ما جمعه الحُب لا يُفرِّقه العشَّاق (الحلقة الأَخيرة: 3 من 3)

يتناول قطعة حلوى في المحترف

هنري زغيب*

هل يمكن أَن يدوم شغَف الحب بين زوجَين منذ 66 سنة حتى اليوم؟

بلى يدوم: هي ذي قصةُ حب فريدة، ما زالت متوهجة منذ ولادتها سنة 1959.

يومها تبادلا كلمة “أُحبُّك”، ولم يحدُسا أَن سيظلَّان يتبادلانها حتى اليوم.

جورج ونانسي سْتراوسْمان (Strausman) عاشقان مثالان. هو (100 وسنتان)، وهي (89 سنة)! لا يزالان في ربيع العمر وزهو العشق الأَول. عوض أَن يتبادلا الرسائل الإِلكترونية أَو الورَقية، كانا يتكاتبان خطِّيًّا بـ”القصائد” في مناسبات عدة: ذكرى الولادة، ذكرى الزواج، احتفاءات أُخرى طيلة حياتهما السعيدة معًا.  

في الحلقتَيْن الأُولَيَيْن من هذه الثلاثية، سردتُ كيف المصادفةُ جمعَت جورج ونانسي في ملعب التِنِس، وراحا يتبادلان كتابة “القصائد” بخطِّهما. ونشرتُ قصيدتَيْن من نانسي إِلى جورج.

في هذه الحلقة الثالثة والأَخيرة، أَختُمُ قصتهما الفريدة بما يفاجئُ في ما هما عليه اليوم.

فخاريات من صنع جورج

“حميمية” الكتابة اليدوية

لم تعُد الكتابة اليدوية اليوم سائدةً، بعدما شاعَت واسعةً الكتابةُ على مكابس الكومبيوتر أَو الهاتف الخلَوي. لذا تبقى للكتابات اليدوية جمالية خاصة وحميمية يدوية. من هنا أَنَّ الكتابات (“الشعرية” والنثرية) المتبادَلَة بين جورج ونانسي تتَّخذ نكهةً دافئةً تتعمَّقُ نوستالجيًّا في الذكرى كلما مرَّ عليها الزمن.

الكتابة بالحبر تفترضُ حُكمًا تأَنيًا في الكتابة ليكون الخط مقروءًا بسهولة، كما تفترض انتباهًا مقصودًا عند خطِّ كل كلمة وحدها، كأَنَّ كلَّ كلمة كتابة مستقلَّة تنتظر قارئها دون سواها. وكذلك كل صفحة مخطوطة، تتَّخذ عناية خاصة لحفْظها، وكل “قصيدة” تصبح كنزًا يُحفظ أَكثر مما هي نصٌّ إِلى قارئه.

حفيدتاه زارتاه في المحترف

علاقة الدماغ بالخط اليدوي 

عن دراسات علْمية موثَّقَة ومختبَرة، أَنَّ الكتابة اليدوية تتَّخذ جهدًا وانتباهًا وعنايةً من الدماغ أَكثر من الكتابة الآلية (على مكابس الكومبيوتر أَو الهاتف المحمول). من هنا فرادةُ النسخة الفريدة الواحدة والوحيدة في ما يتبادل جورج ونانسي من كتاباتٍ (“شِعرًا ونثرًا) منذ ستة عقود حتى اليوم، هي التي شكَّلَت يومًا بعد يوم أَرشيڤًا شخصيًّا ثنائيًّا جميلًا حيًّا نابضًا يشكِّل مسيرتهما السعيدة معًا. ففي كل “قصيدة” ذكرى ميلاد أَو مناسبةٌ خاصة أَو شخصية أَو عائلية، أَو أَيُّ حدَث جرى لهُما أَو بينهما أَو لأَحدهما ذات يومٍ، وسجَّلاه في “قصيدة”، فجاء مجموعُها كنزًا غنيًّا لِـحياتهما. وحين يعودان لاحقًا إِلى نصوصهما القديمة المخطوطة بين وقت وآخر، يعودان نوستالجيًّا إِلى ظروفِ ما يجيْءُ فيها، والمشاعرِ الْكانت ترافق تلك الظروف التي أَلْهمَت تلك النصوص. وبعد 66 سنة، يستعيدان تلك اللحظات الجميلة كأَنها تَحدثُ اليوم.

