الحوثيون يُنعِشونَ أَذرُعَ إيران

محمّد قوّاص*

يُنعِشُ حراك جماعة الحوثي في اليمن آمال إيران في استعادة زخم فصائلها الموالية في المنطقة. ففيما تضع الحكومة العراقية تاريخ الأول من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل موعدًا للبدء في عملية معقّدة متدرّجة لحصر السلاح بيد الدولة وتسلّم أسلحة الفصائل التي وافقت على مبدأ الأمر، وفيما ما زالت الحكومة اللبنانية تعيد وتكرّر وتؤكّد أنها تعمل على حصرية السلاح بيد الدولة وتأثيم سلاح “حزب الله” بصفته شذوذًا عن القاعدة، فإنَّ إعادة انتفاخ الحالة الحوثية في اليمن من شأنها الإيحاء بأنَّ المسار الدولاتي في بغداد وبيروت ليس راسخًا بعد.

يزيد من ذلك الانتعاش ما تصدره واشنطن من رسائل، على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالذات، في التعامل مع ما تعتبره المنطقة ميليشيات ما دون الدولة وتعتبره قوانين الولايات المتحدة جماعات إرهابية مثبتة على اللوائح الأميركية. يكفي تعبير سيد البيت الأبيض عن استعداده للحوار مع “حزب الله” (وإن اصطنع أن يجري من خلال الدولة اللبنانية)، كما إعلانه التواصل مع جماعة الحوثي والإصغاء إلى ما تطلبه والإيمان بما تَعِدُ به من أمان في مضيق باب المندب، لمنح “الجماعات” شرعية وجود وبقاء، وحتى منطق تواصل وتحاور مع الدولة الأقوى في العالم.

قد لا يعدو أمر الظاهرة الحوثية وما توحي به من انقلاب في هيكل القيم داخل المنظومة الدولية إلّا تعبيرًا عن عطب داخل المنظومة وواجهة للصراع بين أقطابها. فما يصدر عن دول كبرى مثل روسيا والصين من مواقف ضبابية تتأمل من خلالها مسار موازين القوى، فلا تخرج منها أي إدانات حازمة قد يُشتم منها نيل من موارد الشريك الإيراني البشرية في المنطقة. لكن ما يصدر عن العواصم الغربية وفي مقدمها واشنطن يوحي بغياب الجزم في منع إعادة تأهيل الدويلات، بل واعتبارها بشكل موارب أمرًا واقعًا داخل هذا الشرق الأوسط وأصلًا بُنيويًا من أبجديات بنيانه.

تضيف الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة وما تفرضه على ترامب وإدارته من مواقف انتخابية أبعادًا إضافية تنهل إيران منها أعراض تساهل وتعايش مع الورم الحوثي. صحيح أنَّ ما بعد تلك الانتخابات قد يبدّل الخطاب واللهجة والمفردات والعناوين في واشنطن، لكن لغة الأمر الواقع التي تستخدمها إيران في مضيق هرمز تتمدّد لرسم الأمر الواقع نفسه في مضيق باب المندب. ولئن يُطمئن ترامب إيران وحوثييها بغياب أي تدخل عسكري في اليمن طالما أنَّ الحوثيين لا يتعرّضون إلّا لسفن الدول التي لا ترضى الجماعة عنها، فإنَّ طهران تعوّل على تمدّد يطالها تعترف فيه واشنطن بما حظي به حوثيوها من اعتراف لهم بالحق في حجب المضيق وفتحه وفق ذائقة طهران ومزاجها.

تواصلَ الحوثيون مع واشنطن. تلقت الولايات المتحدة الاتصال فاستمعت وأصغت وتحدثت، على ما يُعلمنا به نائب الرئيس جي دي فانس. يقول الرجل: “نشعر بالقلق إزاء استيلاء الحوثيين على جزيرة بريم في البحر الأحمر ونتابع الوضع من كثب”. ليعود ويطمئن أميركا أنَّ واشنطن أجرت محادثات مباشرة مع جماعة الحوثي. وبناء عليه قرر ترامب عدم التحرّك لمنع إيران من الإطباق على مضيق ثان بعد إطباقها على المضيق الأول.

تواصل الحوثيون مع القاهرة، فرفضت مصر ما طلبته الجماعة من تنسيق من شأنه تسهيل الملاحة وتخفيف الاختناق عن قناة السويس. رفضت القاهرة الأمر لما يمثله من اعتراف بميليشيات ترفض مصر الاعتراف بها والتعامل معها أينما وجدت.

بالمقابل، فإنَّ واشنطن التي استسهلت دعم “ربيع” المنطقة أيام الديموقراطيين تستسهل هذه الأيام هضم التعامل مع الأورام الميليشياوية التي ترفضها عواصم المنطقة كما رفضت ذلك “الربيع”. الأمر يوحي بثوابت تعتبرها واشنطن من عدّة الشغل التي يجوز اللعب معها والتلاعب بها تحت سقف الصفقات والواقعية المقيتة.

Exit mobile version