
حدَثٌ فنيٌّ كبير يُهيِّئُهُ معهد “فيلوكاليَّا” مرةً أُولى للجمهور اللبناني: أَلحانٌ وُلدَت في الإِسكندرية والقاهرة، يشهدها مسرح كازينو لبنان، بتوزيع جديد من شربل روحانا، وأَداء شبابيّ فرديّ وجماعيّ من “عشتار”، فرقة الغناء الشرقي العربي في معهد “فيلوكاليَّا”، بقيادة الأُخت مارانا سعد.
إِنه سيد درويش (1892-1823) وموسيقاه الخالدة: ذاعت منذ أَكثر من قرن، حدَّثَتْها رؤْية موسيقية جديدة من فنان لبناني متمرِّس في الموسيقى الشرقية وتؤَدِّيها أَصوات صبايا وشباب اختاروا أَن يحملوا هذه الموسيقى ويقدِّموها إِلى الجيل الجديد مساءَ السبت 17 تشرين الأَول 2026.
هي ليست حفلة لاستعادة أَغانٍ قديمةٍ مأْلوفة، بل لقاءٌ نابضٌ بين ذاكرة موسيقية عربية عميقة، ورؤْية معاصرة، وجيل شاب يحمل هذه الذاكرة نحو المستقبل. فبرغم حياته القصيرة سبق سيد درويش زمانه، وترك إِرثًا موسيقيًّا خالدًا: حوَّلَ الموسيقى إِلى لغة قريبة من الناس، فغنى للحياة اليومية والعامل والحب والفرح والوطن في أَعمال خالدة: “الحلوة دي”، “زوروني كل سنة مرة”، “قوم يا مصري”، “أَهُو ده اللي صار”، “يا بهجة الروح”، وأُغنيات كثيرة سواها باتت جزءًا من الذاكرة العربية. ولعلَّ بقاءَها حتى اليوم أَنها لم تكن بعيدة عن الإنسان. فسيّد درويش عرف كيف يجعل الموسيقى تخرج من المسرح المقفَل إِلى الشارع والناس.
شربل روحانا: لقاء الخبرة بالتراث
في توزيعه الجديد لا يقف شربل روحانا عند حدود المرافقة الموسيقية بل يأْتي برؤْية فنية خاصة، ثمرة خبرته العميقة في الموسيقى الشرقية وإِمكاناتها، ويدخل إِلى أَلحان راسخة في الذاكرة ليكشف فيها عن أَلوان وتفاصيل وحوارات جديدة. طبعًا هو لا يسعى إِلى تغيير هوية سيد درويش بل إِلى تنصيع هذه الهوية من زاوية معاصرة، في أَلحان يعرفها الجمهور لكنه سيسمعها بأُذُنٍ أُخرى وبإِيقاعات وجُمَل لحنية وتفاصيل تتَّخذ أَبعادًا جديدة في توزيع يجمع بين أَصالة الشرق العريقة وروح الموسيقى المعاصرة.
والرسالة واضحة: التعرُّف إِلى الموسيقى العربية والشرقية وحفْظ ذاكرتها وإِعادة تقديمها بروح معاصرة من “عشتار” وهي نخبة صبايا وشباب ذوي أَصوات استثنائية، يجتمعون حول شغف واحد: أَن تبقى الموسيقى الشرقية حية في ذاكرة الجيل الجديد. هكذا تؤَمِّنُ “عشتار” حفْظَ هذه الذاكرة وتجديدَها في آن، بمقاربةٍ تحمل ذائقة عصرها، وتريد للموسيقى العربية أَن تبقى حاضرة في حياة الجيل الجديد. وهو هذا دور معهد “فيلوكاليَّا” في تنمية المواهب الشابة ونقْل المعرفة الموسيقية وصَوْن التراث الغنائي الشرقي وإِتاحة أَن تتعلَّمه الأَجيال الجديدة وتعُيدَ ابتكاره. هكذا يرقى حضور “عشتار” من مجرد مشاركة غنائية إِلى رسالة ثقافية تنشر أَن التراث لا يبقى حيًّا إِلَّا إِذا وجَد أَصواتًا شابة تحمله إِلى الغد. فالتراث يَخْلُد طالَما يجدُ مَن يحمله.
الأُخت مارانا سعد… قائدة اللقاء
إِلى توزيع شربل روحانا وأَصوات “عشتار”، تحضر أُوركسترا شرقية بنخبة عازفين محترفين، لتؤلّف مشهدًا موسيقيًّا غنيًّا ومتنوعًا. وإِذا العود والقانون والإِيقاعات والوتريات وسواها من الأَلوان الشرقية تتفاعل مع الأَصوات والتوزيعات لتمنح أَلحان سيد درويش حياة موسيقية جديدة.
في قلب هذا اللقاء الموسيقي تقف الأُخت مارانا سعد قائدةَ العمل، جامعةً عناصر متعددة في نفَس واحد: رؤْية شربل روحانا، أَصوات “عشتار”، طاقة الأُوركسترا الشرقية، وروح أَلحان سيد درويش. عندذاك لا تعود قيادة الأُوركسترا مجرد إِشارة إِلى الإِيقاع والدخول، بل تغدو صناعة حوار بين الصوت والآلة، بين التراث والقراءة المعاصرة.
هكذا، في سهرة كازينو لبنان، لن يكون استرجاع اسمٍ من الماضي، بل إِيقاظ حاضرٍ في ثلاثة أَجيال ولغة موسيقية واحدة: التراث، الإبداع، والمستقبل، ليكتشف الجمهور أَنه لن يصغي إِلى أَلحانٍ يعرفها بل إِلى أَعمال يزيد عمرها عن 100 سنة، تتجلى أَمامه على مسرح كازينو لبنان بأَصوات جيل جديد يحمل مساءَ الموسيقى الشرقية إِلى صباح المستقبل.
