البحرين أمام اختبار ما بَعدَ الصدمة: اقتصادٌ يتنوَّع وماليّةٌ عامة تبحث عن هامش أمان

دخلت البحرين صدمة 2026 باقتصادٍ أكثر تنوُّعًا مما كان عليه في أيِّ وقت مضى، لكن بمالية عامة هي الأكثر هشاشة بين دول الخليج. وبين صمود القطاعات غير النفطية وثقل الدين، تواجه المملكة اليوم اختبارًا يتجاوز استعادة النمو إلى بناء هامش أمان مالي أكثر استدامة.

الملك حمد بن عيسى آل خليفة: البحرين أمام تحدّي حماية مسار التنويع وتعزيز الاستدامة المالية في مرحلة ما بعد الحرب.

المنامة – سمير خيرالله*

وضعت حرب 2026 مملكة البحرين أمام واحد من أصعب اختباراتها الاقتصادية في سنوات، بعدما طالت تداعياتها النفط والتكرير والتجارة والنقل والسياحة ودفعت الاقتصاد إلى الانكماش. لكن الصدمة كشفت أيضًا مفارقة لافتة: اقتصادٌ غير نفطي أظهر قدرةً على الصمود، في مقابل مالية عامة مُثقَلة بالدين دخلت الأزمة بهامش محدود للمناورة.

هذه المفارقة قد تكون المفتاح لفهم المرحلة المقبلة في البحرين.

قبل صدمة 2026، كان الاقتصاد يسير في اتجاهٍ إيجابي نسبيًا. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.5 في المئة في عام 2025، بعدما سجل 2.6 في المئة في 2024. والأهم أنَّ القطاع غير النفطي أصبح المحرّك الأساسي للنشاط، إذ نما بنسبة 7.4 في المئة على أساس سنوي في الربع الأخير من 2025. كما باتت الأنشطة المالية والتأمينية أكبر قطاع غير نفطي مساهمة في الناتج الحقيقي بنسبة 17.6 في المئة، مُتقدّمة على الصناعة التحويلية التي بلغت مساهمتها 15.1 في المئة.

لكن بداية 2026 قلبت الصورة بسرعة.

أظهرت بيانات الربع الأول انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 3.8 في المئة على أساس سنوي، مقابل نمو بلغ 4.6 في المئة في الربع الأخير من 2025. وجاء الانكماش بصورة أساسية من هبوط الأنشطة النفطية بنحو 37.2 في المئة، نتيجة القيود على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى جانب أعمال الصيانة المقررة في المنشآت النفطية.

المثير للاهتمام، مع ذلك، هو ما لم ينكمش.

فالأنشطة غير النفطية واصلت النمو بنسبة 2.2 في المئة، وأصبحت تمثل نحو 90.1 في المئة من الناتج الحقيقي، فيما سجلت تسعة من أصل 13 نشاطًا غير نفطي نموًّا إيجابيًا. واستمر القطاع المالي والتأميني في لعب دور المحرك، مع نمو بلغ نحو 8.6 في المئة ومساهمة قاربت خُمس الناتج المحلي الحقيقي.

وهنا تظهر نتيجة مهمة لسياسة التنويع التي اتبعتها البحرين على مدى عقود. فقد نجحت المملكة بالفعل في بناء اقتصاد لم يعد النفط يمثل معظم نشاطه الإنتاجي. لكن حرب 2026 كشفت في الوقت نفسه أنَّ تقليص حصة النفط في الناتج لا يعني بالضرورة تقليص أهميته بالنسبة إلى الدولة وماليتها العامة.

وهذا هو الفارق بين تنويع الاقتصاد وتنويع الإيرادات الحكومية.

فقطاع النفط قد يمثل اليوم حصة محدودة نسبيًا من الناتج، لكن عائداته تبقى شديدة الأهمية للموازنة. ولذلك تستطيع صدمة كبيرة في الإنتاج أو التكرير أو التصدير أن تترك أثرًا ماليًا أكبر بكثير من الوزن المباشر للقطاع النفطي في الاقتصاد.

وقد ظهر هذا التناقض بوضوح عندما تعرضت منشآت الطاقة البحرينية للاضطراب خلال الحرب. فالملف الاقتصادي المتاح يشير إلى أنَّ الضربات التي أصابت مجمع “بابكو” في سترة، إلى جانب القيود على الملاحة في هرمز، ضغطت على أحد أهم مصادر الدخل الحكومي، بينما طالت تداعيات الحرب أيضًا صناعة الألمنيوم والنقل الجوي والسياحة. وبذلك لم تواجه البحرين صدمة نفطية فقط، بل صدمة أصابت في الوقت نفسه قطاعات من الاقتصاد الجديد الذي بنت عليه استراتيجية التنويع.

الدين هو نقطة الاختبار

لو تعرّضت دولة خليجية ذات أصول مالية سيادية ضخمة ودين منخفض نسبيًا للصدمة نفسها، لكان بإمكانها استخدام ميزانيتها العمومية لتمويل التعافي من دون أن يتحوّل الإنفاق الإضافي سريعًا إلى سؤال حول الجدارة الائتمانية. البحرين لا تملك الترف نفسه.

