مَن يخلف غوتيريش: لانا نسيبة أم ريبيكا غرينسبان؟

بين لانا نسيبة وريبيكا غرينسبان، يحتدم السباق إلى خلافة أنطونيو غوتيريش على رأس الأمم المتحدة، وسط تجاذبات إقليمية وحسابات القوى الكبرى. لكن الرهان يتجاوز هوية الفائزة إلى مستقبل منظمة تواجه أزمة ثقة وتحديات تهدد دورها واستقلاليتها.

لانا نسيبة: هل تصبح أول امرأة تقود منظمة الأمم المتحدة؟

داليا نعمة*

على امتداد معظم العام، ظل السباق إلى خلافة أنطونيو غوتيريش في منصب الأمين العام للأمم المتحدة يدور في حلقة من الجمود، على الرغم من اقتراب موعد انتهاء ولايته الثانية في 31 كانون الأول (ديسمبر). فمن جهة، تتمسك دول أميركا اللاتينية بحقها في تولي المنصب، استنادًا إلى عرف غير رسمي يقوم على التناوب بين المناطق الجغرافية، خصوصًا أنَّ المنطقة لم تشغل هذا الموقع منذ عام 1992. ومن جهة أخرى، تتجدد الدعوات التي تطالب بأن تتولى امرأة، للمرة الأولى في تاريخ المنظمة، منصب الأمين العام. لكن هذين المطلبين لم يكونا كافيين لحسم المنافسة، إذ لم تُفضِ جولات التصويت الاستطلاعية المتعاقبة في مجلس الأمن إلى بروز مرشح يتمتع بأفضلية حاسمة. وحتى الآن، تبدو الخبيرة الاقتصادية والديبلوماسية الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان من أبرز المتنافسين، من دون أن تتمكن من تحقيق تقدّم واضح يضعها في موقع الصدارة.

غير أنَّ المشهد شهد تطورًا لافتًا في 21 تشرين الأول (أكتوبر)، عندما أعلن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ترشيح لانا نسيبة رسميًا للمنصب، وهي التي شغلت موقع المندوبة الدائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامَي 2013 و2024. وفي اليوم نفسه، أعلنت نسيبة دخولها السباق، متعهدةً بأن تتعامل مع مسؤوليات المنصب عبر “التحدث بصراحة مع كل حكومة، من دون الخضوع لأيٍّ منها”.

ولئن لم يؤدِّ دخول نسيبة المنافسة إلى كسر الجمود، فإنه أضاف بُعدًا جديدًا إلى سباقٍ تتجاوز رهاناته هوية الشخص الذي سيقود المنظمة الدولية. فاختيار الأمين العام المقبل يرتبط أيضًا بحسابات القوى الكبرى، وتوازن المصالح بين الدول الأعضاء، وبطبيعة الدور الذي يُراد للأمم المتحدة أن تؤديه في مرحلةٍ تتعرّض فيها لضغوط غير مسبوقة. فالمنظمة تواجه أزمة تمويل حادة، وانقسامات جيوسياسية متفاقمة، وشكوكًا متزايدة في قدرتها على التأثير في النزاعات الدولية الكبرى، بل وفي مدى احتفاظها بالمكانة التي أُنشئت من أجلها.

هذه الشكوك لا تُحيطُ بمستقبل الأمم المتحدة فحسب، بل تلقي بثقلها على عملية اختيار قيادتها الجديدة، وتُثير تساؤلات بشأن الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها الأمين العام المقبل، وحدود ما يستطيع تحقيقه في ظل موازين القوى القائمة.

في هذا السياق، يرى ريتشارد غوان، الخبير المتابع لشؤون الأمم المتحدة منذ سنوات طويلة في “مجموعة الأزمات الدولية”، أنَّ “هناك شعورًا واسع النطاق بين الديبلوماسيين في نيويورك بأنَّ المنظمة باتت هامشية في معظم النزاعات الكبرى، وأنَّ غوتيريش يتحمّل جزءًا من المسؤولية عن هذا الوضع”. ومع أنَّ غوان يحمّل الدول المالكة لحق النقض (الفيتو)، وفي مقدمها الولايات المتحدة والصين وروسيا، المسؤولية الرئيسية عن حالة الشلل التي تعانيها المنظمة، فإنه لا يعفي أمينها العام الحالي من النقد، معتبرًا أنه “كان في أحسن الأحوال صانع سلام شديد الحذر، بينما يرغب أعضاء الأمم المتحدة في شخصية أكثر جرأة”.

