ما جمعه الحُب لا يفرِّقه العشّاق (2 من 3)

جورج يكتب بخطه “قصائده” إِلى نانسي

هنري زغيب*

إِنها قصةُ حب فريدة، ما زالت متوهجة منذ 66 سنة.

يوم تبادلا كلمة “أُحبُّك” في ذاك اليوم الأَول، لم يحدُسا أَن سيظلَّان يتبادلانها حتى اليوم.

جورج ونانسي سْتراوسْمان (Strausman) عاشقان مثالان. هو (100 وسنتان)، وهي (89 سنة)! لا يزالان في ربيع العمر وزهو العشق الأَول. عوض أَن يتبادلا الرسائل الإِلكترونية أَو الورَقية، كانا يتكاتبان مباشرةً بـ”القصائد” في مناسبات عدة: ذكرى الولادة، ذكرى الزواج، احتفاءات أُخرى طيلة حياتهما السعيدة معًا.  

في الحلقة الأُولى من هذه الثلاثية، سردتُ قصة المصادفة التي جمعَت جورج ونانسي في ملعب التِنِس. وذكرتُ أَنهما كانا يتبادلان كتابة “القصائد” بخطِّهما. ووعدتُ أَن أَنشُر في هذه الحلقة نصَّ القصيدة الأُولى من نانسي إِلى جورج.

قصيدة من جورج إلى نانسي (صفحة فرنشسسكا الإِلكترونية)

“القصيدة” الأُولى

هذه أَول “قصيدة” كَتَبَتْها نانسي إِلى جورج بعد لقائهما الأَول:

التقيتُهُ في ملعب التنِس

بعد ظُهرِ يوم مشمس

من صيف 1959…

لم يخطر ببالي يومها

أَنَّ كلامًا تبادلْناه

سيكون أَبجدية حب

تجمَع بيننا طوال العمر

وأَنه سيكون رفيقَ عمري!

يومها كان ينتظر أَخاه

ليشاركَه لعبة التنِس.

قال لي: “فلنقارع الطابات”

وقارعناها بضع قذفات

لكنَّ القدر قارَعَنا

بضعة أَشهر بعدها

حتى بلغْنا الزواج…

***

التقيتُهُ في ملعب التنِس

بعد ظُهرِ يوم مشمس

ذاك النهار بعد الظهر

نقَلَنا من ملعب التنِس

إِلى ملعب الحياة…

افترقْنا من الملعب

كي لا نفترق بعدها أَبدًا…

***

ومع أَنني اعتدتُ كلماته

ما زلتُ أَسمعها حتى اليوم

كما من أَول يوم…

“حبيبتي”، يقول

فأَذوبُ حبًّا إِليه

لأَنه رفيقي وصديقي

لأَنه حبيب العمر والحياة

لأَنه قدري الجميل”

نانسي.

وكانت تلك فاتحة الكتابات.

“قصيدة” لقارئ واحد

طبعًا لا نقيسَنَّ كلمات نانسي على أَنها من الشعر بمفهوم الشعر قواعدَ وأُصولًا. فلا هي تدَّعي أَنها “شاعرة”، ولا هي كتبَت هذه “القصيدة” (وكلَّ ما تلاها) كي تنشرها في صحيفة أَو مجلة أَو كتاب، أَو كي تضعَها على منصَّات التواصل الإِلكتروني.

هذه “القصيدة” كتَبَتْها نانسي بخطِّها لرجُلٍ واحدٍ كي يقرأَها بعينيه وقلبه قارئٌ واحد. ربما لذلك، حين نَشَرَتْها حفيدتُها فرنشسكا على منصاتها الإِلكترونية، تلقَّت مئات الردود عليها والاستحسانات. فهي – في بساطتها ومباشريَّتها وصدقِها وعفويَّتها – تدلُّ على أَنَّ الحب الذي يعيش طويلًا لا يتخطّى حتمًا حالاتٍ صعبةً أَو شائكة، بل يكتفي بمصادفات قصيرة تتشكَّل منها حياة طويلة وسعيدة.

