ملياراتُ الإمارات في الذكاء الاصطناعي: هل تتحوَّل إلى ثروةٍ اقتصادية؟

تراهن أبوظبي على استثماراتٍ ضخمة وشراكاتٍ مع كبرى شركات التكنولوجيا لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى محرّك للنمو والتنويع الاقتصادي. لكنَّ نجاح هذا الرهان يتوقف على قدرة المؤسسات على تحقيق عوائد فعلية، وعلى وجود طلب يواكب التوسّع في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.

الشيخ محمد بن زايد يقود رهان الإمارات على الذكاء الاصطناعي محرّكًا للنمو والتنويع الاقتصادي وصناعة الثروة المستقبلية.

عمّار الحلّاق*

لم يعد حجم الأموال التي تضخّها الإمارات العربية المتحدة في الذكاء الاصطناعي، أو عدد الشراكات التي تعقدها مع شركات التكنولوجيا العالمية، كافيًا للحُكم على نجاح استراتيجيتها في هذا القطاع. فمع تسارع الاستثمارات وتوسُّع مشروعات البنية التحتية الرقمية، يبرز سؤالٌ يتجاوز الطموحات المُعلَنة: هل تستطيع أبوظبي تحويل هذه المليارات إلى ثروةٍ اقتصادية مستدامة، أم أنَّ السباق على امتلاك القدرات الحاسوبية قد يسبق نمو الطلب التجاري عليها؟

تسعى الإمارات إلى الانتقال من موقع المستثمر في التكنولوجيا العالمية إلى موقع المُنتِج والمُستخدِم لخدماتها، مستفيدةً من مواردها المالية ومؤسساتها الاقتصادية الكبرى وشبكة شراكاتها الدولية. ولا يقوم هذا التوجّه على تطويرِ صناعةٍ تكنولوجية مستقلة عن بقية الاقتصاد، بل على إدخال الذكاء الاصطناعي في صلب قطاعات قائمة، وفي مقدّمها الطاقة والصناعة والخدمات المالية والاستثمار، بما يتيح تحسين الإنتاجية وخفض التكاليف وتطوير أساليب اتخاذ القرار.

تعكس الشراكات التي أُعلنت بين شركة “إنسبشن 42” (Inception42) التابعة لمجموعة “G42” الإماراتية، وشركة “أوبن إي آي” (OpenAI)، إلى جانب التعاون مع شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” وشركة “مُبادلة” للاستثمار، ملامح هذا التوجّه. فقد شملت الاتفاقات شراكة تمتد خمس سنوات بين “إنسبشن 42” و”أوبن إي آي”، وتعاونًا ثلاثيًا مع “أدنوك” لتطوير تطبيقات تدعم اتخاذ القرارات بالاعتماد على البيانات، فضلًا عن شراكة استثمارية تضم “مُبادَلة”. ورغم عدم الإعلان عن القيم المالية لهذه الاتفاقات، فإنَّ أهميتها تكمن في الجمع بين الخبرة التكنولوجية والقدرة الاستثمارية ومؤسسات تمتلك عمليات واسعة يمكن أن تستفيد من التطبيقات الجديدة.

يمثّل قطاع الطاقة اختبارًا مهمًّا لهذه المقاربة. إنَّ “أدنوك”، بحُكم حجم عملياتها وتنوّع أنشطتها، تملك مجالات عديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي، من تحليل البيانات التشغيلية والتنبؤ بالأعطال إلى تحسين الصيانة وإدارة الموارد وسلاسل الإمداد. ويمكن لهذه التطبيقات أن تسهم في تقليل فترات التوقف والهدر، وتحسين كفاءة الإنتاج، وتوفير معلومات أكثر دقة للقرارات الفنية والمالية.

لكنَّ الفارق بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وإحداث تحوّل فعلي في أداء المؤسسات يبقى كبيرًا. فشراء النماذج المتطوّرة أو إدخال برامج ذكية إلى بعض الإدارات لا يكفي لتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة. المطلوب هو ربط الأنظمة الجديدة بالعمليات اليومية، وضمان جودة البيانات، وتطوير مهارات العاملين، وإخضاع القرارات المؤثرة في الإنتاج والاستثمار لرقابة بشرية واضحة. وعندها فقط يمكن أن ينتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة مساعدة إلى عنصر أساسي في إدارة النشاط الاقتصادي.