لكن الجرأة المطلوبة، في نظر معتز أحمدين خليل، المندوب الدائم السابق لمصر لدى الأمم المتحدة، لا ينبغي أن تقتصر على إدارة الأزمات السياسية والديبلوماسية، بل يجب أن تمتد إلى كيفية التعامل مع الضغوط المالية التي تمارسها واشنطن على المنظمة الدولية.

ويقول خليل: “من غير المقبول أن يؤكد جميع المرشحين عزمهم على خفض الميزانية، استجابةً لمطالب الولايات المتحدة والدول الغربية، من دون دراسة جدوى ذلك أو تأثيره في المنظمة”. ويضيف أنَّ من غير المقبول أيضًا الاستمرار في تجاهل “مماطلة الولايات المتحدة في سداد متأخّراتها المالية”. وتكشف هذه المسألة جانبًا آخر من المأزق الذي يواجه الأمم المتحدة، إذ إنَّ قدرتها على أداء مهماتها لا تتوقف على الإرادة السياسية للدول الأعضاء وحدها، بل ترتبط أيضًا بمدى استعدادها للوفاء بالتزاماتها المالية. ووفقًا لتقرير صادر عن “خدمة أبحاث الكونغرس”، بلغت المستحقات المتأخرة على الولايات المتحدة للأمم المتحدة، حتى أواخر عام 2016، نحو 4.26 مليارات دولار.

حسابات الدول الخمس دائمة العضوية

وسط هذه التعقيدات، يبدو توقيت دخول لانا نسيبة السباق جزءًا من حسابات ديبلوماسية مدروسة، لا مجرد مصادفة سياسية. فبحسب غوان، يتداول المطلعون على كواليس الأمم المتحدة منذ سنوات احتمال توليها منصب الأمين العام. غير أنَّ إعلان ترشّحها تأخر إلى أن اتضحت نسبيًا موازين المنافسة، ولا سيما أداء مرشحي أميركا اللاتينية. ويوضح غوان أنَّ توقيت دخولها السباق “مرتبط بأداء مرشحي أميركا اللاتينية”، إذ كان عليها التأكد من “عدم تحقيق أي مرشح من أميركا اللاتينية تقدمًا حاسمًا قبل انضمامها هي إلى المنافسة”.

ويتفق خليل مع هذا التقدير من زاوية أخرى، مشيرًا إلى أنَّ ترشُّح نسيبة كان متوقعًا منذ حزيران (يونيو)، لكن تأخر إعلانها منحها أفضلية تكتيكية محتملة. فغيابها عن جولات التصويت الاستطلاعية غير الرسمية السابقة يعني أنَّ أيًا من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لم تتح له، خلال تلك الجولات، فرصة إظهار اعتراضه على ترشّحها. وبذلك، تدخل نسيبة المنافسة من دون أن تكون قد تعرّضت لاختبارٍ مُبكر يكشف حجم التأييد أو المعارضة الذي قد تواجهه داخل المجلس.

غير أنَّ هذه الأفضلية لا تلغي حقيقة أنَّ الطريق إلى الأمانة العامة يمر، في نهاية المطاف، عبر حسابات الدول الخمس التي تمتلك حق النقض، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية في شأن حظوظ المرشحة الإماراتية: كيف تنظر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تربطها علاقات وثيقة بأبوظبي، إلى ترشح لانا نسيبة؟

في محاولة لاستشراف موقف واشنطن من ترشُّح لانا نسيبة، يلفت هيرفيه فيرهوسل، المسؤول السابق الرفيع المستوى في الأمم المتحدة والمتحدث السابق باسم برنامج الأغذية العالمي، إلى التحفّظات التي أبدتها الإدارة الأميركية حيال قائمة المرشحين المطروحين حتى الآن. وانطلاقًا من هذه المعطيات، يُرجّح احتمال أن تكون اتصالات قد سبقت الإعلان الرسمي عن ترشّحها، موضّحًا أنَّ “تقديري الشخصي هو أنه ربما كانت هناك اتصالات مع الأميركيين قبل الإعلان”.

