الذهب يطرُق باب الـ5000 دولار… هل تتحوّل القمّة إلى سعرٍ جديد؟

عاد الذهب ليقترب من حاجز 5000 دولار، لكن الاختبار هذه المرة ليس في بلوغه، بل في القدرة على البقاء فوقه. وبين الفائدة الأميركية ومشتريات البنوك المركزية والمضاربة، تتحدد ملامح المرحلة التالية للمعدن النفيس.

كيفن وورش: تصريحاته أكدت أنَّ معركة التضخّم لم تنتهِ.

محمد زين الدين*

أمضى الذهب معظم عام 2026 وهو يذكّر المستثمرين بحقيقة قديمة كثيرًا ما تُنسى في الأسواق الصاعدة: تسجيل القمم لا يعني أنَّ الطريق إليها يسير في خطٍّ مستقيم. فبعد الاندفاعة الاستثنائية التي حملت المعدن النفيس إلى مستوى قياسي قرب 5600 دولار للأونصة في كانون الثاني (يناير)، جاء تصحيح حاد، قبل أن يُعيدَ التعافي في آب (أغسطس) حاجز 5000 دولار إلى قلب النقاش في شارع المال الأميركي، “وول ستريت”.

لكن المختلف هذه المرة أنَّ 5000 دولار لم يعد مجرد رقم دائري يصلح للعناوين، ولا هدفًا بعيدًا يراهن عليه أكثر المتفائلين. فـ”سيتي” (Citi) رفع أخيرًا هدفه للذهب في الأمد القريب، من صفر إلى ثلاثة أشهر، من 4500 إلى 4800 دولار، مع الإبقاء على هدفه للأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة عند 5000 دولار. أما “جي بي مورغان” (JPMorgan)، فيحتفظ برؤية أكثر تفاؤلًا على المدى الأبعد، تتضمن إمكان وصول الذهب إلى نحو 6000 دولار بحلول نهاية العام.

وهكذا لم يعد السؤال: هل يستطيع الذهب بلوغ 5000 دولار؟ فقد تجاوز هذا المستوى بالفعل في كانون الثاني (يناير). السؤال الأكثر أهمية هو: هل يستطيع العودة إليه على قاعدة أكثر استقرارًا هذه المرة، ثم البقاء فوقه؟

الإجابة ستعتمد على تفاعل أربعة عوامل رئيسية: أسعار الفائدة الأميركية، والعوائد الحقيقية والدولار، ونوعية الطلب الاستثماري، ومشتريات البنوك المركزية. وإذا كان آب (أغسطس) قد أظهر مقدار القوة التي يستطيع الذهب اكتسابها عندما تتحرك هذه العوامل لمصلحته، فإنَّ الأيام الأخيرة أظهرت أيضًا مدى سرعة انعكاس الاتجاه عندما تتغير توقعات الفائدة.

ما الذي يدفع الذهب نحو 5000 دولار؟

يحمل تعديل “سيتي” الأخير دلالة تتجاوز رفع الهدف بمقدار 300 دولار. ففي حزيران (يونيو)، كان البنك قد رفع هدفه القصير الأجل من 4000 إلى 4500 دولار، ثم عاد في آب (أغسطس) ليرفعه إلى 4800 دولار، ما يعكس السرعة التي تغيّرت بها قراءة السوق خلال الصيف.

ولا تقوم هذه الرؤية على الجغرافيا السياسية وحدها. فالذهب يستفيد عندما تنخفض العوائد الحقيقية أو يضعف الدولار، لأنَّ تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصلٍ لا يدرُّ فائدة تصبح أقل. وإذا ترافق ذلك مع المخاوف المالية والجيوسياسية، يحصل المعدن على أكثر من محرك في الوقت نفسه.

وقد بدا هذا المزيج حاضرًا بقوة خلال آب (أغسطس). ففي 25 من الشهر، وصل الذهب إلى نحو 4696 دولارًا للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة أشهر، مستفيدًا من ضعف الدولار وتراجع توقعات رفع الفائدة، إضافة إلى إجراءات وزارة الخزانة الأميركية لدعم سوق السندات طويلة الأجل.

لكن ما حدث بعد ذلك كان تذكيرًا مهمًا بالمخاطر.

فبيانات التضخم الأميركية أظهرت ارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7% على أساس سنوي حتى تموز (يوليو)، ما أعاد بعض الرهانات على رفع الفائدة. ثم جاءت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش في “جاكسون هول” لتؤكّد أنَّ معركة التضخّم لم تنتهِ، فارتفعت احتمالات التشديد النقدي وهبط الذهب بأكثر من 3% في جلسة 28 آب (أغسطس) إلى نحو 4567 دولارًا للأونصة.