فرنشِسكا ناشرة “القصائد” تعانق جدها جورج

الشعر لغة الحب

غالبًا ما يتبادل العشاق هدايا وبطاقات معايدة في مناسباتهما الخاصة. جورج ونانسي كانا يتبادلان “القصائد” يكتبانها بخطِّهما في تلك المناسبات، أَو في سويعات صفاء مُوحِيَة. وعوض أَن تقتصر تلك “القصائد” على مناسبات كبرى، كانت كلماتهما تنقل تفاصيلَ بسيطةً عاديةً من حياتهما اليومية العادية. منها (كما في “القصيدة” أَعلاه) مصادفةُ لقائهما الأَول في ملعب التنِس، أَو نكاتٌ طريفة تبادلاها خلال السنوات، أَو تَقَدُّمها في العمر معًا جنبًا إِلى جنب، أَو هناءَتهما في الحياة معًا، …

بين أَكثر ما تحبُّ حفيدتهما فرنشسكا، “قصيدة” نانسي إِلى جورج عند بلوغه السبعين، وفيها تبثُّ الحالة العاطفية العاشقة التي تجمع بينهما يوميًّا.

وهنا تلك “القصيدة”:

الرجل الذي أُحبُّهُ

بلغَ اليوم السبعين…

قد يتوقَّع مني احترامَ سنِّه

بكل وقار السنّ

لكنه حتمًا سيعجبُه

أَن أُبادره بالهزل والمزاح

فالسنُّ بادية عليه

بشعره الأَبيض

ونظرته أَنني صبيَّة تعشقُه

ربما لضعفٍ في بصره

وطنينٍ في سمعه قويّ

وبعض هذيان في وعيه!

***

الرجل الذي أُحبُّه

بلغَ اليوم السبعين…

كان يَشْدُق شفتيه إِعجابًا

أَمام امرأَةٍ جميلةٍ

واليوم لا يشدُقُهُما

إِلَّا عند طبيب الأَسنان.

مع ذلك أُردِّد له دائمًا

جورج أَنا أُحبُّك”…

صحيح أَنّ في طرافة “القصيدة” إِيماءاتٍ إِلى الشيخوخة، والشَيب في شَعره، وقصَر البصر، وضعف السمْع، لكنها جميعها إِيماءاتٌ بغُنج وحنان. والسخرية فيها ليست لإِغاظته سلبيًّا، إِنما للتنبيه بأَن العمر يتقدَّم بهما معًا، بكلِّ ما ثنايا السنوات من ذكريات وأَحداث طريفة ومازحة. وعوض أَن يُواجِهَا التقدُّم في السن بلهجةٍ دراماتيكيةٍ عابسة، تشير “القصائد” بينهما إِلى أَنَّ كلَّ تفصيلٍ عاديٍّ في حياتهما اليومية معًا، يمكن أَن يحصلَ بينهما من دون إِثارةِ سوءِ تفاهم، لأَن الأَصل بينهما متينٌ وعميق. وهذا ما يجعل علاقتهما اليومية جديرةً بأَن تدخل تفاصيلُها في “قصائد” يتبادلانها باستمرار. لذا يتذكَّران نكاتٍ (بعضُها سخيف) كانا يتبادلانها أَو يسمعانها. لكنهما يواجهان الشَيب وضعْف السمْع والبصر بضحكاتٍ مرحة تُبعد بينهما الخوف من تقدُّم العمر. وبالرغم من ستةِ عقودِ حياتهما اليومية معًا، ما زالا يجدان جديدًا مبتكَرًا لطيفًا يكتبانه في “قصيدة” منه إِليها أَو منها إِليه.

إِلى أَيٍّ عمل ما زال جورج يقود سيارته ويذهب كلَّ يوم؟

الجواب في الحلقة الثالثة والأَخيرة من هذه الثلاثية.

Exit mobile version