هنري زغيب*
كان ذلك في القاهرة قبل 113 سنة من اليوم: الخامسة والربع بعد ظهر الخميس 24 نيسان/أبريل 1913، القاعة الكبرى في الجامعة المصرية تستقبل كبارَ أَعيانِ الدولة وأَهلَ الأَدب والصحافة، يتقدَّمهم، ممثِّلًا صاحبَ الرعاية، الأَميرُ محمد علي باشا، جاؤُوا جميعًا بكل مَهابةٍ يحتفلون بتكريم ابن بعلبك شاعر القُطرين مصر ولبنان خليل مطران.
البادرة جاءَت من الصحافي اللبناني نزيل القاهرة سليم سركيس، الذي خصص عددًا كاملًا من مجلته الشهرية “مجلة سركيس” (العدد المزدوج 4 و5 – نيسان/أَيار – أبريل/مايو 1913) نشَر فيه جميع ما قيل وكُتِب في ذاك المهرجان الأَدبي الكبير، أَقامه سركيس لمناسبة نيل خليل مطران في السنة السابقة 1912 “الوسامَ المجيديَّ الثالث” من خدْيَوي مصر عباس الثاني، وهو أَرفع وسام رسمي عهدذاك.
هذا العدد النادر من “مجلة سركيس”، استلَّه الدكتور هيام ملَّاط من مكتبته الخاصة (ومكتبتُه من أَندر المكتبات في لبنان غنًى توثيقيًّا بمجلَّات وكتُب يرقى معظمُها إِلى القرن التاسع عشر)، وأَعدَّه تحقيقًا وتدقيقًا وتحريرًا وتعليقًا، وأَسداه إِلى “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني” في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU ، فصدَرَ في منشورتها كتابًا في 192 صفحة بعنوان “خليل مطران في مراياهم”.
أَهميةُ الكتاب في ما حوى من نصوص المهرجان الأَدبية الثمينة. بينها قصيدة أَحمد شوقي ومطلعها: “لبنانُ، مجدكَ في الـمَشارقِ أَوَّلٌ… والأَرض رابيةٌ وأَنتَ سَنامُ” (السَنام: أَعلى مرتفَع على الرابية). وقصيدتُه تلك في لبنان جاءَت قبل أَربعَ عشْرةَ سنةً من قصيدته الشهيرة “يا جارة الوادي” (كتبها لزحلة سنة 1927 وصدرَت في مجلة شكري بخاش “زحلة الفتاة” تاريخ 21 آب/أغسطس 1927).
وكان سليم سركيس كتب إِلى صديقه جبران في نيويورك سائلًا إِياه المشاركة في مهرجان خليل مطران، فـأَرسل جبران مقطوعتَه الشهيرة “الشاعر البعلبكي”. طلب سركيس أَن تقْرأَها مي زيادة، فقرأَتْها. وكانت تلك المقطوعةُ فاتحةَ العلاقة التَرَاسُلية بين مي وجبران (النص موجود في كتاب جبران “العواصف” – القاهرة 1920).
وبين نصوص المهرجان مقطوعة أَمين الريحاني (لم يحضَر إِلى القاهرة فأَرسل نصَّه من الفريكة، وصدر لاحقًا بعنوان “هَجَروها” في الجزء الثاني من “الريحانيَّات”)، وقصيدة شبلي ملَّاط ممثلًا شعراء لبنان، ونصوص حافظ ابرهيم، وشكيب أَرسلان، وأَنطُون الجميل، وولي الدين يكن، وأَمين تقي الدين، وسواهُم ممن حضَروا وأَلقَوا، أَو كتبوا إِلى سركيس مهنِّئِينَه على البادرة، ومهنئين خليل مطران على نيلِه الوسامَ المصريَّ الأَعلى.
كتاب الدكتور هيام ملاط “خليل مطران في مراياهم” إِرثٌ ثمين في منشورات “أَكاديمْيا فيليب سالم للتراث اللبناني” لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU. وهو هديةٌ من الجامعة لكلِّ من يطلُبه، ويحتفظُ به ضوءًا ساطعًا من تراث لبنان الخالد.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
