لوبان في الإِليزيه و”البديل” في برلين؟

محمّد قوّاص*

بعد “إنجاز” ألمانيا بات من المنطق تسليط الضوء على استحقاقٍ تاريخي واحد يجمعها بفرنسا. تضع استطلاعات الرأي في باريس مرشّحة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرّف مارين لوبان في صدارة الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويحقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” الشعبوي فوزًا تاريخيًا في ولاية سكسونيا-أنهالت يقرّبه من حكم ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

بات السؤال في فرنسا مَن هو منافس لوبان في الدورة الثانية في انتخابات العام المقبل. يحصد حزب التجمع الوطني نحو 35 في المئة في الدورة الأولى، فيما يتشتت الوسط واليسار من دواخلهما على نحو يسهّل للوبان مسعاها الدؤوب.

يُضعف التشتت “الجبهة الجمهورية” التي لطالما أوقفت سابقًا مؤسس الحزب جان ماري لوبان ثم ابنته مارين لوبان. تنظر الأخيرة إلى تلك الانقسامات بحبور يشبه التشفّي من احتمال غياب جدار كان يقف دون دخولها ووالدها لقصر الإليزيه.

تكشف الاستطلاعات مفارقة إضافية. فقد يتأهّل اليساري الراديكالي جان لوك ميلنشون، لكنه يخسر أمام مارين لوبان بفارقٍ ساحق. تفضّل قطاعات واسعة الامتناع أو حتى التصويت لمنافسته على مرشح تعتبره راديكاليًا مقلقًا.

لم تُسقط الإدانة القضائية ترشح مارين لوبان حتى الآن. يبقى رئيس حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا بديلًا جاهزًا، حتى أنَّ بعض الاستطلاعات يضعه في موقعٍ أفضل من “الزعيمة”. فهو أصغر سنًّا، وأقل ارتباطًا بملف الفساد الذي يُدين لوبان، وأقدر على مخاطبة شرائح شبابية لم تعرف إشكالية عائلة لوبان في العقود الماضية.

في ألمانيا يكاد يقتحم حزب “البديل” المشهد من دون مفاجآت. حلّ ثانيًا في انتخابات شباط (فبراير) 2025 بنسبة 20.8 في المئة، فشكّل المستشار ورئيس الاتحاد الديموقراطي المسيحي فريدريش ميرتس ائتلافًا كبيرًا مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي. قبل أيام حصد الحزب نحو 44 في المئة مقابل 17 في المئة للاتحاد، فنال 39 مقعدًا من 83، ولم يحتج إلّا إلى ثلاثة مقاعد فقط ليحصل على أغلبية مطلقة يحكم بها من دون الحاجة إلى تحالفات “دخيلة”.

جرى ذلك بعيدًا من برلين، لكن الرسالة التي أعلنها الرئيسان المشاركان للحزب، أليس فايدل وتينو خروبالا، واضحة المعاني: النصر المحقّق في الولاية “خطوة نحو السلطة الاتحادية في برلين”. وفيما جدار الصد قائمًا لدى الاتحاد والاشتراكيين والخضر واليسار، ويعقّد التصنيف المتطرّف لفروع الحزب أي شراكة، فإنَّ اختبار انتخابات 20 أيلول (سبتمبر) في مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين سيكشف ما إذا كانت آمال “البديل” في أن يكون بديلًا لكل ألمانيا قريبة التحقق.

تُحسم الرئاسة الفرنسية في دورة ثانية قد تعيد ترتيب الصفوف على نحو مغاير لاستطلاعات هذه الأيام. وقد لا يحصل ذلك هذه المرة. كما أنَّ البرلمان الألماني يفرض عتبة وتحالفات وأغلبية لا يصنعها الاستطلاع وحده.

وفيما تقدم فرنسا وألمانيا واجهات حاضنة لليمين الشعبوي، غير أنَّ التجارب الأوروبية متناقضة الرسائل على نحوٍ مشجع أو رادع له.

قدّمت رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني نسخة مفاجئة. تراجعت شعاراتها الشعبوية الانتخابية أمام واقع الحكم ووقائعه. لكن من شأن ذلك أن يحمل ماء إلى يمين متطرّف يرى في أداء ميلوني ما يطمئن الناخب المتردّد.

قد يُسجل لميلوني نجاحًا فيما سجل رئيس وزراء المجر السابق الشعبوي فيكتور أوربان فشلًا وصدمة ليمين أوروبا المتطرف.

في نيسان (أبريل) الماضي أسقطه زعيم حزب “تيسا” المحافظ بيتر ماغيار بعد 16 عامًا في الحكم. بالمقابل، يذكّر رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز بأنَّ يسارًا يحقق نموًّا يمكن أن يصمد إذا لم ينقسم خصومه كما ينقسم يسار فرنسا.

يرتفع احتمال وصول مارين لوبان إلى الإليزيه. يصبح احتمال قيادة حزب “البديل” حكومة ولاية ألمانية واقعيًا للمرة الأولى. أما احتمال سيطرته الكاملة على برلين فيبقى أبعد، لأنه يصطدم بتحالفات ترفضه وبذاكرة ما زالت تمقت أصوله.

وفيما تستفيد تلك القفزة للمفارقة من دعم الترامبية والبوتينية، فإنَّ للصناديق أمزجة قد تحمل المفاجآت المعاندة لاستطلاعات اليوم في فرنسا. لكن الحدث في شقّيه، الفرنسي والألماني، يبقى محاصرا بـ”دول عميقة”، ما زالت من داخل الديموقراطيات تحصّن المتاح وتنهى عن الممنوع.

Exit mobile version