وهذا التحرك يلخّص المُعضِلة الحالية: الذهب قريب بما يكفي من 5000 دولار لجعل اختبارها ممكنًا، لكنه حساس أيضًا بما يكفي للفائدة والدولار بحيث يمكن أن تتسع المسافة مجددًا خلال جلسات قليلة.

لهذا السبب أصبح مسار الاحتياطي الفيدرالي العامل الأكثر تأثيرًا في المدى القصير.

فالذهب لا يدر عائدًا، وبالتالي يميل إلى الاستفادة عندما تنخفض الفائدة الحقيقية، بينما يصبح الاحتفاظ به أكثر تكلفة نسبيًا عندما ترتفع عوائد السندات. كما إنَّ ارتفاع الفائدة يدعم الدولار عادة، ما يضيف ضغطًا آخر على الذهب المقوّم بالعملة الأميركية.

وهذا ما يجعل قراءة التضخّم أو تقرير الوظائف أكثر أهمية حاليًا من مجرد رقم اقتصادي جديد. فالسوق لا تسأل فقط إن كان التضخم مرتفعًا أو منخفضًا، بل ماذا يعني ذلك للقرار المقبل للاحتياطي الفيدرالي.

وقد ظهرت هذه الحساسية بوضوح خلال أسبوع واحد. فمع تراجع توقعات رفع الفائدة، اندفع الذهب نحو 4700 دولار؛ وعندما عادت تلك التوقعات، فقد جزءًا كبيرًا من المكاسب. وفي 28 آب (أغسطس)، ارتفع الاحتمال الذي تسعّره السوق لرفع الفائدة في أيلول (سبتمبر) إلى نحو 58%، بعدما كان 36% قبل تصريحات وورش.

لذلك، فإنَّ الوصول إلى 5000 دولار قد لا يحتاج إلى تغيُّر جذري في الاقتصاد العالمي بقدر ما يحتاج إلى تحوُّل جديد في تسعير الفائدة: تضخم أكثر اعتدالًا، أو ضعف في سوق العمل، أو إشارات أقل تشددًا من الاحتياطي الفيدرالي. أما إذا بقي التضخم عنيدًا، فقد تصبح رحلة الذهب إلى 5000 دولار أطول مما بدا عليه الأمر في منتصف آب (أغسطس).

لكن الفائدة تستطيع تفسير سرعة الحركة، لا الاتجاه كله.

فخلف التقلبات اليومية توجد قوة أكثر هيكلية تتمثل في الطلب على الذهب نفسه. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أنَّ إجمالي الطلب، بما في ذلك التعاملات خارج البورصة، بلغ 2522 طنًا في النصف الأول من 2026، بزيادة 2% عن العام السابق. وبسبب ارتفاع الأسعار، بلغت قيمة هذا الطلب مستوى قياسيًا قدره 380 مليار دولار.

وتبرز البنوك المركزية في قلب هذه القصة.

فبعد تباطؤ واضح في الربع الأول، قفز صافي مشترياتها إلى 289 طنًا في الربع الثاني، أكثر من خمسة أضعاف مستوى الربع السابق، وبزيادة 62% عن الفترة نفسها من 2025. وكانت بولندا أكبر مشترٍ معلن، فيما رفعت الصين وتيرة تراكم احتياطياتها. ومع ذلك، بلغ إجمالي مشتريات البنوك المركزية 345 طنًا في النصف الأول، وهو أدنى مستوى لهذه الفترة منذ 2022، ما يعني أن الاتجاه قوي لكنه ليس خطيًا.

وتكمن أهمية هذه المشتريات في أن دوافع البنك المركزي تختلف عن دوافع المضارب. فهو لا يشتري الذهب عادة للمراهنة على قرار الفائدة المقبل، بل لتنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية وتقليل الاعتماد على عملات وأصول بعينها.

ولهذا يمكن للبنوك المركزية أن توفر نوعًا من الطلب الهيكلي الذي لا يختفي بالضرورة مع كل تصحيح سعري.

في المقابل، تكشف تفاصيل الطلب الاستثماري صورة أقل تجانسًا.

فصناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب سجلت خروجًا صافيًا بنحو 45 طنًا في الربع الثاني، بينما بقي الطلب على السبائك والعملات أكثر تماسكًا عند 307 أطنان. أما استهلاك المجوهرات فتراجع إلى 278 طنًا، وهو أدنى مستوى فصلي منذ الجائحة، بعدما جعل ارتفاع الأسعار شراء الذهب أكثر صعوبة في الأسواق الاستهلاكية الكبرى.

وهذا التباين مهم لأن “سيتي” نفسه حذر من أنَّ جزءًا من الارتفاع الأخير جاء من التدفقات المضاربية والعقود الآجلة، وأنَّ استمرار الصعود يحتاج إلى طلب مادي أقوى.

بعبارة أخرى، تستطيع المضاربة أن تدفع الذهب بسرعة إلى 4800 أو حتى 5000 دولار، لكن السؤال هو مَن سيشتري عند تلك الأسعار.

