“الهولوكوست الجديد”… حين تصبح الذاكرة امتحانًا للضمير

الدكتور داود رجب البلوشي*

أنا إنسان، ولا أحتاج إلى معرفة ما تعبده كي أرفض قتلك. لا يشترط احترامي لحياتك أن تتفق معي في الدين أو السياسة أو تفسير التاريخ. يكفيني أنك إنسان، وأنَّ لطفلك حقًا في الغد، ولأسرتك حقًا في البيت، ولك حقًا في أن تعيش على أرضك بكرامة وأمان.

بهذا المعنى أنظر إلى فلسطين، وبهذا المعنى أستخدم تعبير “الهولوكوست الجديد”: ليس لإقامة تطابق تاريخي بين ما يجري اليوم والهولوكوست النازي، بل لوصف هول القتل والتجويع والتهجير والدمار، ولاستدعاء السؤال الأخلاقي الذي اعتقد العالم أنه أجاب عنه بعد الحرب العالمية الثانية: هل يجوز أن يُترَكَ شعبٌ أمام خطر الإبادة بينما يعرف الآخرون ما يحدث؟

للهولوكوست خصوصيته التاريخية، ولا تتطلّب إدانة ما يتعرّض له الفلسطينيون محو هذه الخصوصية أو مساواة تجربتين مختلفتين. لكن الاعتراف بتفرّد جريمة تاريخية لا ينبغي أن يحول دون استحضار الدرس الإنساني الذي تركته. فعندما قال العالم “لن يتكرر أبدًا”، هل كان يقصد ضحايا بعينهم، أم الإنسان أيًا تكن هويته؟

إذا كان التعهّد يشمل الإنسان، فالفلسطيني إنسان. وإذا كان يشمل حق الشعوب في البقاء، فالشعب الفلسطيني ليس استثناءً. أما إذا كانت الحماية تتغيّر بحسب التحالف والهوية والمصلحة السياسية، فالمشكلة تصبح أعمق من حرب واحدة: إنها تمسُّ صدقية النظام الأخلاقي والقانوني الذي أقامه العالم بعد الحرب.

وهنا تكمن المأساة: أن تكون معاناة الضحية مرئية وموثَّقة، ثم يبقى حقها في النجاة موضوعًا للنقاش.

الفلسطيني لم يكن مسؤولًا عن معسكرات النازية، وطفل غزة لم يشارك في اضطهاد يهود أوروبا. ومع ذلك، تتداخل في النقاش الغربي حول إسرائيل اعتبارات أمنية وتاريخية مرتبطة بذاكرة الهولوكوست والمسؤولية الأوروبية عنه. والسؤال المشروع هنا هو: كيف يمكن الوفاء بمسؤولية تاريخية تجاه ضحايا الماضي من دون الانتقاص من حقوق ضحايا الحاضر؟

وهذا لا يعني تحميل اليهود مسؤولية جماعية عن سياسات الحكومة الإسرائيلية. فاليهود ليسوا حكومة إسرائيل، وهناك أصوات يهودية وإسرائيلية عارضت الحرب ودافعت عن حقوق الفلسطينيين. والمبدأ نفسه الذي يرفض تحميل اليهود مسؤولية جماعية يوجب رفض تحميل الفلسطينيين مسؤولية جماعية عن أفعال “حماس” أو غيرها.

أما قانونيًا، فلم يعد الحديث عن الإبادة في غزة مجرّد تعبيرٍ أدبي أو سياسي. ففي أيلول (سبتمبر) 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أنَّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في القطاع. والدقة ضرورية هنا: هذا استنتاج لجنة تحقيق أممية، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا صادرًا عن محكمة العدل الدولية. لكن غياب الحكم النهائي لا يلغي خطورة التحذير، خصوصًا أنَّ القانون الدولي لا يفرض المعاقبة على الإبادة فحسب، بل يفرض أيضًا واجب منعها.

لهذا أستخدم تعبير “الهولوكوست الجديد” بوصفه سؤالًا أخلاقيًا موجَّهًا إلى الذاكرة، لا توصيفًا قانونيًا بديلًا من مصطلح الإبادة الجماعية. ومن حق البعض الاعتراض على التعبير، لكن الخلاف حول الاسم لا ينبغي أن يحجب مصير الإنسان الذي يُقتل أو يُجوّع أو يُقتلع من بيته.

