كانت بداية المغامرة. فكيف تطَوَّرت؟
الأَخوان سليم وبشارة تقلا
أَتخيلُهما في الإِسكندرية، قبل 150 سنة، مبتسمَيْن عن غبطة وارتياح، يتأَمَّلان في مكتبهما العددَ الأَول بصفحاته الأَربع، مثلما كانا قبلذاكَ ابتسما ارتياحًا في 27 كانون الأَول/ديسمبر 1875 تاريخ نيلهما الإِذْن بِـإِصدار جريدةٍ سَمَّياها “الأَهرام” إِجلالًا لـمصر التي تلقَّفَتْهما في ربوعها، هاربَـين من لبنان بسبب طغيانٍ بسطَتْهُ صرامةُ السلطة العثمانية على بلادهما.
وسْط فرحتهما بصدور العدد الأَول، لم يكونا مدركَيْن أَنهما أَطلقا جريدةً ستكون بعُمْرها المديد أَوّلَ وأَهَمَّ جريدة، مصرية خصوصًا وعربية عمومًا، وأَنها ستكون عميدةَ الصحف العربية على الإِطلاق. كلُّ ما كانا يُحسَّان به أَنهما يَنعمان بالحرية في ربوع مصر التي استقطبَت في الربع الأَخير من القرن التاسع عشر كوكبةَ لبنانيين، وفتحت لهم آفاقًا رحبةً للتفكير والتعبير، ما لم يكن متاحًا لهم في بلادهم. وسرعان ما كان لهذه الجريدة الشابّة تأْثيرُها في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، فَحَوَّلها الشقيقان يوميةً بعد فترةٍ من صدورها أُسبوعيةً صباح كل سبت.
حلمٌ تحقَّق
يوم الشابُّ الطَموح سليم تقلا (1849-1892) غادر بلدته اللبنانية كفرشيما سنة 1874 إِلى الإِسكندرية، حمل معه حُلمَ أَن يُنشئَ جريدةً ومطبعة. وبعد أَشهرٍ التحق به شقيقُه بشارة (1852-1901)، فبات أَقرب إِليه تحقيقُ ذاك الحُلم. وكان القدرُ قاسيًا على سليم: خطفَه الموت شابًّا في الثالثة والأَربعين، فأَكمل المسيرةَ شقيقُه بشارة الذي هو أَيضًا قصفه القدر القاسي عن تسعة وأَربعين عامًا، فتولَّت إِدارةَ الجريدة زوجتُه پـتْسي بجدارةٍ وحزم. لكنَّ قدَر “الأَهرام” كان أَقوى من السقوط في الموت، لأَن مصر كانت تنعم بحُكم الخديوي إِسماعيل الذي أَنشأَ في مصر نهضةً غنيةً في ميادين الإِدارة والاقتصاد والعمران.
قدَر الأَهرام
طموحُ ذينِك الشقيقَين بترسيخ النهضة في مصر، تجلَّى معهما بإِبعاد “الأَهرام” عن اللغة الصحافية المترهِّلة الطالعة من زمن الانحطاط، وباعتمادِ الرصانة في اللغة والأَخبار، وباحترامِ قرَّاء أَخذوا يزدادون في مصر وبلاد الشام، وهم يتابعون جريدةً ناشطةً تغذِّيها ثقافةُ ناشـرَيها الشقيقَين، وحرصُهما على تقديم الأَفضل كلَّ يوم، ما سيجعل طه حسين يسمِّي “الأَهرام” لاحقًا “ديوان الحياة المعاصرة”.
كان قدَر “الأَهرام” أَن تكون هَـرمًا نابضًا في ظل الأَهرام التاريخية. وبانتقالها إِلى القاهرة (1899) واصلَت رسالتها الصحافية والنهضوية، بمشاركة لبنانيين آخرين، بدءًا من ابن بعلبك الشاعر خليل مطران (1872-1949)، فابن يحشُوش الكسروانية الصحافي داود بركات (1868-1933) الذي وسَّع آفاقَها لتُصبح أَكبر جريدة في الشرق الأَوسط. ولدى غيابه واصل نهضتَها ابنُ بكفيَّا أَنطون الجميِّل (1887-1948) جاعلًا إِياها قطب الحياة السياسية والفكرية والثقافية في مصر وسائر العالم العربي. وتلاه في رئاسة تحريرها سنة 1948 ابنُ بيروت عزيز ميرزا حتى 1955، ثم تولّى تحريرَها بعده مصريون مسؤُولون واصلوا رسالة الجريدة بأَمانة ومسؤُولية عاليتَين.
الورشة الصحافية
كانت مصر حقبَتَئذٍ تشهد ورشةَ نهضةٍ صحافية وأَدبية كبرى، ساهم فيها لبنانيون أَحبُّوا مصر فبادلَـتْهم مصرُ هذا الحب، وأَثمر التفاعُل بينهم وبينها مسيرةً غنيةً بالتراث الفيَّاض. وفي ظِل “الأَهرام” الـمَهيبة، أَكمل لبنانيون آخَرون تحقيقَ طموحاتهم، فنما “مقتطف” يعقوب صرُّوف وفارس نمر (1876)، وظهَر “هلال” جرجي زيدان (1892)، وانبثـقَت “روز اليوسف” (1925)، وازدهرت أَقلامٌ وأَفكارٌ ورؤًى مع اللبنانيين سليم سركيس وطانيوس عبده ويوسف الخازن وشبلي الشميّل وفرح أَنطون وابراهيم اليازجي ومي زيادة ووردة اليازجي وآخرين، ظلَّلَتْهم “الأَهرام” بجلالها، مُواصِلةً شَقَّ المسار إِلى المسيرة، في عُهدة لبنانـيّـين من وزن ابن زوق مكايل حبيب جاماتي، وابن عشقوت الشيخ نسيب وهَيبة الخازن وسواهما، قبل أَن يتولَّاها مصريُّون مُـتَـنَـوِّرُون نهضوا بها في جدارة عالية.
هكذا الزمنُ الصحافي اللبنانيّ في مصر: افـتـَتَحَتْهُ “الأَهرام” منارةً باسقةً شعَّت على مصر وسائر الشرق العربي، وشقَّت طريقَها إِلى الخلود الذي ما زال ربـيـبَها حتى اليوم.
الحلقة المقبلة: كيف واصلَت الأَهرام نهضتها.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