في هذا السياق، يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه “مُبادلة” في ربط الاستثمار بالتطبيق. فصناديق الاستثمار السيادية لا تقتصر فرصها على تمويل شركات التكنولوجيا الناشئة أو شراء حصص في المؤسسات العالمية، بل تمتد إلى الاستفادة من محافظها الاستثمارية الواسعة لتطوير تطبيقات قابلة للاستخدام في قطاعات مختلفة. وإذا أمكن الجمع بين التمويل والخبرة التقنية والطلب الصادر عن المؤسسات الكبرى، فقد تصبح الاستثمارات الإماراتية جُزءًا من منظومة متكاملة، بدل أن تبقى رهانات مالية منفصلة على مستقبل القطاع.

العوائد الاقتصادية ومخاطر الفقاعة

غير أنَّ امتلاك هذه المقوّمات لا يلغي التحدي المُتعلّق بالعائد على الاستثمار. فالمليارات التي تُنفَقُ على تطوير النماذج وشراء المعالجات وإنشاء مراكز البيانات تحتاج إلى وقتٍ قبل أن تتحوّل إلى إيرادات أو وفورات ملموسة. كما أنَّ جدوى الذكاء الاصطناعي تختلف بين القطاعات والتطبيقات، ما يجعل من الصعب اعتماد معيار موحّد لقياس نجاح جميع المشروعات.

في قطاع الطاقة، مثلًا، قد تظهر الفوائد من خلال تقليل الأعطال وتحسين كفاءة المنشآت، بينما ترتبط العوائد في المؤسسات المالية بسرعة تحليل المعلومات وتقييم المخاطر وإدارة المحافظ الاستثمارية. أما في الخدمات الإدارية، فقد تتمثل المكاسب في اختصار الوقت وتحسين جودة العمل. وفي جميع الحالات، لا يكفي قياس عدد التطبيقات التي تعتمدها المؤسسة، بل ينبغي تحديد مقدار ما تضيفه إلى إنتاجيتها وأرباحها، وما إذا كانت هذه المنافع تتجاوز تكاليف التطوير والتشغيل.

تزداد أهمية هذه الحسابات مع اتساع الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي، وارتفاع تقييمات الشركات المرتبطة به. فقد أثار التشابك بين مطوّري النماذج ومزوّدي الخدمات الحاسوبية والمستثمرين الكبار تساؤلات بشأن احتمال تشكّل فقاعة مالية، خصوصًا عندما يكون بعضُ الشركات مستثمرًا ومورّدًا وعميلًا في المنظومة نفسها.

لا يعني ذلك أنَّ الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فالتكنولوجيا تتطوّر بسرعة، وتتسع تطبيقاتها التجارية، ولا سيما الأنظمة القادرة على تنفيذ مهام متتابعة والتفاعل مع أدوات العمل بصورة شبه مستقلة، ضمن ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي. لكنَّ نجاح التكنولوجيا لا يضمن بالضرورة أن تكون جميع الشركات العاملة فيها مقوّمة بأسعار تعكس قدرتها المستقبلية على تحقيق الأرباح.

هذا التمييز مهم بالنسبة إلى الإمارات ودول الخليج عمومًا. فالاستثمار في أسهم شركة تكنولوجية يختلف عن بناء منشآت حاسوبية ومرافق طاقة وبنية تحتية طويلة الأجل. وإذا شهدت السوق تصحيحًا في التقييمات، فقد تستمرُّ التطبيقات في النمو، لكنَّ المشروعات التي أُنشئت على أساس توقعات مُبالَغ فيها للطلب قد تواجه ضغوطًا مالية. لذلك، فإنَّ الحذر من الفقاعة لا يستدعي التراجع عن الاستثمار، بقدر ما يتطلب انتقاء المشروعات وفق جدواها وقدرتها على توليد إيرادات مستدامة.