وتقف ألمانيا أمام هذا الامتحان بصورة خاصة. فمسؤوليتها التاريخية عن جرائم النازية تجعل مواجهة معاداة السامية وحماية اليهود واجبًا أخلاقيًا راسخًا، لكنها ينبغي أن تجعلها أيضًا شديدة الحساسية تجاه تعريض أي شعب للدمار. وقد انتقدت منظمة العفو الدولية في 2025 استئناف صادرات أسلحة ألمانية كانت خاضعة لقيود، محذّرةً من مخاطر التواطؤ في الجرائم الدولية. لا يُصلح الماضيَ إنتاجُ ضحية جديدة، ولا تكتمل المسؤولية التاريخية إذا أصبحت حماية الإنسان انتقائية.

أما الأمم المتحدة، فتجسّد بدورها تناقض النظام الدولي. فداخلها مؤسسات توثّق وتحذّر وتغيث، لكن قدرتها على الحماية تصطدم بموازين القوة. وفي 18 أيلول (سبتمبر) 2025 استخدمت الولايات المتحدة حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، فيما أيده الأعضاء الأربعة عشر الآخرون. وهنا يبرز السؤال عن نظام يستطيع تسجيل المأساة بالتفصيل، بينما تتعطّل إحدى أهم أدواته السياسية لمحاولة وقفها.

وينطبق السؤال أيضًا على العالم العربي والإسلامي والمجتمع الدولي الأوسع. توجد مساعدات ووساطات واحتجاجات ومواقف سياسية، لكن المعيار الحقيقي ليس عدد البيانات، بل ما إذا كانت الاستجابة قادرة على توفير حماية تتناسب مع حجم الخطر.

فالصمت ليس دائمًا غياب الكلام. قد يكون بيانًا يتكرّر من دون أثر، أو تردُّدًا في استخدام أدوات الضغط الديبلوماسي والاقتصادي، أو استمرارًا للمصالح والعلاقات المعتادة فيما تتحوّل المأساة إلى جُزء من المشهد اليومي. ولا يكفي أن نقدم للفلسطيني ما يساعده على البقاء اليوم، ثم نعجز عن الدفاع عن حقه في ألّا تتكرّر مأساته غدًا.

وتزداد الخطورة عندما تُمنح السياسة حصانة دينية. فاليهودية لا تختزل في حكومة إسرائيل، والمسيحية لا تختزل في تيارات الصهيونية المسيحية التي تربط إسرائيل بتفسيرات نبوئية. لكلِّ إنسان حرية الاعتقاد، لكن الاعتقاد لا يمنح صاحبه حق إلغاء حياة الآخرين. فما قيمة الحديث عن خلاص المستقبل إذا كان يمرُّ فوق أجساد أطفال الحاضر؟

كما لا يمكن تجاهل المصالح المادية والاستراتيجية. لا يجوز اختزال السياسة في المال أو تجارة السلاح، لكن يجب مساءلة قرارات التسليح والتمويل والغطاء السياسي، وتحديد مسؤولية أصحاب القرارات والأفعال بدل توزيع الذنب على الشعوب والهويات.

وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد العالم المشهد. أن تصبح فلسطين خبرًا طويلًا، وأن يتحوّل إرهاق المتلقي إلى مبرر لتراجع الاهتمام. لكن الطفل الذي يموت اليوم لم يمت من قبل، والأم التي تفقد أسرتها لا تعيش خبرًا مكررًا؛ إنها تفقد عالمها للمرة الأولى.

ولهذا يجب أن يبقى المعيار واحدًا. رفض قتل المدنيين وأخذ الرهائن، أيًا كان مرتكبهما، يوجب أيضًا رفض التجويع والعقاب الجماعي والتهجير واستهداف المدنيين. فالمبدأ لا تكون له قيمة إذا تغير بتغير هوية الضحية أو الجاني.

الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يشبهنا كي يستحق الحياة.

ولهذا يبقى “الهولوكوست الجديد” بالنسبة إليّ سؤالًا موجَّهًا إلى الضمير العالمي، لا محاولة لمصادرة ذاكرة ضحايا الماضي: ماذا تعلّمنا من المأساة السابقة إذا لم تجعلنا معرفتنا بها أكثر استعدادًا لحماية ضحايا الحاضر؟

الوفاء لضحايا الهولوكوست يقتضي حماية المعنى الإنساني لذاكرتهم، لا حصره في هوية واحدة.

قلتم: لن يتكرر بحق أحد. فهل الفلسطيني أحد؟

Exit mobile version