في ذكرى “جمول”… أيُّ خياراتٍ لاستِعادةِ الجنوب؟

ابراهيم حيدر*

خسر “حزب الله” منشأة علي الطاهر، وفجّرت إسرائيل أنفاقها، بعدما أمضى نحو عقدين في بنائها ضمن استراتيجيته لمواجهة الاحتلال. غير أنَّ ما تكشفه الضربات الأخيرة يتجاوز خسارة منشآت ومواقع بعينها. فمنذ حرب تموز (يوليو) 2006، بات جزء كبير من البنية العسكرية للحزب مكشوفًا أمام إسرائيل، في وقتٍ كان يتحوّل فيه تدريجيًا، منذ تحرير الجنوب عام 2000، من مقاومةٍ إسلامية إلى قوة عسكرية أكثر انتظامًا، مرتبطة بصورة وثيقة بمرجعيتها الإيرانية، ومُحاطة بشبكة من المؤسسات المالية والاجتماعية والتربوية التي تشبه، في بعض وظائفها، مؤسسات الدولة.

انكشاف بنية “حزب الله” العسكرية كان واضحًا في تدخّلاته الإقليمية، خصوصًا في سوريا عام 2012، نصرةً لنظام الأسد، عبر تشكيلات عسكرية ساهمت في القتال ضد المعارضة السورية، ولا سيما الجهادية منها.

منذ ذلك الوقت، لم يعد توصيف المقاومة يُطلق على “حزب الله”، بل بات قوة نظامية داخل الدولة وطرفًا أهليًا مسلحًا خرج من ساحته جنوبًا إلى دورٍ إقليمي، ليبرّر سلاحه تحت عنوان توازن الردع، ويعتمد على قوة صاروخية لم تظهر فاعليتها في الحرب الأخيرة.

وكان الاحتلال، قبل إسنادَي 2024 و2026، مقتصرًا على مزارع شبعا المُختَلَف عليها لبنانيًا وسوريًا، ولدى الأمم المتحدة. فإذا بالحزب اليوم، وهو يعلن أنه لا يتمسّك بالجغرافيا في مواجهة إسرائيل، يخسر مقاتليه المكشوفين في الميدان، فيما احتلت إسرائيل القرى والمدن من بنت جبيل إلى الخيام، وأخيرًا علي الطاهر على مشارف النبطية، وحوّلت القرى إلى مناطق غير قابلة للحياة. وإن كان الحزب لا يزال يحتفظ ببُنيةٍ عسكرية ومواقع، فإنَّ نمط قتاله لم يعد يشبه نمط المقاومة التي كانت غير مكشوفة قبل العام 2000.

ومناسبة هذا الكلام أنه قبل 44 عامًا، وتحديدًا في 16 أيلول (سبتمبر) 1982، أُطلقت المقاومة الوطنية اللبنانية “جمول”، وأجبرت الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من بيروت من دون شروط، قبل أن تمتدَّ عملياتها إلى مختلف المناطق اللبنانية المحتلة، ولا سيما في الجنوب.

تحوّلت نسخة “حزب الله” إلى أداة إقليمية، ساهمت في تصفية النسخة اللبنانية الأولى التي لم تكن تملك صواريخ ولا منشآت، وعملت قوى إقليمية على إنهاء استقلاليتها وفاعليتها، رُغم أنها أجبرت الاحتلال على الانسحاب من مناطق واسعة، بينها صيدا والنبطية عام 1985.

يطرح السؤال اليوم عن كيفية إخراج الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، وإن كانت الدولة وقّعت على اتفاق الإطار وتجري مفاوضات لم تثمر تحقيقًا للانسحاب، فيما “حزب الله” يصرّ على سلاحه الذي أُخرج أصلًا من مقاومة إسرائيل، ولا يترك للبنانيين ولا للدولة ابتكار الأساليب المناسبة لاستعادة الأرض حتى ولو طال الزمن. على أنَّ إطلاق أي مقاومة يحتاج إلى تبرير الجدوى، وقد تكون غير ممكنة في ظل استمرار “حزب الله” في تقديم الذرائع لإسرائيل، بينما يمكن دعم الدولة والجيش للإمساك بالوضع الجنوبي وهو الخيار الوحيد المتاح في ظل الاختلال في الموازين والتغيّرات التي تشهدها المنطقة.

كانت لبنانية المقاومة هي الرد على كل التشكيك في القدرة على إخراج الاحتلال، إلى أن انحسر دورها لمصلحة “حزب الله” كطرف وحيد بدعم إقليمي “سوري وإيراني”. ففي النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي بدأت سلطة الوصاية السورية بضرب العصب اللبناني للمقاومة وإنهاء دورها الاستقلالي.
عجز لبنان عن استثمار زوال الاحتلال طريقًا لتوحيد البلد وبناء الدولة، بعد التحرير عام 2000، فيما بقي التساؤل عن وظيفة سلاح “حزب الله” بعد خروج الاحتلال، حيت استخدم بعضه في الداخل قبل أن يصير الحزب جيشًا بفائض قوة، فقد الكثير من رصيده اللبناني وساحته ومنزله.
لن تكون أي مقاومة مُجدية ضمن مشاريع إقليمية، وبقرار خارجي، لذا لا بد من نقاش بين اللبنانيين حول الخيارات والأساليب المجدية لإخراج الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الاعتبار اليوم لسلاح الدولة، وهذه وظيفة اللبنانيين قبل أن تأخذنا المغامرات إلى مزيد من الكوارث والنكبات.

Exit mobile version