فحتى قبل الحرب، كان صندوق النقد الدولي قد حذر من استمرار الاختلالات المالية. وفي تقييمه الصادر في كانون الثاني (يناير) 2026، قدّر الصندوق عجز المالية العامة بنحو 11.5 في المئة من الناتج في 2025، بعد 11 في المئة في 2024، ووضع الدين الحكومي الإجمالي عند نحو 145 في المئة من الناتج في 2025 وفق منهجيته، مع توقع ارتفاعه إلى نحو 150 في المئة في 2026 إذا استمرَّ المسار المالي المفترض آنذاك.

الأرقام تختلف بحسب منهجية احتساب الدين والجهة التي تصدر التقديرات، لكنها تتفق على النتيجة الأساسية: البحرين تحمل عبئًا ماليًا أكبر بكثير من بقية دول مجلس التعاون.

وهذا الفارق أصبح ظاهرًا في الأسواق.

فبحسب البيانات التي حصلت عليها “أسواق العرب”، كانت عقود مبادلة مخاطر الائتمان السيادي للبحرين لخمس سنوات تتداول أخيرًا حول 284 نقطة أساس، بارتفاع يتجاوز 100 نقطة أساس منذ بداية العام، مقارنة بنحو 76 نقطة أساس لسلطنة عُمان، صاحبة ثاني أعلى مستوى خليجي. والبحرين هي الدولة الخليجية الوحيدة التي يبقى دينها السيادي دون الدرجة الاستثمارية.

وكانت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني قد خفّضت بالفعل تصنيف البحرين السيادي إلى درجة “B” في شباط (فبراير) 2026. ومع ارتفاع الدين وتكاليف خدمته، تصبح المسألة أكثر من مجرّد حجم الدين نفسه. السؤال هو مقدار الإيرادات التي ستستهلكها الفوائد، ومدى سهولة إعادة تمويل الاستحقاقات، وما إذا كان المستثمرون سيطالبون بعلاوة مخاطر أكبر في بيئة إقليمية أكثر تقلّبًا.

وهنا تكمن الحلقة الحساسة: ارتفاع المخاطر يرفع تكلفة الاقتراض، وارتفاع تكلفة الاقتراض يزيد أعباء الموازنة، وهذه الأعباء بدورها تقلّص قدرة الحكومة على استخدام الإنفاق لمواجهة التباطؤ.

البحرين ليست اقتصادًا بلا دفاعات

التركيز على الدين وحده يعطي، مع ذلك، صورة ناقصة.

فالبحرين تمتلك واحدة من أكثر القواعد الاقتصادية تنوّعًا في الخليج قياسًا إلى حجمها ومواردها الطبيعية. القطاع المالي ليس نشاطًا هامشيًا، بل أصبح أكبر مساهم منفرد في الناتج الحقيقي. كما إنَّ المملكة بنت خلال عقود قاعدة صناعية مهمة في الألمنيوم والتكرير، إلى جانب الخدمات اللوجستية والسياحة والاتصالات والتكنولوجيا المالية.

وتشير أحدث البيانات إلى أنَّ الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل ارتفع بنحو 2.6 في المئة على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، ليصل رصيد الاستثمار المباشر إلى نحو 17.6 مليار دينار بحريني، أي ما يقارب 46 مليار دولار. استمرار ارتفاع الرصيد الاستثماري وسط صدمة أمنية بهذا الحجم يحمل دلالة مهمة: المستثمرون لم يعاملوا البحرين حتى الآن باعتبارها اقتصادًا فقد مقوّماته الأساسية.

كذلك تكشف التجارة غير النفطية صورة أكثر تعقيدًا من الانكماش العام. فقد بلغت الصادرات السلعية غير النفطية وطنية المنشأ 912 مليون دينار في الربع الأول، بانخفاض 10 في المئة عن الفترة نفسها من 2025، في حين تراجعت الواردات 17 في المئة. وانخفض عجز الميزان التجاري غير النفطي من 307 ملايين دينار إلى 195 مليونًا.

لكن بيانات نيسان (أبريل) حملت إشارة أكثر حذرًا، إذ انخفضت الصادرات غير النفطية وطنية المنشأ بنسبة 22 في المئة على أساسٍ سنوي، بينما هبطت الواردات بنحو 50 في المئة. والانخفاض الكبير في الواردات ليس بالضرورة خبرًا إيجابيًا؛ ففي اقتصاد صغير ومفتوح، يمكن أن يعكس ضعف الطلب واضطراب سلاسل الإمداد بقدر ما يعكس تحسّنًا في الميزان التجاري.

وهذا يجعل الأشهر المقبلة أكثر أهمية من أرقام ربع واحد. فإذا عادت حركة التجارة والسياحة والطيران والتكرير تدريجيًا إلى طبيعتها، قد يظهر أنَّ جُزءًا كبيرًا من انكماش الربع الأول كان صدمة مؤقتة. أما إذا استمرّت القيود على النشاط أو بقيت تكاليف التمويل مرتفعة، فستتحول الصدمة الخارجية إلى ضغط داخلي أكثر استدامة.

