
هنري زغيب*
ليس بيكاسو الوحيد الذي كانت له مع عشيقاته وملهماته علاقات مضطربة متوترة انتهت بالانفصال المأْساوي. فهل صحيح أَن المرأَة تتباهى بأَن تكون ملهمة شاعر أَو رسام أًو نحات؟ وهل دائمًا هذا الأَخير يعاملها بما يجعلها دائمة التعلُّق به فلا تنفر منه غاضبة أَو مقهورة؟
هنا خمسة نماذج عن نساء بدأْنَ ملهِمات، وانتهيْن مُهْمَلات، وتوفيْنَ غيرَ سعيدات.
- بيكاسو ودورا مار
مجَّد بيكاسو (1881-1973) عشيقته المصورة الفوتوغرافية الفرنسية دورا مار (1907-1997) حتى الأَسْطَرَة، فجعل منها في لوحاته ملهمتَه الخالدة (1935-1943). لكنها انفصلَت عنه لخلاف حادٍّ بينهما. سنة 2019 أَقام لها “مركز بومبيدو” في باريس معرضًا استعاديًّا (5 حزيران/يونيو – 29 تموز/يوليو) هو الأَكبر حجمًا (نحو 500 صورة بكاميراها) وأَهميةً (وثائق أَصلية من حياتها الشخصية)، وبينها صور ولوحات إِبان أَيامها الهانئة ثم الصاخبة مع بيكاسو.
- بيكاسو وماري تريز والتر
كان بيكاسو يكبر عارضة الأَزياء الفرنسية ماري تريز والتر (1909-1977) بنحو 33 سنة. التقاها سنة 1927، وبقي على علاقة سرية معها طيلة ثماني سنوات، لأنه كان متزوجًا من راقصة الباليه الروسية زوجته الأُولى أُولغا خوخلوفا (1891-1955) ووالدة ابنه بول. وكانت ماري تريز حبلى بابنته مايا، حين علمَت أُولغا بالعلاقة السرية بين زوجها وماري تريز، فانفصلَت عنه سنة 1935. وكان بيكاسو في الوقت ذاته على علاقة بالمصوِّرة الفوتوغرافية الفرنسية دورا مار. ولم يكن يتجنَّب وقوع الخلافات الصاخبة بين دورا وماري تريز بسبب علاقتهما معًا بالرجل ذاته. لكن ماري تريز انفصلت عنه غاضبةً سنة 1940.
- غالا دالي وسلفادور دالي
يومَ سلفادور دالي (1904-1989) التقى سنة 1929 مصممة الأَزياء الروسية إِيلينا إيفانوفا دياكونوفا المعروفة بـ”غالا دالي” (1894-1982)، كانت لا تزال زوجة الشاعر بول إِيلوار، الذي أَدخلها إِلى حلقة شعراء وفنانين، منهم ماكس إرنسْت الذي دخل في علاقة موازية مع غالا. لكن غالا تخلَّت عن الجميع، وارتبطت بعلاقة عاطفية صاخبة مع سلفادور دالي، الذي اتخذها ملهمته و”موديله” ومديرة أَعماله، وراح يرسمها في لوحاته السوريالية/ حتى أَنه وقَّع بعض لوحاته باسمَيهما معًا. وبعدما أَعلنا ارتباطهما رسميًّا سنة 1934، بقي دالي على علاقاته الغرامية مع أُخريات، ما جعل علاقته مع غالي مليئة بالاضرابات حتى وفاتها المأْساوية سنة 1982.
- إليزابيت سيدال ودانته غبريال روزيتي
كانت الشاعرة الإِنكليزية إِليزابيت سيدال (1829-1862) ملهِمة عدد من الرسامين وموديلًا لهم، إِلى أَن التقَت سنة 1851 الشاعر والرسام الإِنكليزي دانته غبريال روزيتي (1828-1882)، فلم تعُد تجلس موديلًا إِلَّا له. وسنة 1853 انفردا في مكان بعيد، وعاشا بعيدًا عن المجتمع في المدينة. وفي بعض المرويات أَن سيدال بقيَت على هواجسها الخائفة من عدم الاستقرار العاطفي حيال شاعرها، وخشيتها الدائمة من أَن تحلَّ مكانها لديه صبية مراهقة. وكان روزيتي خائفًا من عدم رضى أُسرته (وخاصة شقيقاته) على علاقته بسيدال. لكنهما مع ذلك تزوَّجا سنة 1860، وماتت هي بعد ذلك بسنتين، بسبب جرعة زائدة من أُفيون اللودانوم، في غصة اللااستقرار العاطفي.
- كميليا كلوديل وأُوغست رودان
كانت النحاتة كميليا كلوديل (1864-1943) مساعدة النحات الشهير أُوغست رودان (1840-1917) منذ 1883. انصرف رودان إِليها عاشقًا متيَّمًا بها حتى الجنون، وباتت ملهمته وعشيقته. استمرت علاقتهما عشر سنوات ملأَى بالاضطرابات والخلافات والقهر، لأَن رودان كان متمسكًا بها إِنما مواصلًا علاقاته الأُخرى مع نساء أُخريات. وانتهت علاقتهما الفاجعة بانعزال كميليا سنة 1905، ووقوعها في نوبات جنون راحت خلالها ترمي معظم منحوتاتها أَو تحطِّمها. وأَمضت آخر 30 سنة من حياتها في مصح للأَمراض العقلية، وماتت فيه من شدة القهر ومرارة الخيبة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