إذا انضمت البنوك المركزية والمستثمرون الآسيويون ومشترو السبائك ورؤوس الأموال طويلة الأجل إلى الموجة، يصبح المستوى الجديد أكثر قابلية للاستمرار. أما إذا سبق السعر الطلب الفعلي كثيرًا، فقد تصبح السوق معرضة لتصحيح جديد بمجرد تغير توقعات الفائدة.

وهنا تبدو الصين مهمة بصورة خاصة. فقد ارتفع صافي وارداتها من الذهب عبر هونغ كونغ بنحو 11% في تموز (يوليو) مقارنة بالشهر السابق، في مؤشّر إلى تحسُّن الطلب الاستثماري.

من 5000 إلى 6000 دولار… ما الذي يحتاجه الذهب؟

إذا كان 5000 دولار اختبارًا قريبًا، فإنَّ 6000 دولار ينتمي إلى معادلة مختلفة.

فـ”جي بي مورغان” خفض في أيار (مايو) متوسط توقعه لسعر الذهب في 2026 من 5708 إلى 5243 دولارًا بسبب فتور الطلب الاستثماري قصير الأجل، لكنه أبقى على رؤيته الصعودية للمدى الأبعد، متوقعًا ارتفاع الذهب إلى نحو 6000 دولار في أواخر 2026 مع تحسن الطلب من المستثمرين والبنوك المركزية.

وهذا التفريق ضروري. فالوصول إلى 5000 دولار من المستويات الحالية يحتاج إلى ارتفاع يقارب 9%، وهو تحرك ليس استثنائيًا بالنسبة إلى سوق شهدت تقلبات أكبر بكثير خلال العام. أما الوصول إلى 6000 دولار فيحتاج إلى إعادة تسعير أوسع، ويصعب تحقيقه إذا ظلت أسعار الفائدة مرتفعة والعوائد الحقيقية قوية.

لذلك فإنَّ الرهان على 6000 دولار يقوم على استمرار مجموعة من القوى الهيكلية: مشتريات البنوك المركزية، والمخاوف بشأن قيمة العملات، والديون والعجز المالي، والانقسامات الجيوسياسية، ورغبة المستثمرين في زيادة حيازاتهم من الأصول الحقيقية.

لكن هذه العوامل قد تحدد الاتجاه الطويل الأجل من دون أن تمنع تصحيحات كبيرة في الطريق.

5000  دولار… الاختبار الحقيقي

بعد التقلبات الاستثنائية التي شهدها الذهب في 2026، يبدو مستوى 5000 دولار قريبًا بما يكفي ليكون هدفًا واقعيًا، لكنه ليس قريبًا بما يكفي ليصبح نتيجة حتمية.

فالذهب يملك اليوم قاعدة دعم لم تكن تعتمد على عامل واحد: بنوك مركزية تواصل التنويع، ومستثمرون يبحثون عن حماية من المخاطر المالية والجيوسياسية، وطلب آسيوي مهم، ومخاوف مستمرة بشأن قيمة العملات والديون الحكومية. وفي المقابل، تواجه هذه القوى خصمًا قويًا: احتمال بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة، أو ارتفاعها أكثر إذا استمر التضخم.

ولهذا ربما يكون الخطأ هو التعامل مع 5000 دولار باعتبارها مسألة مسافة سعرية فقط. فالانتقال من 4560 أو 4600 دولار إلى 5000 ليس هو الاختبار الأصعب؛ الأصعب هو معرفة نوع الطلب الذي سيحمل الذهب إلى هناك.

إذا جاء الصعود أساسًا من المراكز المضاربية، فقد يستطيع المعدن لمس المستوى ثم التراجع عنه مرة أخرى. أما إذا ترافق انخفاض العوائد والدولار مع استمرار مشتريات البنوك المركزية وعودة التدفقات الاستثمارية واتساع الطلب الفعلي، فقد يتحول 5000 دولار من حاجز نفسي إلى نطاق سعري أكثر استقرارًا.

وعندها فقط سيصبح السؤال عن 6000 دولار أكثر جدية.

فالذهب أثبت هذا العام أنه يستطيع الوصول إلى قمم يصعب تصورها، ثم خسارة مئات الدولارات بسرعة مماثلة. وما ستختبره السوق في المرحلة المقبلة ليس قدرة المعدن على صنع رقم قياسي جديد فحسب، بل قدرته على الاحتفاظ بالمستويات التي يصل إليها.

وفي هذا المعنى، ليست المعركة الحقيقية حول ما إذا كان الذهب سيعود إلى 5000 دولار، بل حول ما إذا كان يستطيع، عندما يصل إليها، أن يجعلها تبدو أقل كقمة… وأكثر كسعر طبيعي جديد.

Exit mobile version