لا تبدو مثل هذه الاتصالات، إن كانت قد جرت بالفعل، مُستَغرَبة في سباق تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والديبلوماسية مع الإجراءات الرسمية لاختيار الأمين العام. فعلى الرغم من الأعراف المرتبطة بالتناوب الإقليمي، والجهود التي تبذلها الجمعية العامة لتعزيز الشفافية في عملية الاختيار، يبقى موقف الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن عاملًا حاسمًا، نظرًا إلى امتلاك كل منها حق النقض (الفيتو). ومن هنا، فإنَّ بناء قنوات التواصل مع هذه القوى واستطلاع مواقفها يشكلان جُزءًا من الحسابات التي تُحيطُ بأيِّ ترشُّحٍ جدي لهذا المنصب.

في هذا السياق، يرى معتز أحمدين خليل، المندوب الدائم السابق لمصر لدى الأمم المتحدة، أنَّ شبكة العلاقات الواسعة التي تربط دولة الإمارات بالقوى الدولية الكبرى قد تمنح مرشحتها أفضلية ديبلوماسية. ويقول إنَّ “علاقات الإمارات مع الدول الخمس دائمة العضوية، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، تجعل من الصعب على أيٍّ منها الاعتراض على ترشّحها”. ويضيف أنَّ هناك حديثًا عن “تفاهمات معينة” ربما جرى التوصل إليها مع هذه الدول قبل الإعلان الرسمي عن الترشيح. غير أنَّ مثل هذه التقديرات تبقى في إطار التحليلات المتداولة، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود اتفاق مُسبق بشأن نتيجة السباق.

توافق إقليمي، في الوقت الراهن

على المستوى الإقليمي، يبدو أنَّ ترشُّح نسيبة يحظى بمناخٍ أكثر إيجابية مما توقّعه بعض المراقبين في البداية. فقد شهدت الأشهر الماضية تكهّنات بأنَّ تباينات المواقف داخل مجلس التعاون الخليجي قد تؤثر في فرصها، بل إنَّ بعضَ التحليلات ذهبت إلى احتمال أن تعارض الرياض ترشُّحها أو تدعم شخصية عربية أخرى. لكن ريتشارد غوان، الخبير في شؤون الأمم المتحدة لدى “مجموعة الأزمات الدولية”، يقلل من أهمية تلك التكهنات، معتبرًا أنها لم تستند إلى مؤشرات حاسمة. ويقول إنَّ “تلك لم تكن سوى تكهنات، ويبدو في الوقت الراهن أنَّ السعوديين لا يقفون في طريقها”.

تَعزَّزَ هذا الانطباع مع إعلان دول مجلس التعاون الخليجي ومصر دعمها للمرشحة الإماراتية، فضلًا عن الموقف المؤيد الذي أبدته البحرين، التي تشغل المقعد العربي في مجلس الأمن هذا العام، والذي وصفه غوان بأنه “دعم قوي للغاية”. وفي المقابل، يرجّح أن تكون الجزائر، في ضوء التباينات القائمة في علاقاتها مع أبوظبي، أكثر تحفظًا حيال الترشيح. لكن هذا الاحتمال لا يعني بالضرورة اتخاذها موقفًا معارضًا، إذ يبقى التمييز ضروريًا بين التحفظ السياسي والاعتراض الرسمي.

من وجهة نظر فيرهوسل، فإنَّ قدرة نسيبة على حشد هذا التأييد الإقليمي تُمثل في حد ذاتها مؤشرًا إيجابيًا إلى مهاراتها الديبلوماسية، ولا سيما في بيئة عربية تتباين فيها المصالح والأولويات. ويقول: “إذا كان حشد تأييد هذه الدول قد تطلب مفاوضات وتقديم تنازلات، فهذا يعني أنَّ جولة المفاوضات الأولى حول ترشحها قد تكللت بالنجاح. فقدرة المرء على الجمع بين أطراف تختلف في وجهات النظر، وإيجاد أرضية مشتركة، والتوصل إلى تسوية، هي بالضبط المهارات التي سيحتاجها الأمين العام المقبل”.

مع ذلك، فإنَّ الدعم الإقليمي، مهما اتسع، لا يعني بالضرورة اكتمال التوافق العربي على المستوى المؤسسي. فخليل يصف تأييد جامعة الدول العربية لترشح نسيبة بأنه “شبه رسمي”، مشيرًا إلى عدم صدور قرار عن مجلس الجامعة يكرّس هذا الدعم حتى الآن. ويعكس هذا التمييز الفارق بين المواقف التي تعلنها الدول منفردة، وبين تبنّي المنظمة الإقليمية موقفًا جماعيًا وفق آلياتها الرسمية.