تقادُمُ السنوات ولا شيخوخة

في “قصائدهما” سرٌّ جوهريٌّ من حياتهما الخاصة، هو أَنهما كانا معًا في كل وقت ومكان: انتباهٌ دائم كامل لكلٍّ منهما حيال كلٍّ منهما. فنانسي تقلق يوميًّا إِذ يحمل جورج سنواته (الثانية بعد المئة)، ويقود سيارته ليذهب إِلى العمل أَربعة أَيام في الأُسبوع كي يتابع أَعمال الأُسرة، ويلتحق مرتين في الأُسبوع بمحترف فخاريات ومحترف زجاجيات يزاول فيها باجتهاد ومثابرة هوايةَ أَن يشكِّل أَنصابًا وأَشكالًا وتماثيل بالفخار والزجاج. وهو يدأَب على الحضور إِلى ذينك المحترفين منذ بلغ التسعين. يؤْمن أَن لا انتهاء لصلاحية العمر للتعلُّم والعمل ومقاربة الحياة بتفاؤُل وإِقبال إِيجابي. وذات يوم قال لحفيدته فرنشسكا إِنه، بعد غيابه، يحب أَن يُذْكَر بـ”قصائده” لا في ما شكَّله بالفخاريات والزجاجيات.

ردًّا على قصيدة نانسي في عيده السبعين (نصُّها في الحلقة الثانية من هذه الثلاثية)، وفيها اتَّهمتْه مازحةً بضعف النظر، أَجابها بـ”قصيدة” قال فيها إِنه لم يحتجْ يومًا إِلى نظره كي يراها ويحبَّها.

قبل أَسابيع، إِلى مائدة الفطور الصباحي، عرضَت الحفيدة فرنشسكا فكرة إِصدار “قصائدهما” في كتاب يبقى للأَجيال الجديدة وأَترابهم. لم يرفض جورج، وأَردفَ أَنه لم يفكِّر يومًا في الكتاب، لأَنه كان يكتب فقط لتقرأَه نانسي.

حفْظ الإِرث

هذا الأَمر يلفت إِلى ما سنفتقده لاحقًا من إِرث سيضيع في المراسلات الإِلكترونية السريعة الآنية، لأَن المراسلات الكتابية باتت نادرة جدًّا، كأَنها خارج العصر. فنحن نرسل في يوم واحد عشرات الرسائل الإلكترونية التي لن تكون لنا عودة إِليها بعد سنوات من اليوم. من هنا أَن كتابات نانسي وجورج لم تنتظر يومًا ردودًا بالإِشارات والعلامات والرموز كما نتلقَّى اليوم إِلكترونيًّا لرسائلنا النصية. كانا يتبادلان الكتابات حميميًّا كي يقرآها وحدهما. لذا، حين الحفيدةُ فرنشسكا نشرَت منها مقاطع على منصاتها الإِكترونية، لاقت رواجًا واسعًا لِما فيها من صدق ودفْءٍ وعفوية.

تلك الكلمة الواحدة الأُعجوبية 

كل ثنائي يتركُ بعده إِرثًا عائليًّا، قد يكون مجموعَ حليٍّ أَو صورٍ فوتوغرافية أَو ما شابه. جورج ونانسي يتركان بعدهما حبًّا نادرًا مكتوبًا بخطٍّ حميم، يُثبت أَن الحب الكبير ليس بالضرورة صاخب الأَحداث والمغامرات كي يكون استثنائيًّا. فهو قد يبدأُ بسيطًا من لقاء بسيط في ملعب تنِس، أَو من “قصيدة” مازحة لا تبغي الشهرة، أَو من كلمة أُعجوبية واحدة صغيرة جدًّا، قيلَت ذات يوم، وتتكرَّر كلَّ يوم حتى اليوم: “أُحبُّك”.

Exit mobile version