مراكز البيانات بين الطموح والطلب الفعلي

يشكّل التوسّع في مراكز البيانات أحد أبرز مظاهر الاستراتيجية الإماراتية. فالمشروعات الجديدة، وفي مقدّمها “ستارغيت الإمارات”، تعكس رغبة أبوظبي في امتلاك قدرات حاسوبية كبيرة تتيح تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، وتقديم خدمات رقمية لأسواق تتجاوز حدود الدولة. وتُطرح في هذا الإطار مستهدفات للتوسّع في القدرة الكهربائية المخصّصة لمراكز البيانات، وصولًا إلى مستويات تُقاس بغيغاواطات عدة.

تستند هذه الطموحات إلى رؤيةٍ تعتبر الإمارات مركزًا إقليميًا لخدمات الحوسبة، مستفيدةً من موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن بنيتها التحتية وشبكاتها التجارية والمالية. غير أنَّ نجاح هذا الدور لا يعتمد على الموقع الجغرافي وحده، بل على كلفة الكهرباء وتوافر المعالجات المتقدّمة وكفاءة التبريد وسرعة الاتصال، فضلًا عن القوانين التي تنظّم البيانات العابرة للحدود.

يظل السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية مرتبطًا بحجم الطلب الذي يمكن أن تستقطبه هذه المراكز. فامتلاك قدرة حاسوبية ضخمة لا يعني بالضرورة استخدامها بكامل طاقتها، خصوصًا أنَّ التكنولوجيا تتطوّر بسرعة، وقد تتغيّر معها متطلبات تشغيل النماذج وكفاءة المعالجات. وإذا نمت الطاقة الاستيعابية لمراكز البيانات بوتيرة أسرع من نمو الاستخدام التجاري، فقد تتراجع معدلات التشغيل وتتعرض العوائد للضغط.

هنا تظهر أهمية الربط بين الاستثمار في البنية التحتية وتطوير التطبيقات داخل الاقتصاد الإماراتي. فوجود شركات كبرى مثل “أدنوك”، ومؤسسات مالية واستثمارية واسعة النشاط، يمكن أن يوفّر طلبًا محليًا على خدمات الحوسبة المتقدّمة، ويمنح المشروعات الجديدة قاعدة أولية من المستخدمين. كما أنَّ نجاح التطبيقات في هذه المؤسسات قد يساعد على تطوير حلول قابلة للتصدير إلى شركات وأسواق أخرى.

لكنَّ الطلب المحلي، مهما اتسع، قد لا يكون كافيًا لاستيعاب جميع القدرات التي يجري التخطيط لها. لذلك، يتوقف جانب من نجاح الاستراتيجية على قدرة الإمارات على جذب عملاء إقليميين ودوليين، وتقديم خدمات تنافسية من حيث الكلفة والأداء والأمان. وهذا يضعها في منافسة مع مراكز حوسبة عالمية تمتلك خبرات طويلة وأسواقًا واسعة، ويجعل جودة الخدمات واستمراريتها عاملين لا يقلّان أهمية عن حجم الاستثمارات.

كما أنَّ التوسّع في مراكز البيانات يفرض تحديات تتعلق بالطاقة. فالمنشآت المخصّصة لتشغيل الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى إمدادات كهربائية مستقرة وكبيرة، وإلى أنظمة تبريد متطوّرة، ما يجعل تكلفة التشغيل عنصرًا حاسمًا في جدواها. وبالنسبة إلى الإمارات، التي تسعى في الوقت نفسه إلى تنويع اقتصادها وتطوير قطاع الطاقة، فإنَّ القدرة على توفير الكهرباء بصورة موثوقة وتنافسية ستؤثر مباشرة في موقعها ضمن سوق الحوسبة العالمية.

السيادة الرقمية وحدود الاعتماد على الخارج

إلى جانب العوائد المالية والبنية التحتية، تبرز السيادة الرقمية بوصفها أحد الأبعاد الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. فمع توسّع استخدام النماذج المتقدّمة في المؤسسات الحكومية وشركات الطاقة والمصارف وصناديق الاستثمار، تتزايد أهمية التحكُّم في البيانات، وتحديد الجهات التي تستطيع الوصول إليها، وضمان خضوع الأنظمة المستخدمة للرقابة والقوانين الوطنية.