إلى جانب حسابات الدعم الدولي والإقليمي، تواجه نسيبة تحديًا آخر يتعلق بالتدقيق في مواقف دولة الإمارات من النزاع السوداني، وهو ملف أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والديبلوماسية. فقد وجّهت منظمة “هيومن رايتس ووتش” انتقادات إلى نسيبة على خلفية دفاعها عن الموقف الرسمي الإماراتي إزاء اتهامات بتقديم دعم ل”قوات الدعم السريع” في السودان. وتستند المنظمة في انتقاداتها إلى تقارير وأدلة تقول إنها تتعارض مع النفي الإماراتي لهذه الاتهامات، فيما تتمسك أبوظبي بموقفها الرافض لها.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل الانتهاكات الجسيمة التي شهدها السودان، ولا سيما في مدينة الفاشر. فقد خلصت بعثة مستقلة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة، وفق ما ورد في التقارير المشار إليها، إلى أنَّ الهجوم الذي شنته “قوات الدعم السريع” على المدينة العام الماضي يحمل “سمات الإبادة الجماعية”. غير أنَّ تقييم طبيعة الجرائم المرتكبة في السودان يظل مسألة منفصلة عن تحديد مسؤولية أي دولة خارجية عنها، وهو تمييز أساسي عند تناول الاتهامات المتبادلة في هذا النزاع.

في بيانٍ أصدرته تعليقًا على ترشح نسيبة، وجّهت “هيومن رايتس ووتش” انتقادات حادة إلى سجلها في التعامل مع هذه القضية. ونُقل عن برونو ستاغنو أوغارتي، مدير المناصرة في المنظمة، قوله إنَّ “تضليلها بشأن سجل الإمارات في مجال حقوق الإنسان… قد قوض بشكل خطير فرص تحقيق العدالة والمساءلة للضحايا”. ويعكس هذا الموقف حدة الاعتراضات التي تبديها بعض المنظمات الحقوقية، لكنه يظل تقييمًا صادرًا عن جهة ناقدة، وليس حكمًا قضائيًا أو استنتاجًا متفقًا عليه بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وقد برز هذا الجدل بصورة مباشرة خلال الحوار التفاعلي الذي عُقد في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، بمشاركة الدول الأعضاء وممثلين عن المجتمع المدني، عندما وُجّه إلى نسيبة سؤال بشأن موقفها من النتائج التي توصلت إليها جهات أممية حول النزاع السوداني، وما إذا كانت ستواصل الاعتراض عليها في حال توليها الأمانة العامة.

في ردها، أوضحت نسيبة أنها في إجازة من منصبها الحكومي، وأن الأسئلة المتعلقة بسياسات دولة الإمارات ومواقفها الرسمية ينبغي توجيهها إلى الحكومة في أبوظبي. وبذلك، اختارت الفصل بين موقعها بوصفها مرشحة لمنصب دولي، ومسؤولياتها السابقة في تمثيل السياسة الخارجية لبلادها، من دون الدخول في سجال مباشر حول الاتهامات المطروحة.

لكن هذا التوضيح لم يكن كافيًا لإقناع بعض منتقديها في أوساط المجتمع المدني. وبحسب غوان، فقد أطلقت جهات حقوقية معارضة لترشحها “حملة مضادة واسعة النطاق”، ما يشير إلى أنَّ الجدل بشأن السودان قد يستمر بوصفه أحد الملفات التي سترافق المنافسة على الأمانة العامة، إلى جانب الحسابات السياسية والديبلوماسية التي ستحدد في نهاية المطاف فرص المرشحين.

سباق بين مرشحتين

على الرغم من الجدل الذي يرافق ترشح لانا نسيبة، فإنَّ ذلك لا يعني بالضرورة تراجع فرصها في الوصول إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة. بل إنَّ بعض التقديرات الديبلوماسية تشير إلى أنها نجحت في تعزيز موقعها بين المتنافسين، مستفيدةً من خبرتها الطويلة في العمل متعدد الأطراف، وقدرتها على التواصل مع القوى الدولية والإقليمية، فضلًا عن الدعم الذي تحظى به من دولة الإمارات.