الجار الخليجي جزء من المعادلة المالية

هناك عاملٌ آخر لا يمكن قراءة الاقتصاد البحريني من دونه: مجلس التعاون الخليجي، وخصوصًا السعودية والإمارات.

البحرين ليست اقتصادًا منفصلًا عن محيطها الخليجي. السعودية هي سوق أساسية للصادرات البحرينية، كما إنَّ الاستثمارات السعودية المتراكمة في المملكة تجاوزت عشرة مليارات دولار بنهاية 2024، وفق مجلس التنمية الاقتصادية البحريني. والجسر الذي يربط البلدين ليس مجرّد بُنية تحتية للنقل، بل شريان للسياحة والتجارة والخدمات والاستهلاك.

أما على المستوى المالي، فللدعم الخليجي تاريخ طويل في توفير شبكة أمان للبحرين. وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في حزمة الدعم البالغة عشرة مليارات دولار التي أعلنتها السعودية والإمارات والكويت في 2018.

لهذا السبب لا تقرأ الأسواق الدين البحريني بالطريقة نفسها التي قد تقرأ بها دين دولة ناشئة معزولة جغرافيًا وماليًا. فالبيانات تلفت إلى أنَّ مستويات عقود مبادلة مخاطر الائتمان، على ارتفاعها، لا تزال تعكس توقّعًا لدى المستثمرين بأنَّ السعودية والإمارات لن تسمحا بانزلاق البحرين إلى أزمة سيادية غير منظّمة إذا أصبحت المساعدة ضرورية.

لكن شبكة الأمان هذه ليست بديلًا من الإصلاح المالي.

فكلما ارتفع الدين أصبحت قدرة البحرين على مواجهة الصدمة التالية مرتبطة أكثر بكلفة التمويل وبثقة المستثمرين وباستعداد الشركاء الخليجيين للمساندة. ومن هنا يصبح خفض العجز تدريجيًا قضية سيادة اقتصادية بقدر ما هو هدف محاسبي.

من تنويع الاقتصاد إلى تنويع المالية العامة

ربما تكون هذه هي المرحلة الأصعب في التجربة الاقتصادية البحرينية.

المرحلة الأولى من التنويع حققت نجاحًا حقيقيًا. البحرين لم تعد اقتصادًا يقوم نشاطه الإنتاجي أساسًا على استخراج النفط. الخدمات المالية والتأمين والصناعة والعقارات والتكنولوجيا والسياحة والخدمات المهنية أصبحت تشكل قاعدة اقتصادية واسعة نسبيًا. وقد أثبت استمرار نمو الاقتصاد غير النفطي في الربع الأول من 2026 أنَّ هذه القاعدة قادرة على امتصاص جزء من الصدمات.

لكن المرحلة الثانية تتطلّب شيئًا مختلفًا: أن تتحوّل هذه القاعدة الاقتصادية المتنوعة إلى قاعدة مالية أكثر تنوّعًا أيضًا.

وهذا يعني زيادة الإيرادات غير النفطية من دون خنق النمو، وضبط الإنفاق من دون إضعاف الاستثمار، وتحسين كفاءة الدعم والتحويلات، وإدارة الدين بطريقةٍ تقلل مخاطر إعادة التمويل، وفي الوقت نفسه المحافظة على جاذبية المملكة لرأس المال والخدمات المالية والصناعة.

إنها معادلة دقيقة لأنَّ التشدد المالي المفرط بعد صدمة اقتصادية يمكن أن يفاقم التباطؤ، بينما يؤدي تأجيل الإصلاح إلى زيادة الدين والفوائد وتقليص هامش الحركة في الأزمة التالية.

لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي الذي ستواجهه البحرين بعد حرب 2026 هو مدى سرعة عودة الناتج إلى النمو. فمن الممكن أن يأتي الارتداد الاقتصادي سريعًا إذا عادت التجارة والطيران والتكرير والسياحة إلى طبيعتها.

السؤال الأصعب هو ما إذا كانت البحرين ستستخدم الأزمة لتقليص الفجوة بين اقتصادٍ أصبح أكثر تنوّعًا ومالية عامة ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على مورد متقلب وعلى الاقتراض.

لقد أثبت الاقتصاد غير النفطي البحريني خلال الصدمة أنه أكثر مرونة مما قد توحي به أرقام الناتج الإجمالية. لكن المرونة الاقتصادية وحدها لا تكفي إذا استمرَّ الدين في استهلاك مساحة القرار المالي.

وهنا تكمن المفارقة البحرينية في 2026: المملكة قطعت شوطًا كبيرًا في بناء اقتصاد ما بعد النفط، لكنها لا تزال بحاجة إلى بناء مالية عامة تناسب ذلك الاقتصاد.

نجاح البحرين في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بنسبة النمو التي تستعيدها بعد الحرب، بل بقدرتها على تحويل التنويع الاقتصادي الذي حققته بالفعل إلى هامش أمان مالي يسمح لها بمواجهة الصدمة المقبلة من موقعٍ أقوى.

Exit mobile version