الدكتور ناصيف حتي*
في نهاية آب (أغسطس)، استضافت بلغراد مؤتمرًا لحركة عدم الانحياز لمناسبة مرور 65 عامًا على انعقاد مؤتمرها الأول، بمشاركة الدول التي توصف تاريخيًا بـ”الدول الأساسية” في الحركة، إلى جانب الترويكا الحالية المؤلفة من أذربيجان وأوغندا وأوزبكستان. وكان الهدف من اللقاء التفكير المشترك في سُبُل تعزيز مبادئ الحركة وتفعيلها، وترجمتها سياسيًا وعمليًا بما يتلاءم مع عالمٍ يشهد ولادة نظام دولي جديد لم تتضح بعد سماته الرئيسية، ولم تستقر القواعد التي ستنظم علاقات التعاون والصراع داخله.
ومن هنا، لم يكن النقاش متعلقًا باستعادة تاريخ حركة عدم الانحياز بقدر ما انصبَّ على حاضرها ومستقبلها: ما الوزن الذي تستطيع أن تحمله اليوم، وما الدور الذي يمكن أن تؤديه، وكيف تتموضع عمليًا في مواجهة التحديات القائمة وتلك التي تلوح في الأفق؟ وهو سؤالٌ يزداد إلحاحًا في ظلِّ تباين النظرة إلى الحركة نفسها. فهناك مَن يرى أنها تنتمي إلى مرحلة دولية انقضت، وأنَّ قدرتها على التأثير الفاعل في عالم اليوم باتت محدودة. وفي المقابل، يرى آخرون أنَّ الحفاظ على دورٍ لها يقتضي تفكيرًا جماعيًا وعمليًا في إعادة تحديد أولوياتها بما يستجيب للتحوُّلات والتحديات الجديدة. وبين الرؤيتين، يبقى السؤال عن مستقبل حركة عدم الانحياز ودورها مفتوحًا.
وفي موازاة هذا النقاش حول مستقبل حركة عدم الانحياز، تطرح منظمات دولية وإقليمية أخرى أسئلة مشابهة بشأن أدوارها وقدرتها على التأثير في نظام عالمي يتجه نحو مزيد من التعددية. فقد عقدت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها الأخيرة مطلع هذا الشهر في قرغيزستان، وكان في صلب النقاش كيفية تعزيز دور المنظمة ووزنها في نظام دولي متعدد الأقطاب لا يزال في طور التشكّل، في ما يمكن وصفه بعالم “ما بعد ما بعد الحرب الباردة”، أو المرحلة التي أعقبت انتهاء “لحظة الأحادية الأميركية”.
ولا تقتصر هذه الأسئلة على المنظمات التي تسعى إلى تعزيز موقعها في النظام الدولي الجديد. فالأمم المتحدة نفسها تواجه، إلى جانب تحديات أخرى أفرزتها التحوّلات الدولية، سؤالًا أساسيًا يتعلق بدور مجلس الأمن الدولي وضرورة توسيعه ليصبح أكثر تمثيلًا لعالم اليوم، وبالتالي أكثر قدرة على الاضطلاع بمسؤولياته في مواجهة تحديات متزايدة ومتنوعة. وهي قضية لا تزال مطروحة في مسارات متعددة من الحوار، على المستويين الدولي والإقليمي.
وفي السياق نفسه، يبرز تحدٍّ لا يقل أهمية يتعلق بفعالية المنظمات الإقليمية، ومدى قدرتها على خدمة الأهداف المشتركة التي قامت من أجلها، سواء نصّت عليها مواثيقها أو أكّدتها قراراتها. فالفجوة اتسعت بين إعلان الأهداف المشتركة من جهة، والقدرة الفعلية على تحقيقها من جهة أخرى، نتيجة تزايد الاختلافات بين الدول الأعضاء في سياساتها وأولوياتها ومصالحها العملية.
وباتت هذه الفجوة سمة تكاد تطبع معظم المنظمات الإقليمية التقليدية، وتظهر بصورة خاصة في ضعف السياسات المشتركة أو غيابها على أرض الواقع، مع أنَّ هذه السياسات يفترض أن تكون الأداة الرئيسية لخدمة الأهداف التي قامت عليها تلك المنظمات.