في هذا السياق، ينقل معتز أحمدين خليل، المندوب الدائم السابق لمصر لدى الأمم المتحدة، عن مصادر عدة في نيويورك أنَّ العرض الذي قدمته نسيبة أمام الجمعية العامة ترك “انطباعًا ممتازًا” مقارنة بعروض منافسيها. ويرى أنَّ اجتماع عوامل عدة، من بينها كونها امرأة، وما تتمتع به من خبرة وبراعة ديبلوماسية، إلى جانب الإمكانات التي تستطيع الإمارات توفيرها لدعم ترشحها، يمنحها فرصة جدية للمنافسة على المنصب.

يذهب ريتشارد غوان، الخبير في شؤون الأمم المتحدة لدى “مجموعة الأزمات الدولية”، إلى أنَّ المنافسة باتت أكثر وضوحًا مما كانت عليه في مراحلها الأولى، إذ يقول: “في الوقت الراهن، انحصر السباق فعليًا بين نسيبة وغرينسبان”. لكنه لا يستبعد ظهور مرشحين آخرين إذا طال أمد المشاورات وتعذّر التوصل إلى توافق حول أيٍّ من المرشحتين، خصوصًا أنَّ اختيار الأمين العام يظل خاضعًا لحسابات سياسية قد تتغيّر مع اقتراب موعد الحسم.

في ظل استمرار تمسُّك دول أميركا اللاتينية بأحقّيتها في تولي المنصب، تُطرح احتمالات لتسوية ديبلوماسية تُراعي هذا المطلب من دون أن تؤدي بالضرورة إلى استبعاد مرشحين من مناطق أخرى. ومن بين هذه الاحتمالات، يقترح خليل إسناد منصب نائب الأمين العام إلى شخصية من أميركا اللاتينية، بما قد يفتح المجال أمام توافق أوسع على تولي نسيبة الأمانة العامة، إذا حظيت بدعم إقليمي وموافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.

غير أنَّ مثل هذا السيناريو يبقى احتمالًا مطروحًا للنقاش، وليس تفاهمًا قائمًا أو نتيجة محسومة. فدول أميركا اللاتينية لا تزال تتمسك بأنَّ الدور قد حان لمنطقتها، فيما تتواصل المشاورات بين العواصم المعنية بحثًا عن مرشح قادر على جمع التأييد المطلوب. وفي موازاة ذلك، يُتوقع أن يستمر الجدل المتعلق بالحرب في السودان في مرافقة ترشح نسيبة، وإن كان تأثيره الفعلي في مواقف الدول الأعضاء لم يتضح بعد.

لكن التحدي الذي سيواجه المرشح الفائز لن يقتصر على تأمين الأصوات اللازمة للوصول إلى المنصب، بل سيمتد إلى كيفية بناء الثقة باستقلاليته منذ اليوم الأول. فالتفاهمات السياسية والديبلوماسية جزء من طبيعة عملية الاختيار داخل الأمم المتحدة، ولا سيما في ظل الدور الحاسم للدول الخمس دائمة العضوية. غير أنَّ أيَّ انطباع بأنَّ الأمين العام الجديد مدين في وصوله إلى المنصب لترتيبات تقيّد حرية قراره، قد يضعف قدرته على أداء مهماته، ويثير تساؤلات مبكرة بشأن استقلاليته وحياده.

من هنا، فإنَّ أهمية الطريقة التي سيُحسم بها السباق لا تقل عن أهمية هوية الفائز. فالأمم المتحدة، التي تواجه أصلًا أزمة ثقة وفاعلية، تحتاج إلى قيادة تستطيع التعامل مع القوى الكبرى من موقع يحفظ استقلالية المنظمة، من دون تجاهل موازين القوة التي تحكم النظام الدولي.

وهذا ما يشدد عليه خليل، الذي يرى أنَّ المطلب الأساسي من أيِّ أمينٍ عام مقبل هو التعامل مع القوى العظمى “بحكمة وحزم”، من دون الخضوع لها أو الانجرار إلى مواجهة معها. فالاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة المرشح على حشد التأييد والوصول إلى المنصب فحسب، بل في قدرته، بعد توليه المسؤولية، على ممارسة استقلاليته في مواجهة الضغوط والتجاذبات الدولية.

في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح الأمين العام المقبل بالطريقة التي وصل بها إلى المنصب وحدها، بل بقدرته على إثبات أنَّ التوافق الذي أتاح انتخابه لا يتحول إلى قيد على قراره، وأنَّ الأمم المتحدة لا تزال قادرة على الاضطلاع بدور يتجاوز مصالح القوى التي تملك حق النقض داخل مجلس الأمن.

↑
Exit mobile version