لا تعني السيادة الرقمية بالضرورة تطوير جميع التقنيات محليًا أو الاستغناء عن الشراكات الأجنبية. فالتكنولوجيا الحديثة تقوم على سلاسل توريد ومعرفة مترابطة عالميًا، وقد يؤدي السعي إلى الاستقلال الكامل إلى تكاليف مرتفعة وإبطاء الاستفادة من الابتكارات. لكنَّ السيادة تقتضي امتلاك القدرة على إدارة البيانات الحساسة، ومراقبة استخدامها، وتدقيق القرارات التي تنتجها الأنظمة الذكية.

تحاول الإمارات تحقيق هذا التوازن من خلال الجمع بين التعاون مع الشركات العالمية وتطوير القدرات المحلية، بما يشمل استضافة البيانات والنماذج داخل الدولة، وتعزيز دور الكفاءات المتخصصة في تشغيل التطبيقات وإدارتها. غير أنَّ وجود البيانات على الأراضي الإماراتية لا يضمن وحده استقلالًا تقنيًا كاملًا، ما دامت المؤسسات تعتمد على معالجات أو برمجيات أو خدمات خارجية لا تتحكم في جميع مكوّناتها.

لهذا، فإنَّ بناء القدرات البشرية والبحثية وتنويع المورّدين لا يقل أهمية عن إنشاء مراكز البيانات. فالمؤسسة التي تمتلك بنية تحتية متقدّمة، لكنها لا تستطيع تطوير أنظمتها أو تعديلها أو ضمان استمرار تشغيلها عند حدوث اضطرابات خارجية، تبقى معرضة لمخاطر الاعتماد على الآخرين.

تزداد أهمية هذه الاعتبارات في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وما قد تتركه من آثار على سلاسل الإمداد وحركة الخبراء وتكاليف الطاقة والتأمين. فاستمرار تنفيذ المشروعات لا يعني غياب المخاطر، بل يفرض على الشركات والحكومات تطوير خطط تضمن استمرارية الأعمال وتحدّ من تأثير أي انقطاع محتمل في المعدات أو الخدمات التقنية.

من هذه الزاوية، يمكن أن يشكّل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز المرونة الاقتصادية والأمن الرقمي، شرط ألّا يتحوّل السعي إلى امتلاك القدرات المحلية إلى توسّع يتجاوز الاحتياجات الفعلية أو يرفع التكاليف من دون عوائد موازية.

تملك أبوظبي عناصر تساعدها على خوض هذا الرهان، من رؤوس الأموال الكبيرة إلى المؤسسات القادرة على استخدام التكنولوجيا والشراكات التي تتيح الوصول إلى الخبرات العالمية. غير أنَّ المرحلة المقبلة ستختبر قدرتها على جمع هذه العناصر ضمن منظومة اقتصادية متكاملة، تتطوّر فيها التطبيقات بالتوازي مع البنية التحتية، وتتحوّل فيها الاستثمارات إلى إنتاجية وخدمات وإيرادات قابلة للقياس.

قد تصبح قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والاستثمار السيادي ميادين حاسمة لهذا الاختبار. فإذا نجحت المؤسسات الإماراتية في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين أدائها وتحقيق وفورات وأرباح ملموسة، فقد توفّر نموذجًا اقتصاديًا قابلًا للتوسّع داخل الدولة وخارجها. أما إذا استمر الإنفاق بوتيرة تفوق قدرة الأسواق على استيعاب التكنولوجيا، فقد تتسع الفجوة بين الطموحات والعوائد.

في النهاية، لن يُقاس نجاح الإمارات في سباق الذكاء الاصطناعي بحجم المليارات التي تنفقها أو بقدرات مراكز البيانات التي تنشئها، بل بما تستطيع إنتاجه من قيمة اقتصادية مستدامة. فالتحدي لم يعد في إثبات القدرة على تمويل الثورة التكنولوجية، وإنما في تحويل هذا التمويل إلى ثروة جديدة تدعم النمو والتنويع الاقتصادي، وتمنح أبوظبي موقعًا يتجاوز دور المستثمر الكبير إلى دور المنتج والمستفيد من التكنولوجيا.

↑
Exit mobile version