ويمكن رصد هذه الظاهرة في أقاليم مختلفة من العالم. ولعلَّ الاتحاد الأوروبي يقدم المثال الأكثر دلالة، نظرًا إلى أنه ظل لفترة طويلة يُنظر إليه باعتباره النموذج الأنجح والأكثر فعالية في تحويل الأهداف المشتركة إلى سياسات ومؤسسات قادرة على خدمتها، قبل أن يواجه بدوره تحديات متزايدة في الحفاظ على هذا المستوى من الفعالية.
وبدرجات متفاوتة، يظهر التحدي نفسه لدى منظمات إقليمية أخرى حين يتعلق الأمر بقدرتها العملية على خدمة أهدافها المشتركة، وإن اختلف حجم المشكلة وطبيعتها من منظمة إلى أخرى، ومن قضية إلى أخرى. ويمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، من الاتحاد الأفريقي إلى جامعة الدول العربية ومنظمة الدول الأميركية. وفي جميع هذه الحالات، يعود السؤال نفسه بصيغ مختلفة: إلى أي حد تستطيع المنظمة تحويل ما يجمع أعضاءها نظريًا إلى سياسات مشتركة وفاعلة في الممارسة؟
في الخلاصة، تبدو الحاجة إلى التعاون الدولي والإقليمي اليوم أكبر من أيِّ وقتٍ مضى، باعتباره وسيلة لخدمة المصالح المشتركة للدول الأعضاء. لكن هذه الحاجة تترافق، في المقابل، مع اتساع الفجوة بين الأهداف التي تعلنها المنظمات وتكرر التأكيد عليها، وبين قدرتها على ترجمة تلك الأهداف إلى سياسات عملية وفاعلة.
ومن هنا، أخذ التعاون الفعلي يتجه بصورة متزايدة نحو ما يمكن وصفه بالتعاون “بالقطعة”: أي التوافق على قضايا محددة تتوافر حولها مصالح مشتركة وإرادة سياسية تسمح بتحويل هذا التوافق إلى خطوات عملية، بدل افتراض إمكان التوصل إلى سياسة موحدة وشاملة في مختلف الملفات.
ولعل هذه إحدى سمات “القرية الكونية”، كما يصفها البعض، أو “المدينة الكونية” كما قد يكون أدق في التعبير عن عالم تتعدد داخله التمايزات وتزداد وضوحًا. ففي هذا العالم، لم يعد التعاون الفعلي والعملي بالضرورة مرادفًا للعمل بالصيغة نفسها أو بالسرعة نفسها بين جميع الدول الأعضاء في منظمة واحدة.
لذلك، قد تكون الحاجة اليوم إلى مقاربات أكثر مرونة، تقوم على بلورة صيغ وأشكال وسرعات مختلفة للتعاون بين الدول، وفق ما يجمع مصالحها أو يميز بعضها عن بعض، من دون أن يعني اختلاف المصالح بالضرورة تصادمها.
وهنا يكمن أحد الدروس، وأحد التحديات في الوقت نفسه: كيف يمكن الانتقال من التمسك بصيغة واحدة للتعاون إلى بناء أشكال متعددة وقابلة للتطبيق منه، بما يحافظ على المصالح المشتركة ويحوّلها إلى سياسات فعلية؟ إنه تحدّ يتعيّن التعامل معه إذا كان المطلوب الحفاظ على التعاون الدولي وتعزيز فعاليته، أيًا يكن حجمه أو الدور الذي يؤديه في عالم اليوم.
- الدكتور ناصيف يوسف حتّي هو أكاديمي، مُحلِّل سياسي، ديبلوماسي متقاعد، ووزير خارجية لبنان الأسبق. كان سابقًا المُتَحدِّث الرسمي باسم جامعة الدول العربية ولاحقًا رئيس بعثتها في فرنسا والفاتيكان وإيطاليا، والمندوب المراقب الدائم لها لدى منظمة اليونسكو.
